في اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة.. يتجدد النضال وينبعث قوياً عتيداً- هيفيدار خالد

في اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة.. يتجدد النضال وينبعث قوياً عتيداً- هيفيدار خالد
السبت 25 تشرين الثاني, 2023   03:28

دخل النضال النسوي العالمي مرحلة جديدة، منذ العام الماضي، بعد جريمة مقتل الشابة الكردية جينا أميني على يد السلطات الإيرانية المتمثلة بما تسمى شرطة الأخلاق في طهران؛ بحجة عدم ارتدائها الحجاب بشكل صحيح، لتشعل الحادثة الأليمة بعدها احتجاجات شعبية، عبَّدت الطريق أمام اندلاع ثورة حقيقية بقيادة نسائية لا مثيل لها في تاريخ المنطقة تحت شعار "المرأة، الحياة، الحرية"، والمقتبس من أطروحات القائد عبد الله أوجلان لتصدح به حناجر النساء في كل مكان. 

وسرعان ما توسّعت رقعة الاحتجاجات التي قادتها الحركة النسائية وألهمت قلوب جميع النساء والأحرار من حول العالم، فشاركت فيها شخصيات إيرانية وعالمية، بينهم فنانون وكتّاب ورياضيون وناشطون مدنيون وسياسيون، دعموا الثورة التاريخية وعبّروا عن تضامنهم معها في نضالهم ضد السلطات الإيرانية التي ترى في حرية المرأة خطراً على وجودها وتحاول من خلال هذه القوانين المجحفة استهداف المرأة وحرمانها من أبسط حقوقها في الحياة.

ثورة جينا أميني عالمية الملامح والنفس والروح، والمزينة بعبق الشرق العريق، أعادت قضية المرأة والانتهاكات التي تتعرض لها على يد آلة القمع في البلاد إلى دائرة الضوء مرة أخرى، لتنطلق بعدها وعلى الفور حملة تضامنية عالمية واسعة، فقد أقدمت عشرات النساء على قص شعورهن احتجاجاً على الجريمة التي ارتكبت بحق الشابة الكردية، مرددات هتافات وشعارات من قبيل "لا للحجاب، لا للعمامة، نعم للحرية والمساواة" للتعبير عن رغبتهن في التغيير والعيش بحرية وكرامة، والمطالبة بحقوقهن كاملة.

تحوّلت الثورة النسوية إلى بارقة أمل لجميع النساء في المنطقة في ظل تعرضهن لهجمات الذهنية الذكورية وسياستها العدائية ضد وجودهن في الحياة، لذا التفت العديد من النساء حولها وقدمن الدعم والمساندة لها من خلال تنظيم العديد من النشاطات والفعاليات، للتنديد بعنف السلطات في إيران بحق النساء المحتجات والمناضلات اللواتي خرجن إلى الساحات لاستعادة حقوقهن والدعوة لتغيير النظام الحالي والاستجابة لمطالبهن المحقة والتي تتضمن حياة حرة تسودها الديمقراطية والسلام وإنهاء مسلسل العنف والانتهاكات اللا إنسانية الممارسة بحقهن في السجون والمعتقلات والجامعات والمدارس والفضاء العام.

ونحن نستقبل اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة في هذا العام، لا بد من تذكير النساء بضرورة تصعيد نضالهن الأيديولوجي ضد الذهنية السلطوية التي تعنّف المرأة وتغتصب إرادتها، بروح ثورة جينا أميني التي بعثت أمل النضال من جديد في نفوس جميع النساء في العالم وزادتهن ثقة وعزيمة وإيماناً في مناهضة كافة مفاهيم السلطة الذكورية تحت أقسى الظروف الصعبة، وعدم الاستسلام مهما كانت الأسباب والضغوطات.

في الخامس والعشرين من تشرين الثاني من كل عام ترتفع الأصوات النسائية عالياً للمطالبة بمحاسبة مرتكبي الانتهاكات بمختلف أنواعها بحق النساء في كافة أصقاع العالم، والتنديد بها، والتأكيد على نبذها والقضاء عليها. إلا أنه وعلى الرغم من كل هذه الجهود الجبارة ما زال هناك عنف مستمر ومتواصل لا يمكن توصيف التداعيات الناتجة عنه. نعم اعتدنا كل عام أن نراقب مؤشّرات المنظمات الدولية التي تكشف عن حصيلة ضحايا العنف من النساء والأطفال، والتي تبلغ في معظم الأوقات أرقاماً كبيرة، لكن مع الأسف الشديد، لم تستطع المنظمات الحقوقية التي تزعم الديمقراطية والحرية والعدالة إيقاف جرائم القتل التي ترتكب بحق المرأة في أنحاء مختلفة من العالم حتى الآن.

العديد من النساء يعملن في بيئات غير آمنة لهن، مع عدم استطاعتهن تأمين أبسط مقومات الحياة، لأنهن غير قادرات على الخروج من الأزمات والحروب التي هي من صنيع الرجال، وهن يضطررن للعيش فيها ويعانين منها كثيراً نتيجة الظروف الإنسانية الصعبة التي يمررن بها، مع العلم أن تلك الظروف والمعاناة ليست وليدة اليوم إنما هو حالهن منذ زمنٍ كما هو معروف. 

