​​​​​​​الأربعاء الأحمر ...يوم بدء الخليقة وانبعاث الحياة

الأربعاء يوم فاضل، خلقه الملك فخر الدّين من العشق والقلب، لم يعرف للراحة والغفلة معنى حينها، فالأربعاء يوم بدون حساب، وهذا الجواب جاء من الملائكة، تُفتح فيه أبواب الخير من الشّروق إلى الغروب.

​​​​​​​الأربعاء الأحمر ...يوم بدء الخليقة وانبعاث الحياة
الأربعاء 15 نيسان, 2020   01:13
سيبان سلو- ريناس رمو

Çarşem rojeka fadile Melik Fexredîn afrandibû ji eşiq û dile Nasnedikir rihetî û xefiletê

Çarşem rojeke bi hesabe Ji ba wan meleka hatî ev cewabe

Derîyêt xêra divekirîn ji rojhelat heta rojava

هكذا يُقال في ترانيم الديانة الإيزيدية عن الأربعاء الأحمر، ويكتمل بالتضرّع إلى الله والشّكر للملك طاؤوس.

 

قصة التكوين

فكما أنّ لكل ديانة معتقدات وشعائر خاصّة بها وتقاليد وعادات تميّزها عن غيرها، إلّا أنّها في مضمونها جميعاً تدعو إلى عبادة الله ووحدانيته، وأنّه خالق هذه الأرض.

كذلك الديانة الإيزيدية التي تؤمن بأنّ الله هو من بثّ الحياة في الأرض يوم الأربعاء، يوم بعث الخليقة لدى معتنقي الديانة الإيزيدية.

وبما أنّ الإيزيديّين، قد فقدوا معظم تراثهم الدّينيّ نتيجة تعرّضهم للغزوات المستمرّة، فإنّهم يستمدّون معلوماتهم من الأحاديث الدينيّة، فقد جاء في "حديث التّكوين Aferîna dinyayê"

Xwedawendê me înê kir esase

Şemî boyê berê kirase

Çarşem boyê kir xilase

ربّنا بدأ بخلق الكون يوم الجمعة، ويوم السّبت بدأ بتفصيل الثّوب "ترتيب كلّ شيء بنظام"، وانتهى من عمله يوم الأربعاء.

ويُعدّ يوم الأربعاء الأول من شهر نيسان بالتقويم الشرقي "الكرمانجي" عيداً لدى الكرد الإيزيديين، ويسمّى "الأربعاء الأحمر"، أو رأس السنة الإيزيدية، فالعيد يصادف في فصل الربيع الّذي يكثر فيه انتشار ونموّ الزهور والورود بكافّة الألوان والأشكال، وشقائق النّعمان (xecxecog) وبحسب علماء الدين الإيزيدي، وكبار السنّ أنّ التسمية أتت من هنا.

ويقول البعض الآخر إنّ الشّعب الكردي الإيزيدي قد هدر الكثير من الدماء على أرضه خلال إمبراطورياته المتتالية.

يقول مدرّس الديانة الإيزيدية نسيم شمو إنّ الميثولوجيا الإيزيدية تشير إلى أنّ الكون كان عبارة عن ظلام وضباب، وكانت الأرض مغطّاة بطبقة من الجليد، وقد أرسل الله "طاووس ملك" يوم الأربعاء إلى الأرض لكي يعمّرها، ويُوجد الحياة فيها، بأمر من الله على هيئة طائر الطاووس، ونزل لأوّل مرّة في لالش – حج الإيزيديين، ويُوجد في منطقة شيخان جنوب كردستان، ولوجود طبقة من الجليد فقد حطّ على شجرة هرر، شجرة العزّة الربّانية، وبقدرة الخالق ذابت طبقة الجليد بفعل حرارة الشمس، وظهر وجه الأرض على حقيقته، وازدانت بحلّة من الزهور والورود بمختلف الألوان، الأحمر والأصفر والأخضر، لهذا فقد عدّ هذا اليوم بداية للربيع، فأُطلق عليه رأس السنة الإيزيدية.

