نظرة على مراحل تطور المسرح في شمال وشرق سوريا

"أعطني خبزاً ومسرحاً، أعطيك شعباً مثقفاً"، هكذا قال برتولت بريخت، (Bertolt Brecht)‏ أحد أبرز الكتّاب المسرحيين في القرن العشرين، ليسلط الضوء على أهمية المسرح في تناول وحلّ مختلف القضايا المجتمعية بجميع تفرعاتها، فما هو وضع المسرح في شمال وشرق سوريا؟

نظرة على مراحل تطور المسرح في شمال وشرق سوريا
الأحد 26 آذار, 2023   21:34
قامشلو

شكّل المسرح على امتداد تاريخه الذي يعود إلى ما قبل الميلاد بنحو 6 قرون؛ ساحة مهمة للتعبير عن قضايا المجتمع، سواء كانت اجتماعية أو سياسية أو ثقافية، فهو يعكس الواقع الاجتماعي ويعتبر امتداداً له في بعض الأحيان، ويؤدي دور تغيير الواقع في أحيانٍ أخرى.

في إنكلترا على سبيل المثال، كانت المسرحيات التي سبقت عصر النهضة في الغالب مسرحيات دينية؛ تتناول قضايا المجتمع من منظور ديني في وقت كانت فيه الكنيسة تتحكم فيه بمفاصل الحياة.

لكن مع انطلاق عصر النهضة في أوروبا مع بدايات القرن 14 الميلادي وما رافقه من نضالات للتحرر من قيود الكنيسة وتطور الفلسفة الذي أدى إلى تراجع نفوذ الكنيسة بتضحيات الآلاف من الناس يقودهم علماء بارزون، تطور المسرح أيضاً؛ ليشكّل علامة تحوّل بارزة في التخلص من مفهوم "القدرية" إلى مفهوم الفرد المسؤول عن نفسه وتحديد مصيره.

وبينما كان الأبطال في المسرحيات الدينية يموتون نتيجة القدر أو قرار إلهي، باتوا يموتون في مسرحيات وليم شكسبير؛ بسبب أخطائهم الشخصية دون تدخّل قوة خارجية.

في مسرحية "أنتوني وكليوباترا" لشكسبير، يسقط أنتوني على سيفه ويموت بهذه الطريقة التي ترمز إلى أنه مات بسبب قرار خاطئ اتخذه هو بنفسه.

كما تمثّل رائعة الكاتب المسرحي "كريستوفر مارلو" المعنونة باسم "دكتور فوستوس" تعبيراً صارخاً عن رفض الكنيسة لصالح حرية الفرد في اتخاذ القرار.

هذه الأمثلة القليلة، تعكس قوة الفن المسرحي في تشكيل ذهنية المجتمع، ولكنه وككل الفنون ونتاجات الفكر البشري، كان عرضة للاستغلال من قبل الأنظمة الحاكمة التي سعت على الدوام لفرض سيطرتها على هذه النوع المهم من الفن وتطويعه خدمة لمصالحها.

ولم يكن هذا الواقع مختلفاً في سوريا في ظل حكم البعث، والذي شهد تأسيس المسرح القومي أواخر الخمسينات من القرن الفائت، بالتزامن مع صعود النزعة القومية في الشرق الأوسط، مدفوعاً بزخم تأسيس دولة قوموية للأتراك عام 1923 وتأسيس دولة إسرائيل عام 1948.

وكما وضع البعثيون أيديهم على كل شيء في سوريا، بعد استيلائهم على السلطة في سوريا في 8 آذار عام 1963، وضعوا أيديهم على المسرح أيضاً وربطوه بسلطتهم مباشرة.

ومثلما أنكرت السلطات البعثية الوجود الكردي، جرى تهميش الكرد في الساحة الفنية أيضاً بما فيها المسرح، ولم تسمح للكرد بأي عمل فني، إلا ذلك الذي جرى تحت مظلتها، ولعلّ مسرحية "ليلة سقوط بغداد" إحدى أبرز الأعمال المسرحية التي تكشف نظرة السلطات للكرد وتصويرهم كتابعين للولايات المتحدة الأميركية ضد البلدان التي تحتل كردستان، وهو ما برز من خلال شخصية "إيحو" التي أداها الفنان الراحل عبد الرحمن عيد، وهي سياسة تتبعها السلطات حتى الوقت الراهن.

استمر هذا الوضع، إلى أن بدأت الأزمة السورية ربيع عام 2011، لكن في 19 تموز عام 2012، انطلقت شرارة ثورة شمال وشرق سوريا، وحققت الثورة المتواصلة انفتاحات في مختلف مجالات الحياة بما فيها المسرح، وبدأ المسرح الثوري بالظهور وسار خطوات نحو الأمام.

ولطالما، اعتُبر المسرح مرآة للمجتمع، يتبادر إلى الذهن السؤال التالي، هل تمكّن المسرح في شمال وشرق سوريا من التحوّل إلى مسرح ثوري يعكس ثورة المجتمع ويمهد الطريق لها؟

في اليوم العالمي للمسرح في 27 آذار، نلقي نظرة على واقع المسرح في شمال وشرق سوريا بعد الثورة.

يعود تاريخ المسرح في روج آفا إلى المرحلة التي تلت عام 1980 عبر عروض مسرحية كانت تتم تأديتها خلال حفلات عيد نوروز.

