12 مقاتلاً بجسارتهم جددوا ملحمة درويشي عبدي في شنكال

ليست مصادفة أن يكرر التاريخ نفسه، ففي الجغرافية التي خاض فيها درويشي عبدي ملحمته مع 12 فارساً في معركته ضد العثمانيين سابقاً، استلهم المقاتلون في حزب العمال الكردستاني من ملحمته وقاموا بانطلاقة جديدة نحو جبال شنكال، بـ 12 مقاتلاً وقاتلوا ضد العدو نفسه وألحقوا الهزيمة النكراء به.

12 مقاتلاً بجسارتهم جددوا ملحمة درويشي عبدي في شنكال
الثلاثاء 2 آب, 2022   03:13
مركز الأخبارـ أحمد سمير

غالباً ما تركز الأغاني الكردية الملحمية على الحب أو الحرب، الأبطال أو الخونة، ولم يخلُ الفن الكردي من ملحمة درويشي عبدي وعدولة، مجسداً بذلك إحياء التاريخ الكردي الشعبي.

تركت هذه الملحمة ميراثاً من أعظم الملاحم التي خاضها الشعب الكردي في التاريخ الكردي، فملحمة درويشي عبدي أظهرت قوة وبطولة الشعب الكردي في مقارعة أعدائه في سبيل الدفاع عن قضيته وأرضه.

إذا فتحنا أوراق هذه الملحمة، سندرك معنى العشق الحقيقي للمرأة والوطن وأصالة البطولة الكردية الأصلية التي تحلى بها درويشي ي عبدي، عندما ربط عشقه لحبيبته عدولة بعشقه المجتمعي للأرض والحرية وبذل روحه في سبيل العشقين معاً.

تدور أحداث هذه الملحمة حول تحالف الشوفينيين من الأتراك والعرب ضد رغبات الشعب الكردي في الحرية والمتجسدة في اتحادهم تحت قيادة درويشي عبدي والملّيين و47 عشيرة كردية أخرى، بعدما أصبح تمر باشا الملّي قوة لا تقهر في قلب الإمبراطورية العثمانية والذي شكل جيشاً تجاوز تعداده 70 ألف مقاتل، كان التحالف الملّي مسيطراً على جميع الطرق المؤدية إلى حلب وآمد والموصل وأوشك على استقلال الإمارة الكردية عن الدولة العثمانية.

حيث كانت منطقة نفوذه تمتد من أرزروم إلى بيراجيك جنوباً ثم شرقاً إلى جبل كزوان وجبل شنكال في الجنوب الشرقي وشمالاً إلى جزيرة بوطان وآمد، كانت عاصمته ويران شهير.

رفض تمر باشا الملّي دفع الضرائب، ولم يدع أحداً من أبناء العشائر الملّية يخدم في الجيش العثماني فقرر السلطان العثماني تعيين سليمان باشا آل شاوي قائداً عاماً للجيوش الزاحفة ضد تمر باشا الملّي عام 1791م، وقد ضم إلى جيشه آلاف الفرسان غير النظاميين من عشيرة "الجيس" البدوية وبعض القبائل التركمانية استعداداً للمعركة.

تمهيداً للقتال، زحفت قوافل العثمانيين إلى ماردين، حيث واجهت الجيش الملّي، لم يستطع الجيش الملّي الصمود أمام تلك الجيوش الجرارة، أخذ سليمان باشا آل شاوي يعاقب العشائر الملّية بقسوة، إذ أقدم على إعدام رؤساء العشائر وقادتهم، وأنهك القوة الملّية في تلك المنطقة.

طلب تمر باشا العون من درويشي عبدي وأخيه سعدون؛ كونه يدرك جسارتهما وأنهما متمرسان في القتال، فـ درويشي عبدي ابن عبدي رئيس عشيرة الشرقية الإيزيدية أصبح قائد الجيش الكردي. وكانت القيادة تتألف من 12 رجلاً، 6 من الكرد الإيزيديين و6 من الكرد المسلمين، عاشقته عدولة بنت الأمير تمر باشا الملّي مسلمة، وهي رمز الأرض ورمز الإمارة الكردية التي يجب الدفاع عنها بدمائهم.

قبل توجُّه درويشي عبدي إلى ساحة المعركة قابلته عدولة وقالت له: "لا أريد أن تضحي بحياتك من أجلي"، رجته أن يقوم بالعدول عن قراره، لكن درويش كان قد حسم أمره وقال لها: "لا أستطيع تحمّل وقوع أرضي وشعبي تحت نير الأعداء ومهما كانت التضحية فأنا مستعد لها".