وبحسب علماء الدين فإنّه حتى عام 612 قبل الميلاد كان الكرد يحتفلون على أنّ هذا اليوم هو عيد دينيّ فقط، ولكن وبعد أن ارتوت أرض كردستان في مثل هذا اليوم بدماء أبناء الشعب الكرديّ الذين حقّقوا الحرّية على أعتى إمبراطوريات تلك الحقبة ـ إذ أنّ في مثل هذا اليوم حصلت هجمةً على إمبراطورية ميديا الكردية ـ أصبح هذا العيد عيداً قوميّاً ودينياًّ بنفس الوقت، حتّى أنّ الشّيخ "آدي بن مسافر الهكاري" الّذي يُعدّ المرجع الدّينيّ للإيزيديين وضريحه موجود في لالش، قبل بذلك، حيث تقول إحدى السّبقات الدينية:

Çarşema serî Nîsanê

ŞêxAdî , şêx Şims xweste dîwanê

Xwedê berê xwe dide Êzdîxanê

Ewe cejna Kurdistanê

الأربعاء بداية نيسان

طلب الشّيخ آدي، من الشيخ شمس للمثول بين يديه، فالله قد نظر بعين الرحمة إلى الإيزيديين

إنّه عيدٌ لكردستان”.

ومع قدوم العيد الذي يصادف الأربعاء الأوّل من شهر نيسان حسب التوقيت الشرقي، يتحضّر الشعب الكردي من الديانة الإيزيدية لعيد جارشمبا سور "الأربعاء الأحمر" أو رأس السنة، يوم بعث الخليقة، بدءاً من تكوين الأرض وما يحيا فيها من كائنات، حيث يعدّ هذا العيد أحد الأعياد المباركة والفاضلة في الديانة الإيزيدية.

وتجري في هذا اليوم طقوس خاصّة، حيثُ ينهض الإيزيديون باكراً، ويرتدون أفضل ما لديهم من ثياب، ويضحّون بأضحية، كلٌّ حسب وضعه الاقتصادي "خروف، جدي، عجل وما شابه"، ويُزيّنون مداخل بيوتهم بالورود وشقائق النعمان.

وفي الوقت الذي تكون فيه النساء منهمكات في إعداد الطعام، يقوم الشبّان والشابّات بتلوين اثني عشر بيضة مسلوقة، كل ثلاث بيضات بلون فصل من فصول السنة، ويضعونها في طبق وسط البيت، والبيضة ترمز إلى كروية الأرض، "فالإيزيديون عرفوا كروية الأرض، قبل أن يرى العالم الإيطالي الشهير جاليلو النور بآلاف السنين"، وسلق البيض إشارة إلى تجمّد الأرض، وقشرة البيضة بعد سلقها ترمز إلى ذوبان طبقة الجليد عن وجه الأرض، وما تلوين البيضة إلّا إشارة إلى ألوان الورود والأزهار التي تفتّحت بقدوم طاووس ملك، أي الربيع، والربيع هو بداية الحياة.

ويزور الناس قبور موتاهم، وتأخذ النسوة معهن بعض البيض والحلوى والفواكه، ويتمّ توزيعها فيما بينهم وعلى الفقراء، ويكون ذلك في يوم الثلاثاء.

وهناك تقاليد قديمة خاصة بهذا العيد منها الامتناع عن نبش التربة والحراثة في هذا الشهر، لأنّ المزروعات والزهور والورود ومعظم النباتات تتفتّح في هذا الشهر، وأيضاً يتمّ تأجيل عقد الزواج إلى حين انقضاء هذا الشهر، ويعتقد أنّ القيام بعقد الزواج والإتيان بعروس، سيجلب لأصحاب البيت الويلات، حيث أنّ المعتقدات تقول إنّ شهر نيسان هو عرس بحدّ ذاته، حتى أنّهم أطلقوا على نيسان اسم عروس السنة: nîsan bûka sale; di ser xwere bûk nine

أي نيسان عروس السنة، لا تر عروس أجمل منها

 

إيزيديو روج آفا والأربعاء الأحمر

في روج آفا يوجد الإيزيديون في إقليمي الجزيرة وعفرين وحي الشيخ مقصود بمدينة حلب، حيث كانوا يقومون مع أبناء الشعب الكردي والسرياني في مناطق وجودهم بإقامة حفلات فلكلورية، وكانت تُقدّم فيها الأغاني والرقصات من الفلكلور الكردي وبرامج ثقافية ومسرحيات عن الديانة الإيزيدية.

