احتجاجات السويداء.. مطالب اقتصادية وخلفيتها سياسية

تستمر الاحتجاجات في السويداء منذ أيام والتي انطلقت هذه المرة بسبب الأوضاع المعيشية والاقتصادية المتردية، إلا أن هذه الاحتجاجات تعود خلفيتها إلى مطالب سياسية قديمة لأبناء المدينة، إذ رأى أحد سياسيي السويداء أن "رقعة الاحتجاجات ستتوسع وأن الحل هو بتطبيق نموذج الإدارة الذاتية".

احتجاجات السويداء.. مطالب اقتصادية وخلفيتها سياسية
الخميس 10 شباط, 2022   23:46
مركز الأخبار- ليلاف ديواني

تتواصل الاحتجاجات في مدينة السويداء جنوب سوريا منذ الـ 3من شهر الجاري، ضد قرار حكومة دمشق الأخير القاضي باستبعاد بعض الشرائح من "الدعم الحكومي"، بعد أن بات نحو 90 % من السوريين تحت خط الفقر، بسبب الأزمة اقتصادية الخانقة التي تشهدها البلاد وخاصة في المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة دمشق، إذ يعاني أبناء تلك المناطق من تدهور ملحوظ في مستوى المعيشة إثر عدم توزان الدخل مع الإنفاق.

وأفادت تقارير للأمم المتحدة "بأن أسعار المعيشة في المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة دمشق ارتفعت بنسبة تتجاوز 150%"، بينما لا يتجاوز دخل الفرد من عمال وموظفين 100 ألف ليرة سورية و200 ألف، أي ما يعادل 28 دولاراً أميركياً و55 دولاراً.

وبعد إصدار الكثير من القرارات المجحفة بحق السوريين عبر رفع أسعار المحروقات لمرات عدة والكهرباء والخبز والدواء ومعظم المواد الأساسية، أقرت حكومة دمشق، في بداية شهر شباط الجاري قراراً جديداً يتضمن استبعاد أكثر من نصف مليون أسرة ممن يحصلون على المواد التموينية عبر "البطاقة الذكية"، بنسبة تصل إلى أكثر من 15% من الأسر التي يصل إليها الدعم اليومي و47% من مالكي السيارات الخاصة، حيث إن معيار رفع الدعم عن أصحاب السيارات الخاصة يعتمد على امتلاك الأسرة سيارة واحدة تتجاوز سعة محركها 1500 CC وسنة الصنع تكون بعد عام 2008، بالإضافة إلى دراسة رفع الدعم عن الأشخاص الذين يملكون عقارات متعددة في ذات المدينة.

وادّعت الحكومة أن هذا القرار تم اتخاذه بدافع إيصال الدعم إلى الفئات الأكثر تضرراً واحتياجاً في المجتمع، إذ قالت معاونة وزير الاتصالات والتقانة فاديا سليمان، إن "اللجنة الاقتصادية في الحكومة درست بدقة كبيرة استبعاد فئات من الدعم، بهدف الوصول إلى الشرائح الأكثر هشاشة في المجتمع"!

"الشرائح بأكملها بحالة عوز"

وبهذا الصدد، أرجع منسق تجمّع السوريين العلمانيين الديمقراطيين في السويداء سمير عزام، أسباب اتخاذ حكومة دمشق هذا القرار إلى الحرب السورية المستمرة أكثر من عقد وما نجم عنها من دمار وهجرة رؤوس الأموال إلى الخارج وإغلاق المصانع وتوقف التصدير، بالإضافة إلى الفساد المستشري بأجهزة الحكومة وخاصة بالمستويات العليا للنظام والحكومة، إلى جانب استحواذ روسيا على معظم الأصول السورية مناطق نفوذها.

وتابع: "استحواذ روسيا على معظم الأصول السورية في مناطق نفوذها، ما أدى إلى نفاذ الموارد المالية للحكومة. كما صرح مؤخراً ممثل الرئيس الروسي لسوريا، ألكسندر لافرنتيف، فلم يعد لحكومة النظام إلا رفع وفرض مزيد من الضرائب، ورفع الدعم عن المواد الأساسية والاستيلاء على حوالي 30% من التحويلات المالية التي يرسلها السوريون المقيمون في الخارج لأسرهم وذويهم بالداخل، وبيع جزء كبير من المواد الإغاثية التي ترسلها الدول والهيئات المانحة للسوريين في السوق السوداء من قبل منفذين لتسيير عجلة مؤسسات النظام والحكومة".

وانتقد سمير عزام القرار، قائلاً: "الشرائح التي طالها رفع الدعم واسعة وهي بحالة عوز أصلاً حيث المرتبات الشهرية في مناطق النظام بين 60000 و800000 ليرة، ويوجد قطاعات واسعة من السوريين ليسوا موظفين بالقطاع المدني ولا العسكري، في الوقت الذي تحتاج فيه أسرة من 7 أفراد من 700 ألف إلى 1 مليون ليرة لتعيش تحت خط الفقر، والقرار سيكون له تداعيات شعبية".

سخط شعبي واسع

ولاقى هذا القرار سخطاً شعبياً واسعاً في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعصف بمناطق نفوذ حكومة دمشق والمصير المبهم الذي يعيشه السوريون بعد عقد من الحرب الدامية التي خلفت نصف مليون ضحية ودمرت ونهبت البلاد، إثر سياسات الأخيرة وتواطؤها مع القوى الخارجية في سبيل الحفاظ على السلطة.

