​​​​​​​خط تماس بين توجهين سياسيين مختلفين.. ما هي مآلات التصعيد في أوكرانيا؟

تزداد الأزمة الأوكرانية احتقاناً يوماً بعد يوم على خلفية النزاعات الداخلية والخارجية المتعلقة بنظام الحكم وتحالفاته الدولية، بالإضافة إلى الصراع على الموقع الجغرافي الذي يعتبر فاصلاً بين توجهين سياسيين مختلفين (حلف الناتو وروسيا)، فما هي خلفية هذا الصراع؟ وما هو السيناريو المتوقع للأحداث؟

​​​​​​​خط تماس بين توجهين سياسيين مختلفين.. ما هي مآلات التصعيد في أوكرانيا؟
الجمعة 11 شباط, 2022   04:34
مركز الأخبار- يحيى الحبيب

ارتفعت نسبة الاحتقان والتصعيد على الحدود الأوكرانية خلال الفترة الماضية، مع حديث الولايات المتحدة وحلفائها عن استعداد روسيا لغزو أوكرانيا، وهذا ما تنفيه موسكو.

وفي وقت سابق، حذر وزير الخارجية الأميركي، أنطوني بلينكن، روسيا، من أنها سترتكب "خطأ فادحاً"، إذا حاولت الاعتداء مجدداً على أوكرانيا التي دقت ناقوس الخطر بسبب الحشود العسكرية الروسية المتزايدة على طول حدودها الشرقية.

وبدورها قالت وزيرة الخارجية البريطانية ليز تروس إن "الغزو لن يؤدي إلا إلى مستنقع رهيب وخسائر في الأرواح".

حشود روسية – أمريكية

وقال مسؤولون أميركيون إن الكرملين حشد 110 آلاف عنصر على الحدود مع أوكرانيا، لكن التقارير الاستخباراتية لم تحدد بعدُ ما إذا كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مصمماً فعلياً على اجتياح البلاد.

وقدّرت الاستخبارات الأميركية من جهتها، أن روسيا بات لديها فعلياً 70 بالمائة من القوة اللازمة لتنفيذ غزو واسع النطاق لأوكرانيا ويمكن أن يكون لديها القدرة الكافية أي 150 ألف جندي لتنفيذ هجوم خلال أسبوعين.

وأشار مسؤولون أميركيون إلى أن الاستخبارات الأميركية لم تحدد ما إذا كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد اتخذ قرار الانتقال إلى الهجوم أم لا، وأنه يريد أن تكون كل الخيارات الممكنة موجودة أمامه، من الغزو الجزئي لجيب "دونباس الانفصالي"، إلى الغزو الكامل.

وفي المقابل، وضعت مجموعة حاملة طائرات أميركية تحت قيادة حلف الناتو العملياتية في البحر الأبيض المتوسط والبحر الأدرياتيكي، وذلك للمرة الأولى منذ انتهاء الحرب الباردة، وبالتزامن مع اتهامات غربية لروسيا بالاستعداد لغزو أوكرانيا.

وتصل قوات أمريكية إضافية إلى بولندا في إطار نشر المزيد من القوات التي تستهدف تعزيز قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) في المنطقة.

وأُنزلت المجموعة الأولى من القوات الأمريكية في غيشوف، جنوب شرق بولندا. وأعلنت إدارة بايدن منذ أيام أنها سوف ترسل قوات إضافية إلى شرق أوروبا قوامها 3000 جندي.

خلفيات التصعيد

وتأتي هذه التوترات بعد ثماني سنوات من إعلان روسيا ضم شبه جزيرة القرم الأوكرانية إلى الاتحاد الروسي في 2014، علاوة على الدعم الروسي الذي يوجَّه للذين يسعون إلى الانفصال في منطقة دونباس، شرق أوكرانيا.

وتنقسم أوكرانيا بين شرق يتحدث بغالبيته اللغة الروسية وبين غرب يتحدث الأوكرانية. وتعد ثاني أكبر دولة أوروبية من حيث المساحة بعد روسيا.