الإيزيديون في روج آفا يمارسون كافّة طقوس العيد باستثناء تلك التي تجري في لالش المركز الروحاني للإيزيديين، كونه بعيداً عن أماكن وجودهم.

ومع بدء ثورة 19 تموز في روج آفا وشمال شرق سوريا، التي جلبت معها الحقوق المسلوبة للأقلّيات التي كانت مهمّشة في عهد النظام البعثي، فقد تقرّر في مقاطعات روج آفا اعتبار يوم الاحتفال بعيد الأربعاء الأحمر عطلة رسمية في كافّة الدوائر الرسمية مع حفظ الحقّ لإقامة الاحتفالات، وإحياء ثقافة العيد في المجتمع.

ومع بدء هجمات جيش الاحتلال التركي على عفرين، استُهدفت القرى الإيزيدية بشكل مباشر، مما تسبّب باستشهاد عدد من الأهالي ووقوع العديد من الجرحى، ونتيجة للخوف من ارتكاب المجازر بحق الإيزيديين، وإعادة تاريخ الفرمانات في عفرين مرّة أخرى، ترك إيزديو عفرين قراهم، وتوجّهوا مع الآلاف من العفرينيين إلى مقاطعة الشهباء، ليقوم مرتزقة جيش الاحتلال التركي بتدمير المزارات الدينية، وأقدمها "بارسه خاتون" في قرية قسطل جندو، والذي كان مقصداً للأهالي لطلب تحقيق أمنياتهم، وقد نُشرت مقاطع الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي أظهرت مدى الوحشية التي يكنّها المرتزقة للإيزيديّين وجميع أبناء الشعب الكردي، ونعتهم بألفاظ لا تمتّ إلى الأخلاق الإنسانية بشيء.

وفرض عليهم اعتناق الإسلام وارتياد الجوامع رغماً عنهم.

ناهيك عن نهب جميع أملاك الإيزيديين بحجّة أنّها حلال عليهم، متستّرين بالشريعة الإسلامية التي ترفض ذلك في تعاليمها.

كما ودمّر مرتزقة جيش الاحتلال التركي تمثال زردشت الذي وُضع أمام مركز الجمعية الثقافية الإيزدية، الممثّل الوحيد للمجتمع الإيزيدي في عفرين، وأحرقوا مركز الجمعية أيضاً.

وفي سري كانيه المحتلّة أيضاً تعرض الإيزيديون لجرائم  من قبل مرتزقة الاحتلال ، حيث نهبوا أكثر من 8 قرى إيزيدية، وهجّروا سكّانها منها، في حين كانت مدينة سري كانيه تحوي فرعاً للبيت الإيزيدي بإقليم الجزيرة.

شنكال والأربعاء الأحمر

وبعد الحروب والفرمانات التي تعرّض لها الشعب الإيزيدي في شنكال على يد مرتزقة داعش، وبعض أبناء المنطقة، حيث ارتُكبت أبشع الجرائم بحقّهم من قتل وتشريد واغتصاب وخطف، إلّا أنّ الشعب الإيزيدي اختار المقاومة والوقوف في وجه الإرهاب بمساعدة قوّات الكريلا في جبال قنديل إلى أن تمكّنوا من إعادة شنكال، وكسر شوكة الإرهاب، والآن الإيزيديون يمارسون كافّة الطقوس الدينية في شنكال ولالش .

ويشهد هذا العام الأربعاء الأحمر إقامة الطقوس الدينية فقط، والابتعاد عن كافّة مظاهر التجمّع، نظراً لتفشّي وباء كورونا في دول عديدة حول العالم.

(م)

ANHA