وعام 1980 تاريخ لافت؛ إذ يفصله عامان فقط عن تاريخ إعلان تأسيس حزب العمال الكردستاني عام 1978، وعام واحد على عبور القائد عبد الله أوجلان إلى روج آفا عبر مدينة كوباني.

/ar/uploads/files/2023/03/26/175728_bshyr-mla-nwaf.webp

واعتبر الكاتب المسرحي، بشير ملا نواف، هذا التاريخ، بداية انطلاق المسرح في روج آفا ويصفها بالبذرة الأولى للمسرح التي تطورت فيما عقب انطلاق ثورة شمال وشرق سوريا.

وذكر ملا نواف أيضاً أنه في أعوام التسعينات كانت هناك لجنة من الكتّاب المسرحيين تعدّ النصوص المسرحية وتوزعها على الفرق المسرحية التي كانت تعمل سراً في ظل الحكم البعثي، وذكّر باسم المخرج المسرحي، محمد رسول الذي كانت له عدة أعمال حينها يجري إعدادها وتصويرها وإرسالها إلى فضائية "روج".

مع انطلاق الثورة، باتت الفرق التي كانت تمارس عملها سراً، بالعمل علناً، وأُسست فرق مسرحية في مختلف مناطق روج آفا منذ أواخر عام 2012.

/ar/uploads/files/2023/03/26/175820_adnan-mstfa.webp

عام 2012، أدت فرقة شاهمران التي أسسها كونفدراسيون الطلبة الكرد الوطنيين في مقاطعة عفرين، أول عرض مسرحي باسم Dalgeh (المشنقة) وهي من تأليف، محمد بلال يوسف الذي كانت له عدة نشاطات في الحقل الثقافي وعمل في مجلة سوركول وفقد حياته في (14-01-2000)، بحسب الكاتب والمخرج المسرحي، عدنان مصطفى.

وفيما بعد تأسست فرق مسرحية في مقاطعات روج آفا الثلاث (عفرين، كوباني، الجزيرة) ولاحقاً في شمال وشرق سوريا.

وبهدف تطوير العمل المسرحي؛ افتتحت أكاديمية الشهيد "يكتا" في ناحية تربه سبيه بمقاطعة قامشلو عام 2016، وخرجت العديد من الممثلين المسرحيين.

وفي خطوة أخرى على مسار تطوير العمل المسرحي، تأُسس كومين المسرح عام 2019 في مدينة قامشلو، خرّج الكومين منذ تأسيسه نحو 90 ممثلاً مسرحياً على مستوى إقليم الجزيرة ومقاطعة كوباني.

ومنذ عام 2015، نُظمت العديد من المهرجانات المسرحية لعل أبرزها مهرجان الشهيد يكتا هركول، الذي تنطلق اليوم دورته السادسة على خشبة مسرح محمد شيخو للثقافة والفن بمدينة قامشلو.

صحيح، أن هذه الخطوات الإيجابية أُطلقت على صعيد المسرح، إلا أنها لم تكن كافية؛ لتعكس حقيقة الثورة في شمال وشرق سوريا.

أحد أبرز الأسباب التي أعاقت تطور الفن المسرحي في شمال وشرق سوريا، وخاصة في روج آفا؛ هو القمع الذي تعرض له الشعب في سوريا وخاصة الشعب الكردي، قال بشير ملا نواف، إن تاريخ المسرح يعود إلى 7 قرون قبل الميلاد، لكن المسرح الكردي بدأ قبل عشرات السنوات فقط نتيجة للقمع الذي تعرض له طيلة قرون.

كما ذكر ملا نواف أن الهجمات المتواصلة على المنطقة وغياب الاستقرار السياسي عن شمال وشرق سوريا وسوريا بشكل عام وتراجُع الوضع المعيشي كعوامل إضافية؛ أدت إلى تراجع الاهتمام بفن المسرح.

وزاد الكاتب والمخرج المسرحي، عدنان مصطفى على ذلك، سبباً آخر وهو تراجع الاهتمام بالمسرح على الصعيد العالمي معيداً ذلك إلى تطور التقنيات وتحوّل الاهتمام إلى مشاهدة الأفلام والمسلسلات على الشاشات أو عبر مواقع الانترنت.

وعن العوامل الذاتية، سلطّ ملا نواف الضوء على ضعف الممثلين والكتّاب المسرحيين في المنطقة؛ كونه فن ناشئ، بالإضافة إلى غياب الاستمرارية واقتصار تقديم العروض المسرحية على مناسبات سنوية معينة؛ الأمر الذي يفقد المسرح جمهوره.

وأضاف على ذلك، ازدياد الهوة بين المواضيع التي تتناولها النصوص المسرحية وبين اهتمامات المجتمع.

فيما ذكر مصطفى سبباً آخر، وهو عدم الاستفادة من التقنيات المتطورة ومزجها في العروض المسرحية باعتبار أن الإثارة البصرية عامل مهم في العمل المسرحي.

لكن بالمقابل، تتواصل الجهود للارتقاء بالفن المسرحي على مستوى شمال وشرق سوريا، ويجري التخطيط حالياً لإطلاق مسابقة للنصوص للمسرحية الصيف المقبل في خطوة؛ تهدف إلى تنمية مواهب الكتّاب المسرحيين وتعزيز النصوص المسرحية بأفكار تجذب الجمهور.

كما يوجد مشروع قيد الدراسة؛ لافتتاح معهد للفنون المسرحية في جامعة روج آفا، قد يرى النور الصيف المقبل، إذا ما كُتب له النجاح.

(م/آ)

ANHA