ويلعب موقعها الجغرافي دوراً كبيراً في عبور إمدادات الغاز الروسية إلى دول غرب أوروبا، وهذا ما يعزز الصراع على هذا البلد.

وتحد أوكرانيا من الشمال الشرقي روسيا ومن الغرب دول الاتحاد الأوروبي بولندا وسلوفاكيا وهنغاريا، ما جعل هذا البلد كخط تماس بين توجهين سياسيين مختلفين.

وكانت أوكرانيا جزءاً من الإمبراطورية الروسية لعدة قرون قبل أن تصبح جزءاً من الاتحاد السوفييتي، وعندما تفكك الاتحاد السوفييتي مع نهاية الحرب الباردة عام 1991، أصبحت أوكرانيا مستقلة.

وسعت أوكرانيا إلى الابتعاد عن روسيا خلال الأعوام الماضية والاقتراب أكثر من الغرب وهذا ما أقلق وأزعج روسيا خاصة بعد وصول فلاديمير بوتين إلى الحكم والذي يطمح باستمرار إلى استعادة نفوذه على مناطقه السابقة.

وتمكن حليف بوتين، فيكتور يانوكوفيتش، من الوصول إلى السلطة عام 2010، وعمل لمدة أربع سنوات، لكن عندما رفض الرئيس المدعوم من الكرملين اتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوروبي لصالح تعزيز العلاقات مع موسكو، كانت هناك احتجاجات ضخمة وأُطيح به.

وكان رد روسيا هو ضم شبه جزيرة القرم وإعلانها مستقلة عن أوكرانيا عام 2014، كما أرسلت موسكو قوات إلى منطقتي دونيتسك ولوهانسك الأوكرانيتان - وهي منطقة تُعرف باسم دونباس- لدعم من كانوا يحاولون الانفصال عن البلاد.

وفي محاولة لإنهاء الصراعات الكبرى، قادت فرنسا وألمانيا اتفاقية سلام بين الجانبين عام 2015، لكنها فشلت في توحيد الجانبين سياسياً، واستمرت التوترات منذ ذلك الحين.

وتتهم روسيا أوكرانيا بأنها فشلت في الوفاء بالتزاماتها وفق اتفاق منيسك - وهو اتفاق دولي لاستعادة السلام في شرق أوكرانيا - حيث يسيطر المدعومون من روسيا على الكثير من الأراضي الأوكرانية، وتصر روسيا على أن أوكرانيا لا ينبغي أن تنضم إلى الناتو.

نخبة سياسية تستمع للتدخلات الخارجية

وأرجع الباحث في العلاقات الدولية والمقيم في فرنسا، طارق وهبي، أسباب الأزمة الأوكرانية إلى "أسباب داخلية وخارجية".

وقال وهبي، خلال حديث خاص، لوكالتنا: "الأسباب الداخلية هي أن النخبة السياسية الأوكرانية ليست على مستوى جيد لإدارة شؤون البلاد وهي تستمع لتدخلات خارجية أهمها أمريكية بالتحديد من أصول أوكرانية ترغب بالاستثمار في أوكرانيا وهي تريد أن تقمع كل صوت غير أوكراني، ولذلك هناك اختلاف داخلي مع مكونات المجتمع الأوكراني، ومنها الأوكرانيون من أصول روسية".

وأوضح "إن أزمة الدونباس هي الشرارة التي أوقدت أوكرانيا وأعطت عبر الضغوطات الروسية والأوروبية التنازل الأوكراني في اتفاق مينسك والذي ضغطت فيه روسيا لكي يحصل الانفصاليون في الدونباس حتى على حق الاستقلال الذاتي وهذا يعتبر التحدي الدستوري لمبادئ التدخل الأوروبي وهي: سيادة أوكرانيا، وعدم تجزئة أراضيها، واحترام حقوق الإنسان".