ومنذ أربعة أيام تتصاعد رقعة الاحتجاجات في السويداء لتشمل بلداتها وأريافها أيضاً، وتطورت من التنديد بالواقع المعيشي وقرارات الحكومة الأخيرة التي لا تمت إلى واقعهم المعيشي بصلة إلى الهتاف بـ "إسقاط رأس النظام السوري بشار الأسد" و"السويداء إلنا وما هي لبيت الأسد" والمطالبة بتطبيق القرار الأممي 2254 المنصوص على الانتقال السياسي في سوريا.

وتعليقاً على ذلك، يقول سمير عزام، "شعارات إسقاط النظام لا نؤمن بها ورفعها من قبل عدد محدود من المحتجين مجرد ترداد لشعارات ثبت عدم جدواها، إنما المطالبة بتطبيق قرار مجلس الأمن الدولي 2254 أمر صحيح ومنطقي تماماً. مسار حل الشرعية الدولية وحده الكفيل بحل الأزمة السورية بعيداً عن مسار محور الاستبداد والإرهاب الروسي - التركي - الإيراني عبر مقايضات أستانا المخالفة للشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة".

الاحتجاجات قد تشمل المدن الأخرى

وفي إطار هذه الاحتجاجات، يعمد المحتجون إلى قطع الطرق الفرعية والرئيسة المؤدية إلى المدينة والسماح فقط لعمال القطاع الخاص والمدرسين وطلاب المدارس والجامعات بالمرور، كما أطلق ناشطون دعوات لجميع أهالي السويداء للمشاركة في الاحتجاجات الشعبية.

وعلمت صحيفة الشرق الأوسط من مصادر محلية، أن شخصيات دينية لدى الطائفة تلقت اتصالات مكثفة من مسؤولين في حكومة دمشق بمدينة السويداء ودمشق، طالبوا بتهدئة الشارع، وتقديم ورقة مطالب واضحة، وبالتوازي مع تعهدات "وهمية" قدمها محافظ السويداء نمير مخلوف خلال تصاعد الاحتجاج لتحسين الواقع الخدمي.

في حين، أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان، بأن تعزيزات عسكرية لقوات حكومة دمشق، وصلت مؤخراً إلى مركز مدينة السويداء، في الوقت الذي تشهد فيه المدينة انتشار أمني مكثف عند المراكز الحكومية، وسط مساع للأخيرة بتهدئة الشارع من خلال شخصيات دينية، إلا أنه رجّح مراقبون أن رقعة الاحتجاجات في السويداء قد تتوسع لتشمل المناطق السورية الأخرى وأن مساعي حكومة دمشق بتهدئة الشارع لن تنفع.

ويرى عزام أنه من المتوقع أن تتوسع الاحتجاجات وتشمل المناطق الأخرى، ويضيف: "انطلقت الاحتجاجات من السويداء ومن المرجح أن تنتشر في مناطق أخرى، مع الأخذ بعين الاعتبار أن لا سلطة فعلية للنظام في محافظة السويداء. حيث انتزعت المحافظة بتصدي فصائل الحماية وأهاليها حريتها السياسية بتصديهم لغزوات إرهابيين النصرة وأمثالها وداعش على أطراف المحافظة الشمالية والغربية والشرقية ودحرهم".

ومضى عزام في حديثه، قائلاً: "الخصوصية التي تتمتع بها محافظة السويداء، منها إقليمي ودولي ومنها ذاتي. حيث اتخذت المحافظة من بدايات الأزمة الخيار الثالث بالصراع، حمت وحافظت على مؤسسات الدولة ودافعت فصائلها عن المحافظة أمام غزوات الإرهابيين وبهذا الخيار انتزعت المحافظة حريتها السياسية وهذا هو السبب بانطلاق الاحتجاجات منها".

ولا تعتبر هذه الاحتجاجات في السويداء الأولى من نوعها، إذ سبق لسكان هذه المدينة أن خرجوا، متظاهرين ومحتجين بسبب سوء الأحوال المعيشية.

وكانت المدينة شهدت مطلع عام 2020 حركة احتجاج، حملت عنوان: "بدنا نعيش لا فساد ولا تهميش".

وعلى الرغم من عدم انخراط مدينة السويداء في صفوف ما تسمى بالمعارضة، إلا أنها تشكلت عدة قوى سياسية وعسكرية أبرزها حركة "رجال الكرامة"، التي تأسست على يد الشيخ وحيد البلعوس عام 2013، لمنع أجهزة دمشق الأمنية من اعتقال الشبان الرافضين تأدية الخدمة الإلزامية في قواتها. ولكن هذه الحركة تلقت صدمة كبرى حين اغتيل قائدها ومؤسسها منتصف عام 2015، في تفجير دامٍ.

الحل في إنشاء إدارة ذاتية

ودعت قوى سياسية وشخصيات عديدة من أبناء مدينة السويداء، لتطبيق نموذج الإدارة الذاتية الذي تم تطبيقه في شمال وشرق سوريا.

وأكد منسق تجمّع السوريين العلمانيين الديمقراطيين في السويداء سمير عزام، في ختام حديثه، أن سبيل انتزاع أبناء السويداء حقوقهم الاقتصادية يكمن في تأسيس إدارتهم الذاتية، ويقول "الآن حان الوقت لانتزاع السويداء حقوقها الاقتصادية ولن تحصل المحافظة عليها إلا بإنشاء إدارة ذاتية "إدارياً" إلى حين التوصل إلى حل نهائي للأزمة السورية".

(ي ح)

ANHA