ماذا بعد الهدوء الحذر في إدلب؟

بعد هدوء حذر منذ آذار/مارس المنصرم، صعّدت المقاتلات الروسية وقوات الحكومة السورية من قصفها لمناطق سيطرة المجموعات المرتزقة التابعة لتركيا، وبدأت تتكشف ملامح جديدة للوضع القائم في إدلب، في حين تؤكد الباحثة عبير الحيالي أن المعطيات تشير إلى انسحاب تركي تدريجي مقابل الحصول على مكاسب في ليبيا.

ماذا بعد الهدوء الحذر في إدلب؟
الإثنين 24 آب, 2020   21:15
مركز الأخبار – آزاد سفو

وتشهد محافظة إدلب الواقعة تحت سيطرة هيئة تحرير الشام والمحتلة من قبل تركيا، أحداثًا معقدة وغير متجانسة، إذ باتت مركزًا للصراعات الإقليمية والدولية، وسط تحشيد وتصعيد من قبل قوات الحكومة السورية وسلاح الجو الروسي على حدود منطقة التصعيد لإحداث اختراق في جبهة الساحل، وقابله الاحتلال التركي بإنشاء نقطة مراقبة هناك، مع تشكيل ما يسمى قيادة مركزية في المنطقة.

تحضيرات

وكثفت قوات الحكومة السورية عمليات القصف على محاور في جبل الزاوية بريف إدلب الجنوبي، وجبل الاكراد في ريف اللاذقية الشمالي، بالإضافة إلى عدد من النقاط التابعة للمرتزقة المدعومة من أنقرة، وذلك منذ دخول اتفاق موسكو بين تركيا وروسيا حيز التنفيذ في الخامس من شهر آذار/مارس المنصرم، حيث قضى الاتفاق بوقف إطلاق النار وتشكيل منطقة آمنة وتسيير دوريات روسية تركية مشتركة على طريق الـ M4 والذي يعتبر طريقًا استراتيجيًّا يعبر منطقة إدلب.

وبات هذا الاتفاق هشًّا مؤخرًا، وسط معطيات بأنه على وشك الانهيار في ظل حشود مستمرة للقوات الحكومية في ريف إدلب الجنوبي وعودة القصف الجوي الروسي، وتوقف تسيير الدوريات المشتركة بين روسيا وتركيا منذ 22 من شهر تموز، وكذلك عقب تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الذي أشار إلى أن الجانب التركي فشل في تنفيذ بنود اتفاق سوتشي بين الرئيس بوتين ونظيره أردوغان في أيلول/سبتمبر عام 2018، والمتعلقة بالفصل بين "المعارضة المعتدلة والإرهابيين" في الإطار الزمني المحدد في إدلب.

وفي هذا السياق، تقول الباحثة في العلوم السياسية الدكتورة عبير الحيالي: "إن تركيا تستمر باللعب على ورقة إدلب، ولن تتخلى عنها بسهوله بسبب الأهمية الاستراتيجية للمدينة والمتمثلة بموقعها على الطريق الدولي والذي يعدّ رابطًا بين سوريا وتركيا والخليج والأردن، ولذلك تحولت المدينة إلى ورقه مساومة بين كل من روسيا وتركيا ومحطة لإطلاق الرسائل والتهديدات ببن الطرفين".

تهديد لروسيا

حشود قوات الحكومة السورية على خطوط الجبهات، قابلها تعزيزات عسكرية ضخمة للاحتلال التركي دخلت من معبر كفرلوسين الحدودي في ريف إدلب الشمالي، وتوجهت إلى المواقع التي تحتلها تركيا في جبل الزاوية بريف إدلب الجنوبي.

ولفت المرصد السوري لحقوق الإنسان بأن الاحتلال التركي أدخل 6085 آلية عسكرية إلى المنطقة منذ بدء اتفاق 5 آذار/مارس، ولفت إلى أن عدد الآليات العسكرية التركية التي دخلت منطقة خفض التصعيد منذ شباط/فبراير 2020 وحتى الآن بلغ أكثر من 9420 آلية بين دبابات وناقلات جند ومدرعات وكبائن حراسة متنقلة مضادة للرصاص ورادارات عسكرية، فيما بلغ عدد الجنود الأتراك في إدلب وريف حلب أكثر من 12800 جندي.