وبشأن الأسباب الخارجية، قال وهبي: "فهي خيار القيادة الأوكرانية بالانضمام إلى حلف الناتو وهذا ما لا تريده روسيا، والتي لا تزال عالقة بالتكوين السابق أي حلف وارسو. وهي لا ترغب أبداً أن تصبح أوكرانيا قاعدة عسكرية للناتو، وأخطر ما قاله الرئيس بوتين في المؤتمر الصحفي مع الرئيس ماكرون هو الغموض حول إذا ما أصبحت أوكرانيا عضواً في الناتو واستعمال ميثاق الناتو لاستعادة شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا لها والتي كانت تحت السيادة الأوكرانية".

هل يحدث الغزو؟

وحول إمكانية حدوث غزو روسي لأوكرانيا، قال الباحث في العلاقات الدولية: "هناك احتمال كبير أن تنطلق شرارة حرب مقفلة ومحلية في منطقة الدونباس إذا تقدمت القوات الروسية لتدعم الانفصاليين في جمهوريتي دونيتسك ولوهانسك، لكن المؤشرات العسكرية تفيد أن موسكو تطوق أوكرانيا عسكرياً، ليس فقط على الحدود المشتركة ولكن في بلاروسيا ومولدوفا وحتى في البحر الأسود".

وأضاف "هناك خطة محكمة وساعة القفز هي ملك الرئيس بوتين الذي يريد أن يؤدب القيادة الأوكرانية، الرجل لا يزال يعيش في معسكر الاتحاد السوفييتي، وحتى أنه يطمح أن يكسب هذا النزاع العسكري لكي يجمع الكل بعد ذلك، أي أوكرانيا والغرب، حول طاولة؛ لإهانتهم وفرض الشروط الذي يريدها هو وليس أحد".

الصين تراقب.. طموح بالاستثمار

وحول موقف الصين من هذا الصراع، قال وهبي: "الصين هي الحليف الأول لروسيا ولكنها بعيدة عن منطق التدخل العسكري خارج إطارها الحيوي أي في محيط أراضيها، بل ستؤدي دور مراقب، ولكنها كعادتها تطمح باستثمارات كالتي تقوم بها في أفريقيا وأوروبا".

وأضاف "أكثر من ذلك في آخر اجتماع للرئيسين الصيني والروسي تم توقيع اتفاقية مهمة لها علاقة ببيع الغاز الروسي وهذا تيقناً من الرئيس بوتين أنه في حال اندلاع نزاع عسكري تدعمه موسكو في أوكرانيا ستقوم أوروبا وأمريكا بفرض عقوبات أولها وقف شراء الغاز الروسي عبر مشروع (نورد ستريم) وهكذا لا يخسر موارد مالية في إيجاد زبون جديد كالصين التي تستحوذ بأقل من ١٠٪؜ من الغاز الروسي. أوروبا تعتمد على ٤٠٪؜ من مصادر الطاقة على الغاز الروسي".

وأوضح وهبي في هذا السياق "الصين كعادتها تترقب وستصوت لصالح روسيا في مجلس الأمن لإنها ليست متفقة، لا مع الغرب وبالتحديد حول حقوق الانسان وأزمة الإيغور، ولا مع الولايات المتحدة مع نزاعات المحيط الهادئ وجمهورية الصين الوطنية، تايوان".

دخول تركي على الخط.. بحث عن مقعد في طاولة المفاوضات

وكعادتها تركيا تحاول استغلال الصراعات والتناقضات الدولية وخاصة بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا كما حصل في سوريا.

التدخل التركي هذا المرة جاء عبر محاولة تنصيب رجب طيب أردوغان نفسه وسيطاً بين روسيا وأوكرانيا، كونها حليف مشترك للطرفين.

وعلى الرغم من حديث تركيا عن الوساطة، إلا أن مراقبين يرون بأن اندلاع الحرب هو لصالحها، حيث ستستفيد من بيع الأسلحة وخصوصاً الطائرات المسيّرة إلى أوكرانيا.

وأنشأت الشركة التركية بايكار والأوكرانية يكرسبكاسكبورت شركة ما بينهما تحت مسمى درع البحر الأسود لإنتاج “بيرقدار تي.بي 2” في أوكرانيا والتي كانت من ضمن جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق.