جميع الانتهاكات والممارسات الوحشية التي ترتكب بحق المرأة اليوم في منطقة الشرق الأوسط هي نتيجة الصراعات والحروب الدائرة على هذه الجغرافية المشتعلة، بدءاً من سوريا إلى العراق فإيران وتركيا وبعدها أفغانستان وليبيا وفلسطين والسودان وعلينا ألا ننسى إقليم آرتساخ الأرمني وعلى وجه الخصوص النساء اللواتي تعرضن لأبشع عمليات التهجير القسري في العصر الحديث، أمام مرأى ومسمع المجتمع الدولي المنافق الذي طبق ازدواجية المعايير بكافة حذافيرها.  

 

تتعرض النساء لعمليات قتل واعتداء جنسي وتطهير عرقي جماعية على أيدي الأنظمة الشمولية والحداثة الرأسمالية. هذه الأنظمة التي ترى في كينونة المرأة ونضالها خطراً على مشاريعها الاحتلالية والتوسعية والتي تنفذ مخططاتها الإجرامية بطرق وأساليب عنصرية بحتة، مدعية أن المرأة لا تفهم في السياسة، ليتم استهدافها باسم الدين تارة، وباسم القانون تارة أخرى، واستباحة إراقة دمها تحت مسمياتها الكيفية، وما تتعرض له النساء في غزة بفلسطين منذ نحو شهرين نموذج حي وماثل للعيان على ذلك.

من الأهمية التذكير بأنه قد ارتفعت وتيرة التحريض ضد النساء كثيراً، حتى أصبح مصطلح النسوية تهمة تحاكم عليها المرأة التي تتعرض للعنف من بيئتها المحيطة بها بسببه، وهو ما أدى إلى غياب العديد من النساء عن المشاركة في أي عمل من حقهن المشاركة فيه، ويمنع أيضاً أي أحد من مساعدة النساء أو المساهمة في تمكينهن وتعزيز مشاركتهن بالشكل الذي يجعلهن فاعلات ومؤثرات في مجتمعاتهن.

من هنا يتطلب من جميع النساء لعب دور قيادي للخروج بالمنطقة من الصراعات والأزمات التي تمر بها. حيث إن للمرأة دوراً مهماً وفعّالاً في تحقيق الأمن والسلام في منطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص. فهي صاحبة جوهر تستطيع من خلاله محاربة مفاهيم الذهنية الذكورية التي تخلق الحروب والنزعات وتدمر الطبيعة والبيئة وتقتل النساء وتستهدف الأطفال. لا سيما أنها اليوم صاحبة ميراث كبير في النضال النسوي بعد أن حققت مكتسبات وإنجازات حقيقية خلال الفترة الأخيرة.

وعلى هذا الأساس على المرأة وجميع الحركات والتيارات والتنظيمات النسائية الانتقال من الإطار المحلي المحدود إلى الآفاق الإقليمية والدولية اللامحدودة، برفع صوتها ضد ذهنية الأنظمة الاستبدادية والذكورية السلطوية والرأسمالية، التي تحاول النيل من إرادة المرأة وتهميش دورها ومحو وجودها، ومقاومتها المتدفقة، حتى الوصول إلى حياة حرة والحصول على الحقوق المشروعة.

الحركات والمنظمات والمؤسسات النسائية في شمال شرق سوريا أعلنت حملتها لمناهضة العنف ضد المرأة هذا العام تحت شعار "ضد كافة أشكال العنف والاحتلال، المرأة ـ الحياة، الحرية"، كما أن نشاطاتها وفعالياتها استمرت لمدة 13 يوماً وركزت فيها على توعية النساء بأهمية اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة، وضرورة تطوير الآليات والأساليب الحقيقية التي من شأنها تقديم الحل الأمثل لهذه المعضلة واجتثاثها من الجذور وبالتالي الانتهاء من براثن ذهنية السلطة الأبوية.

واليوم النساء في مناطق شمال وشرق سوريا يصررن على مواصلة النضال الذي بدأنه منذ سنوات في وجه الهجمات الإرهابية وسياسات الإبادة التي ينفذها الاحتلال التركي بحقهن، لا سيما بعد أن صعّد الاحتلال من هجماته العدائية ضدهن واستهدف العشرات من الشخصيات والقيادات النسائية السياسية والعسكرية والمدينة أمثال القيادية جيان تولهلدان وشرفين سردار وزينب ساروخان وليمان شويش ويسرى درويش وكوكبة من رفيقات دربهن في النضال والقضية.

في هذا اليوم التاريخي لا بد للمرأة من تصعيد نضالها الفكري والثوري أكثر من أي وقت مضى. فهي بحاجة لرص صفوفها أكثر للتصدي لكافة أنواع هجمات الإبادة التي تمارس بحقها من قبل الفاشية التركية التي غيّبت أصواتاً نسائية حرة وطموحة عن عالمنا، ولكن صدى أصواتهن لن يغيب بعد أن بعث الإرادة والعزيمة في قلب كل امرأة حرة لمواصلة النضال النسوي في وجه جميع الأنظمة التي تحاول إسكات الأصوات المطالبة بالحرية في بلادنا، ومواصلة مسيرة النضال حتى انتزاع حرية وعدالة جميع النساء. وكي لا تبقى امرأة واحدة عرضة للقتل والاعتداء الجنسي والتعنيف، والحد من سياسات الإبادة الجماعية وعمليات التهجير والتطهير العرقي التي تتعرض لها النساء في القرن الواحد والعشرين حيث الحديث عن الحريات والحقوق وحرية الرأي والتعبير.