وهو على صهوة جواده، ألحق درويشي عبدي ـ بتكتيكات حرب الأنصار ـ خسائر فادحة في صفوف الأعداء واستنزافاً هائلاً في صفوفهم في مناطق سهل الموصل وويران شهير وجبلي شنكال وكزوان.

عجز الأعداء عن إلحاق الهزيمة بدرويشي عبدي، إلا بالمكر والخديعة. إذ قاموا بالفرار إلى أرض مليئة بحفر الفئران وكان على صهوة حصانه يطاردهم في هذه الأثناء، فتقع ساق الحصان في حفرة ويلتف حوله جنود العدو ويبدؤون بضربه بسيوفهم الحاقدة، يصاب درويش بجروح بليغة ثم يتم نقله إلى تل قريب من جبل شنكال، حيث تلتقيه عدولة وبكل شموخ تضع رأسه على كتفها وتصرخ بأعلى صوتها بكلام يهز وجدان العشائر، فتسرد كل تاريخ الكرد من ظلم الأعداء والإبادة التي ارتكبت ضدهم ومقاومة الكرد البطولية وتشير إلى دور المرأة في الحفاظ على الثقافة والأصالة.

يستشهد درويش وعشرة من رفاقه، بعد أن ألحقوا ضربات موجعة بأعدائهم، لم يدعوهم يحققون مأربهم؛ مما زاد من روح الوحدة والمقاومة لدى أبناء الكرد.

فشنكال الذي حافظ سكانه على الديانة الإيزيدية العريقة والمقدسة، تعرض لـ 73 فرماناً، آخرها هجوم مرتزقة داعش في 3 آب 2014، يشكل الموطن المقدس للعشق والحقيقة التي لم تتخلَّ عن إيمانها ومقدساتها رغم سطوة سيوف الإبادة الجماعية.

وبدأت الهجمات على الإيزيديين باكراً في عهد الإسلام في زمن الخليفة الراشدي عمر بن خطاب /634 – 644/ إذ كانت أولى الهجمات، بحسب الإيزيديين، سنة 640 م والتي قادها قاسم بن عباس اليمني وعبد الله بن عمر.

وعقب ذلك استمرت الهجمات على الإيزيديين مع سيطرة الأمويين على السلطة، وتابع العباسيون طريق أسلافهم، وتؤكد المصادر الإيزيدية تعرضهم لـ 12 حملة عسكرية وهجوماً في الفترة ما بين 640 – 979 م.

وبعد هذه الفترة تعرض الإيزيديون لهجمات الأوغوز الأتراك سنة 1029 م، الذين أسسوا فيما بعد الدولة السلجوقية في ظل ضعف الدولة العباسية واستنجادها بهم، وحكم السلاجقة المنطقة باسم الإسلام وارتكبوا المجازر باسمه أيضاً.

وأسس السلاجقة سلطنة الروم "سلاجقة الروم" عام 1075 بعدما أعلن القائد السلجوقي سليمان بن قتلمش نفسه سلطاناً. ونظراً لأن الإيزيديين تعرضوا للويلات والكوارث على أيديهم، فإنهم يستخدمون كلمة "رومي" في إشارة منهم إلى الشؤم.

كما تعرض الإيزيديون للمجازر على يد التتار عام 1259، والمغول أعوام 1368 – 1394 – 1400م.

لم يرحم التاريخ المجتمع الإيزيدي، إذ عانوا كثيراً من العثمانيين الذين ارتكبوا لوحدهم 101 مجزرة وذلك عن طريق إصدار فرمانات.

كيف تأثر القائد عبد الله أوجلان بملحمة درويشي وعدولة

تأثر الفيلسوف والقائد عبد الله أوجلان بملحمة درويشي وعدولة أثناء الاستماع إلى الفنان بافي صلاح العفريني، إذ تحدث القائد بشكل مستفيض في مجلده الخامس من مانيفستو الحضارة الديمقراطية القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية، وينبه إلى المخاطر التي تحاك ضده في المستقبل.

أولى القائد أوجلان أهمية كبيرة للمجتمع الإيزيدي، حيث لفت الانتباه كثيراً إلى وجودهم وأسماهم بـ ثقافة الجذر، وفي كتابه "الدفاع عن الكرد بين فكي الإبادة الثقافية"، حذر من عمليات الإبادة، منوهاً "أنا لا أتحدث هنا عن الإبادة الجسدية فقط، بل أتحدث عن الإبادة الثقافية وجميع أنواع الإبادات الأخرى.

يجب أن نغير هذا القدر

تولد عشق كبير في قلب القائد عندما استمع إلى ملحمة درويشي عبدي وعدولة، إذ شبه القائد وضعه بحال درويشي عبدي قائلاً: "درويش بطل كردي، حارب بكل بطولة وبسالة ضد العثمانيين وهو قائد كردي في عصره وبموته بقي الكرد بلا قائد، وأنا أطور وحدة الكرد وأقوم بالقيادة أيضاً، رأيت أن التاريخ يتكرر من خلال شخصيتي ووقفت كثيراً على كلام عدولة، وقلت يجب أن نغير هذا القدر".

