الشَّمع الأحمر يشعل معركة بين المصارف والقضاء في لبنان

فتحت خطوة ختم موجودات مصرف "فرنسبنك" بالشّمع الأحمر الباب لخلاف محتدم بين الحكومة والمصارف اللبنانية، التي هددت بالإغلاق ما لم يُسارع إلى إنهاء الملاحقات القضائية والقانونية بحقّها. فما السيناريوات المرتقبة في القطاع المصرفي، وهل لدى الحكومة أي خطة لمنع الكارثة الجديدة؟

الشَّمع الأحمر يشعل معركة بين المصارف والقضاء في لبنان
الإثنين 28 آذار, 2022   05:27
بيروت - زياد أبو غزالة

ذاب الشَّمع، وكُفَّت يد القضاء، وفي المعركة المحتدمة انتصرت المصارف. هكذا حسمت النتيجة أخيراً بين المصارف اللبنانية والقاضية غادة عون فيما بات يعرف بتداعيات أزمة ختم مصرف فرنسبنك بالشَّمع الأحمر.

وفي آخر المستجدَات، تذهب الحكومة باتجاه رفع يد القاضية غادة عون عن ملف التحقيقات المتعلقة بالمصرف المركزي والمصارف اللبنانية كافَّة. فيما يتم الحديث عن خطة أشرف عليها رئيس الحكومة اللبناني نجيب ميقاتي، تهدف إلى تنظيم الشكاوى التي قد تتعرض لها المصارف مستقبلاً، بشرط أن تخضع الخطة للجنة خاصة يتعيَّن فيها قضاة مقربين من ميقاتي.

وفي السّياق، أصدرت جمعية المصارف بياناً أعلنت فيه أنها ستعود لمعاودة عملها بالشّكل الطبيعي وذلك بعد يومين من الإضراب التحذيري الذي خاضته ضمن إجراءاتها التصعيدية. وخاضت المصارف اللبنانية إضراباً غير مسبوق يومي الإثنين والثلاثاء الماضيين احتجاجاً على ما وصفته بـ"التعسف" في تطبيق السياسات المالية والقرارات القضائية بحقها. وكانت جمعية المصارف قد اتهمت الدولة ومصرف لبنان "بالامتناع عن تسديد موجباتهم وتحمّل مسؤولياتهم تجاه المصارف والمودع".

وأضافت في بيان أن المصارف حرمت من السيولة النقدية التي تسمح لها بتلبية طلبات الموظفين بتسديد رواتبهم نقداً، مشيرة إلى أن إضرابها هو ضد تعسف بعض القرارات القضائية والإدارية التي يفتقر بعضها إلى الحد الأدنى من السند القانوني والمصلحة العامة.

وعن أصل نشوء الأزمة بين المصارف والقضاء، والتي كانت الشرارة الأولى فيها مصرف فرنسبنك، أوضح المصرف في بيان له أنه في الـ15 من آذار الجاري، تبلغ المصرف قراراً يقضي بإلقاء الحجز التنفيذي على موجودات المصرف بما فيها الخزائن وموجوداتها والأموال في صناديقها، وختمها بالشمع الأحمر، وذلك في جميع الفروع، لتحصيل مديونية طالب التنفيذ، والتي ما زالت لغاية تاريخه قيد الطعن. وأضاف المصرف أنه قد تم فعلاً تنفيذ الحجز على فرعين من فروع فرنسبنك، حيث ختمت الصناديق الرئيسية للفرعين وهما يغذيان صناديق وصناديق الخارجية للفرعين.

وأفاد المصرف بأنه مارس حقوقه المشروعة أصلاً، وتقدم بالطعن أمام محكمة الاستئناف التي أصدرت قرارها في الـ22 من الشهر الحالي، وقضت بموجبه فسخ القرار المستأنف والحكم بوقف التنفيذ بالمعاملة التنفيذية في ضوء عدم وجود مستند رسمي يبين عرض الشك موضوع المعاملة التنفيذية على المسحوب عليه (مصرف لبنان) ما يستتبع سقوط الحق في مداعاة مصرف فرنسبنك من قبل طالب التنفيذ عياد إبراهيم.

وتابع المصرف أنه في اليوم نفسه، تبلغت حضرة رئيسة دائرة التنفيذ القاضية ماريانا عناني قرار محكمة الاستئناف وقد طُلب منها البت بمسألة فض الأختام عن الفروع التي تم حجز صناديقها "تلبية للوضع الإنساني ولمصلحة سائر المودعين" كما ورد حرفياً على محضر المعاملة التنفيذية، إلاّ أن رئيسة دائرة التنفيذ القاضية ماريانا عناني أصدرت قراراً قضى برد طلب المصرف بفض الأختام بالرغم من صراحة نتائج قرار محكمة الاستئناف.