ومطلع الشهر الجاري، وصل أردوغان أوكرانيا، بهدف المشاركة في الاجتماع العاشر للمجلس الاستراتيجي رفيع المستوى بين البلدين والتباحث في ملفات تتعلق بالأزمة الأوكرانية.

وحول ذلك، قال الباحث في العلاقات الدولية: "تركيا وبشخص رئيسها أردوغان تطمح كما موسكو لإعادة إحياء الإمبراطورية العثمانية والسيطرة على توجهات بعض الدول ذات العرقية التركية، وهو يلعب على فتح حوار مع أوكرانيا كدولة من حوض البحر الأسود وقادرة أن تكون شريكاً اقتصادياً مع روسيا".

وأضاف "يجب ألا ننسى أن أردوغان كان قد سمح ببيع طائرات مسيّرة من صناعة تركية استعملتها الحكومة الأوكرانية لمراقبة وتصوير وحتى ضرب بعض مواقع الانفصاليين في الدونباس. أردوغان يحاول أن يكون لاعباً دون أن يكون له مصلحة مباشرة ولكن لكي يكون على طاولة المفاوضات لاحقاً كعضو مراقب لحوض البحر الأسود".

ماكرون لتخفيف الاحتقان ولا يرغب باصطفاف غربي خلف واشنطن

وأجرى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون محادثات في العاصمة الأوكرانية كييف، وقال إن خطر التصعيد ما زال قائماً، وذلك بعدما عقد قمة في موسكو مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين لتخفيف التوتر، لكن الكرملين نفى قطع أي وعود لماكرون بشأن التحركات العسكرية.

وحول مساعي الرئيس الفرنسي، قال وهبي: "ماكرون يريد أن يعود إلى مساعي الحلحلة وتخفيف الاحتقان بطرح اجتماع لدول صيغة النورماندي (فرنسا روسيا ألمانيا وأوكرانيا) واستعمال اتفاق مينسك ٢، ولو أنه غير مقتنع بهذا الاتفاق غير العادل لتسطير اتفاق جديد ينتزع فيه تنازلات من كل الأطراف المتنازعة لوقف الخلاف والعودة إلى الحياة الطبيعية لكن الجهود الفرنسية مشروطة بثلاث أمور ذكرناها سابقاً ونعيدها لأنها هي الثابتة في المفاوضات: السيادة، وعدم تجزئة الأراضي، وحقوق الانسان".

وأوضح "فرنسا لا تريد اصطفافاً غربياً خلف الولايات المتحدة الأمريكية بل إقناع أمريكا بأن أوروبا هي الأقرب لقيادة الحلول، ولذلك هناك تنسيق تام بين زيارة ماكرون لروسيا والمستشار الألماني شولتز لأمريكا والرئيس البولوني للصين. مساعي الرئيس الفرنسي لن تكون هادفة إلى حل مَرِن إذا لم يقتنع الرئيس بوتين أن الحل العسكري هو العودة إلى النزاعات في أوروبا، وهذا يناقض منطق الأمن والسلام والسلم في أوروبا".

إلى ماذا سينتهي هذا التصعيد؟

وتثير هذه التطورات والحشود مخاوف من ازدياد نسبة التصعيد، إلا أن التجارب السابقة تشير إلى أن هذا التصعيد سيزداد تدريجياً وينتهي باتفاق، وذلك كما حدث أوائل عام 2021، حيث كانت هناك حوادث متزايدة لخرق وقف إطلاق النار لعام 2015، ما أثار مخاوف من اندلاع حرب، لكن في أبريل (نيسان)، سحبت موسكو معظم قواتها وخفّت حدة التوترات.

الباحث في العلاقات الدولية، طارق وهبي، حاول استقراء مسار الأحداث، قائلاً: "الأزمة برأيي ستكمل بالاحتقان فالطرف الروسي سيدخل إقليم الدونباس ويساعد الانفصاليين على حرب داخلية قد تستمر مدة طويلة أكثر من سنتين ثم سيقرر بوتين الجلوس إلى طاولة مفاوضات، ولكن ذلك ليس كما يرغب العالم المناهض لقرارات روسيا".

(م)

ANHA