التعزيزات التركية الأخيرة تزامنت مع تصريحات أطلقها قادة المرتزقة الذين يتحركون بإمرة أنقرة، عن تعزيز خطوط الجبهات في منطقة جبل الزاوية وسهل الغاب وريف اللاذقية وطريق الـ M4 ومناطق باب الهوى لمواجهة أي عمل عسكري تطلقه قوات الحكومة بدعم من روسيا.

وترى الدكتورة عبير حيالي في تصريح لوكالتنا، بأن إرسال تركيا تعزيزات عسكرية إلى محافظة إدلب الحدودية هي "استعراض لقوتها وتهديد للجانب الروسي" وأضافت: "بإمكانية هذه الخطوة إشعال فتيل الحرب في حال لم يتم الاتفاق على مقايضة مرضية في ليبيا التي ارتبطت أزمتها بالملف السوري وأصبح من المستحيل الفصل بينهما بعد المكاسب التي حصلت عليها تركيا في ليبيا".

وأشارت إلى أن تركيا تبحث عن فرض واقع جديد، وتابعت قائلةً: "تركيا تبحث عن المزيد من المكاسب في ليبيا مقابل المزيد من التنازلات في إدلب، لذلك كلما زادت تركيا الضغط والتسلح في إدلب كلما دفعت الجانب الروسي إلى تنازلات فيما يخص الملف الليبي وهو ما يفتح ثغرات في الخطوط الحمراء الروسية المرسومة في ليبيا".

السيناريوهات المحتملة

ويرى مراقبون في الشأن السوري أن قوات الحكومة قد تطلق عملية نحو جبل الزاوية التي تعد مفتاحًا للسيطرة على مناطق واسعة كونها منطقة جبلية مرتفعة تمتد من ريف إدلب الجنوبي حتى منطقة أريحا شمالًا، وتطل قرى الجبال على الطريق الدولي "حلب ودمشق" ومعرة النعمان من الجهة الشرقية، وعلى الطريق الدولي بين "حلب واللاذقية" من الجهة الغربية".

بالإضافة إلى جبل الزاوية، ذكرت تقارير عدة أن روسيا تخطط أيضًا للسيطرة على معبر باب الهوى والذي توجد قوات النظام السوري على بعد 20 كيلومترًا فقط منه، عند الطريق الدولي دمشق اللاذقية (M5)، فيما رجحت مصادر أخرى وجود مخطط روسي تم اطلاع تركيا عليه لوصل المعبر بالطريق السريع عن طريق خط الأتارب - باب الهوى.

ويأتي مخطط روسيا ضمن خطة إعادة تمركز قوات الحكومة وتضييق الخناق على مدينة إدلب بشكل كامل، فبحسب خبراء سوريين فإن روسيا من خلال السيطرة على معبر باب الهوى ستتمكن من محاصرة المرتزقة المدعومين تركيًّا بشكل كامل، وبذلك تضيّق الخناق عليهم وتمنع دخول المساعدات إلى المنطقة بشكل كامل، لتفرض على المرتزقة سياسة التجويع حتى تسليم تلك المنطقة بشكل كامل للقوات الحكومية.

وتقول الدكتورة عبير الحيالي في هذا الصدد: "مما لا شك فيه أن موسكو تولي الأهمية الكبرى في هذه المرحلة للملف السوري ولذلك تعمد تركيا إلى التهديد في إدلب لدفع الجانب الروسي للمضي قُدمًا في إيجاد آلية توافقية، ومع صعوبة إيجاد هذه الآلية لن تقدم تركيا على العمل العسكري في إدلب لأنها معركة خاسرة ولكن تريد أن تحتفظ بالأراضي التي احتلتها في سوريا".

انسحاب مقابل مكاسب في ليبيا

وأكدت الباحثة في العلوم السياسية الدكتورة عبير الحيالي أنه لا يمكن التنبؤ بمستقبل إدلب بسبب تعقيد الملف على المستوى الداخلي والإقليمي والدولي، ولكنها تعتقد بأن "الملف سيفتح للحل في القريب العاجل بسبب الضغوط الدولية على تركيا في ليبيا، والتي لن تقبل بها ولذلك ستعمد إلى إيجاد آلية توافق ومبادلة بين الانسحاب التدريجي من إدلب والحصول على مكاسب في ليبيا".

واختتمت الدكتورة عبير الحيالي حديثها بالتأكيد على أن الأزمة السورية لا يوجد لها بوادر حل قريبة، وستتجه إلى مزيد من التصعيد الدبلوماسي في إدلب، والعسكري في شمال شرق البلاد.

(ح)

ANHA