ونتيجة لذلك، ختم فرنسبنك بالقول إنه يسعى دائماً للوقوف إلى جانب عملائه تحقيقاً للمصلحة العامة وسيعمد إلى تلبية حاجات عملائه من سحوبات عبر صرافاته الآلية في جميع الفروع التي سيتم تغذيتها من سائر صناديق الفروع الأخرى التي لم تختم بالشمع الأحمر وذلك بالقدر اللازم ريثما يصار إلى البت بالطعن الذي سيتقدم به المصرف بشأن قرار القاضية ماريانا عناني برد طلب فض الأختام.

إضراب المصارف قلب الجمر تحت الرماد

نهاية العام 2019 كان على موعد مع أعتى أزمة اقتصادية يمرّ بها لبنان، أزمة طاحنة عصفت بالبلاد وأفضت إلى قيود صارمة جداً فرضتها المصارف على السحوبات بالدولار والليرة على حدّ سواء. في ظل انهيار مالي حاد وتراجع استثنائي في احتياطي العملات الأجنبية لدى البنك المركزي.

واقع صعب كان لا بدّ أن تظهر تداعيته القضائية بعد مرور أكثر من عامين، لتظهر رزمة إجراءات جديدة بحق مصارف تجارية تحت شعار "استرداد الأموال المحتجزة"، بالتوازي مع مشاحنات سياسية عميقة بين مدافع عن الإجراءات القضائية وبين معارض لها، وكان آخرها وتجلّت أخيراً بالحجز على واحد من أكبر المصارف اللبنانية، وإيقاف شقيق حاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة. بالإضافة إلى قرار بمنع سفر رؤساء مجالس إدارة 5 مصارف على خلفية تحقيقات في دعاوى ضدهم، تتعلق بتهم فساد تقدم بها عدد من المحامين اللبنانيين.

وتتوسع رقعة الملاحقات، لتمتد إلى نطاق أكثر حزم مع تحركات قضائية دولية بناء على دعاوى تقدم بها مودعون وجمعيات، كان آخرها قرار المحكمة البريطانية بإلزام مصرفي "عودة" و"سوسيتيه جنرال" اللبنانيين بدفع 4 ملايين دولار لأحد المودعين البريطانيين، ليرد بنك عودة بعدها بإغلاق عشرات الحسابات العائدة للبنانيين يحملون الجنسية البريطانية، أو أقارب لهم.

وفي المحصلة، دفعت تلك الإجراءات القضائية جمعية مصرف لبنان إلى إعلان الإضراب احتجاجاً على ما تتعرض له، لتوارب الباب على كارثة سيولة نقدية بالعملة الوطنية. ولعل هذه الضغوط هي ما دفع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي إلى اتخاذ موقف معاد لها واصفاً إيَّاها بالموقف "غير السّليم" و"الطريقة الاستعراضية البوليسية"، محذراً أن المودعين "سيدفعون الثمن" مجدداً، ومؤكداً في الوقت نفسه أن الملف سيكون موضع متابعة من وزير العدل لوضع معالجات على السكة الصحيحة.

وبالاستناد إلى التطورات الأخيرة، فإن المصارف عادت لمزاولة عملها مع كف الملاحقات القضائية بحقها، لكن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد، بل ينبئ باحتمال تكرار السيناريو نفسه في وقت لاحق، لن تختلف فيه الضحية وإنما تبقى نفسها، المواطن. صورة سوداوية تعكس سؤال طرحه النائب حسن فضل الله: "هل يحق للمصارف الإضراب؟ وهل يتواطأ معها المصرف المركزي؟"، معتبراً أن "المصرف المركزي والمصارف يرجون على القضاء بمعاقبة الشعب اللبناني والضغط عليه أكثر مما هو مضغوط"، ليرمي النائب الكرة بعدها في مرمى الحكومة قائلاً إنها "لا تستطيع أن تقول ليس بمقدورها فعل شيء، فالحكومة هي السلطة التنفيذية".

وعلى الضفة المقابلة لتصعيد المصارف ومشروعية خطواتها، يؤكد خبراء ومختصون بأن الإجراءات القضائية أمر طبيعي جداً، وأن كل حكم قضائي نافذ يصب في مصلحة المودعين على المدى المتوسط والبعيد، وليس كما يشاع بأنه يتسبب في خسارة المودعين لأموالهم. وفي تصور هذا الفريق أن المعضلة الحقيقية بدأت فعلاً مع اتخاذ المصارف إجراءات غير قانونية تعتدي بالدرجة الأولى على حقوق المودعين وتهمش دور القضاء اللبناني وتسيس قراراته. كل هذا في ظل انهيار اقتصادي لم يشهد لبنان مثله، وفرقة سياسيّة لم تستطع حتى اللحظة في أن تتجاوز خلافاتها وتتفق على خطة لإعادة هيكلة القطاع المصرفي.

(ح)

ANHA