​​​​​​​النازحة سعدة الفرج.. تحيي تراثًا قديمًا لتصنع منه مأوى لها ولجيرانها

حاجتها للخيمة جعلتها تعود إلى مهنة تعلمتها من والدتها عندما كانت صغيرة، ألا وهي نسج عيدان البردي، لتبني منها جدارًا يحمي أسرتها النازحة من البرد في الشتاء، بإحدى المخيمات العشوائية في ريف الرقة الجنوبي.

​​​​​​​النازحة سعدة الفرج.. تحيي تراثًا قديمًا لتصنع منه مأوى لها ولجيرانها
الخميس 7 كانون الثاني, 2021   05:42
الرقة- خالد الجمعة

منسوج البردي أو كما يُعرف لدى أهالي الرقة بـ "الزرب" هي عيدان من نبتة البردي التي تنبت على ضفاف نهر الفرات، حث النازحة سعدة الفرج على تجميعها وربطها بخيوط ملونة لتشكيل جدار وتصنع خيمة تحميها وأسرتها من برد الشتاء.

وتعد صناعة الزرب من أقدم الحِرف التي عرفها تاريخ مدينة الرقة الحديث، وتميزت نساء الريف في الرقة بالمشغولات اليدوية، وانحصرت هذه الأعمال في ريف المدينة وتحديدًا لدى مربي الأغنام والبدو الرحل، وتعدّ هذه المهنة من الحرف التراثية العريقة.

النازحة سعدة الفرج في مخيم اليوناني بريف الرقة الجنوبي قالت "لا يوجد لدينا خيم تأوينا من برد الشتاء، سوى الثياب الممزقة التي ترونها على هذه العيدان التي تمنع دخول الهواء فقط، لكنها لا تمنع دخول الأمطار علينا".

'تراثنا حمانا من البرد'

وتابعت سعدة الفرج حديثها بالقول: "عندما كنت صغيرة علمتني والدتي هذه المهنة التي نعدّها تراثًا لنا، وها أنا أعيد تراث أجدادي، وأصنع جدارًا يأوينا أنا وأسرتي، لكننا لا نزال بحاجة إلى خيمة تقينا مياه الأمطار".

https://www.hawarnews.com/ar/uploads/files/2021/01/07/074353_reqa-kocber-28129.jpg

وأضافت سعدة الفرج: "هذا التراث حمانا من البرد وسترنا من أعين المارة، كان أجدادنا في السابق يستخدمونه لإحاطة بيت الشعر، مشكّلا ما يشبه بالجدار، يقلل حدة الهواء ويمنع دخول الحشرات، ويستخدمون في نصبه قضبان حديدية أو أوتادًا خشبية، يتم تثبيتها في الأرض وربط الزرب عليها بالخيوط".

وما إن تدخل إحدى الخيم في مخيم اليوناني الذي تأسس منذ 3 أعوام، تجد عيدان الزرب حاضرة فيها جميعًا وملونة بعدة ألوان (الأسود والأخضر والأصفر) التي تضفي على الخيمة منظرًا جميلًا.

'طريقة صناعة الزرب'

https://www.hawarnews.com/ar/uploads/files/2021/01/07/074335_sadh-alfrj.jpg

أوضحت سعدة الفرج طريقة صناعة زراب البردي، ابتداء من قطف عيدان البردي الخضراء من على ضفاف الفرات في فصل الصيف، حيث تجفف على أشعة الشمس، ثم قصها بأطوال متساوية لا تتجاوز المتر ونصف المتر أو أصغر من ذلك، حسب التصميم.

وأضافت سعدة الفرج "بعد قص عيدان البردي نقوم بنصب عمود بطول مترين أو أكثر ويكون مرتفعًا عن الأرض بمسافة 120 سم، ويوضع على العمود خيوط طويلة، عددها ثلاثة وما فوق، وذلك حسب ما تريد الصانعة، ومن ثم تُربط العيدان ببعضها عن طريق ربطها بحجارة حجمها يناسب سعة كف المرأة.

 سعدة الفرج بّينت أن صناعة الزرب تحتاج إلى تركيز عالٍ أثناء عملية الزخرفة، وتُنسج الرسوم الجميلة على الزرب حتى أصبحت بعضها تُعلّق كلوحات تزيّن جدران البيوت والمحال، كنوع من ذاكرة التراث.

'تعلم الفتيات هذه المهنة'

وقالت سعدة الفرج إنها علمت العديد من فتيات المخيم هذه المهنة ليقمن بالعمل ذاته، وأضافت "مثلما علمتني والدتي هذه المهنة قمت بتعليمها لفتيات المخيم، كي يعتمدن على أنفسهن ويحافظن على تراثهن".

وشكت سعدة الفرج سوء الأحوال في المخيم من كافة الجوانب، وأشارت إلى أن أغلب الذين يقطنون في مخيم اليوناني ليس لديهم خيم، ويعتمدون الطريقة نفسها التي اعتمدتها.

واختتمت سعدة الفرج حديثها بالقول "أنا لا أبيع ما أصنعه من الزرب رغم إني بحاجة إلى ثمنها، لكنني أصنعه للنازحين الذين حولي، ونأمل أن يتحسن وضعنا في هذا المخيم، وأن يتم تقديم خيم لنا، وأضافت "تركنا منازلنا في قرية الرصافة وهربنا من قصف النظام وقصدنا المناطق الآمنة كي نعيش بسلام".

والجدير بالذكر أن العرب كانوا يستعملون عيدان الزرب قديمًا للفصل بين أماكن الرجال والنساء في الخيم، فيما لا يزال البدو الرحل يستخدمونه إلى الأن.

(م)

ANHA

<iframe width="560" height="315" src="https://www.youtube.com/embed/u-DxhsiLdAo" frameborder="0" allow="accelerometer; autoplay; clipboard-write; encrypted-media; gyroscope; picture-in-picture" allowfullscreen></iframe>