وبموازاة ذلك، لفت القائد أوجلان إلى رفاق درويشي عبدي الـ 12 الذين نالوا مرتبة الشهادة، وقال: "الرفاق من حولي أيضاً يحرقون أنفسهم واحداً تلو الآخر، عشق درويش كان كبيراً وحربه ضد العدو كانت أكبر".

القائد أوجلان قد تنبّأ بالمخاطر المحيطة بالمجتمع الإيزيدي

وتنبأ القائد أوجلان بالمخاطر التي تحيط بالمجتمع الإيزيدي وحذر من عواقب أي اعتداء على المعتقدات القديمة في الشرق الأوسط، وفي مقدمتهم المجتمع الإيزيدي، ودعا إلى حماية أنفسهم.

مجزرة 14 آب

وتحققت هذه التنبؤات، إذ تعرض المجتمع الإيزيدي لمجزرة راح ضحيتها 600 إيزيدي في 14 آب 2007 إثر هجوم بأربع سيارات مفخخة، بعد سلسلة حافلة من المجازر والمذابح بحقهم عبر التاريخ.

الفرمان 73 وهجوم مرتزقة داعش

وفي 3 آب 2014 تكررت المأساة من جديد، وهاجم مرتزقة داعش بمخطط إقليمي ودولي شنكال بعد فرار مسلحي الحزب الديمقراطي الكردستاني والقوات العراقية دون أي مقاومة تذكر، تاركين المجتمع الإيزيدي عرضة للمذابح والمجازر والقتل والخطف.

وجه القائد أوجلان بعد الهجوم انتقادات حادة لعدم اتخاذ الإجراءات اللازمة لصد الهجوم، كان القائد قد دعا من خلال ملحمة درويشي عبدي وعدولة إلى الحماية والتسلح، كذلك نبه من المخاطر والتهديدات.

القائد أوجلان وقصيدة شعرية عن ملحمة درويشي عبدي

وأعد القائد أبياتاً شعرية عن ملحمة درويشي عبدي قائلاً: "على غير عادة مني خطرت لي هذه الأبيات الشعرية استذكاراً لملحمة درويشي عبدي".

آه لو كنت ودرويشي عبدي على ذرى سنجار!

أعدو به سهل الموصل على صهوة حصان أبيض

متسلقاً جبال كردستان ودرويش الجريح على ظهري

وأقول انظر، هناك الآلاف من عدولة والاثني عشر

نم قرير العين على قمم الجبال التي على عرشها الإلهات تعتلي

لا تغتم، فأهلاً بالموت أين وكيفما جاء

ما دامت الكرديايتية والحياة الحرة حلتا، وغدتا حقيقة أبدية.

أرسلنا 12 مقاتلاً إلى جبال شنكال

كرر التاريخ نفسه، ليستلهم منه أحفاده ويقوموا بانطلاقة جديدة، إذ لفت عضو الهيئة التنفيذية لحزب العمال الكردستاني مراد قره يلان، أنهم بادروا بالاستعداد من أجل حماية شنكال قائلاً: "أرسلنا اثني عشر مقاتلاً إلى جبال شنكال، أنا بنفسي تحدثت إليهم وقلت لهم إن درويشي عبدي ذهب مع 12 فارساً من أجل تحرير أراضي الكرد".

فليبنوا حياتهم الحرة

في 13 تشرين الثاني 2015، وبعد مقاومة ملحمية لا تختلف عن ملحمة درويشي عبدي حرر أبناء شنكال وقوات الدفاع الشعبي وإلى جانبهم وحدات حماية الشعب والمرأة مدينة شنكال من رجس مرتزقة داعش، حينذاك قال القائد أوجلان موجهاً كلامه للمجتمع الإيزيدي: "لا داعي ليعيشوا القلق بعد الآن فليبنوا حياتهم الحرة".

ما زال الإيزيديون معرضين للخطر

اليوم وبعد 7 سنوات على تحرير شنكال من مرتزقة داعش لا تزال هناك مخاطر على وجود الإيزيديين هناك، إذ يحاول الحزب الديمقراطي الكردستاني وحكومة الكاظمي تنفيذ المخططات التركية الهادفة إلى النيل من الإدارة الذاتية التي شكلوها هناك لإبادة شعب شنكال، إلا أن جميعها باءت بالفشل، إلا أن مخاطر احتلاله ما زالت قائمة.

(سـ)

ANHA