فك رموز استراتيجية روسيا في الشرق الأوسط

تمثل إجراءات روسيا في سوريا جزءًا من استراتيجية إقليمية أوسع تتسم بالتعقيد والهشاشة، إلا أن موقف بوتين والجهود المبذولة لتصوير روسيا كطرف بناء في السلام بالشرق الأوسط يتعارض مع النواة الواقعية الصارمة لطموحات روسيا في المنطقة.

فك رموز استراتيجية روسيا في الشرق الأوسط
الخميس 25 تشرين الأول, 2018   08:45

مركز الأخبار

يتحدث الكاتب كونور ديلن في مقال له بموقع معهد السياسات الاستراتيجية الاسترالي عن الدور الخفي لروسيا في الشرق الأوسط.

ويشير الكاتب إلى أن الكثيرين كتبوا عن طموحات روسيا في سوريا والشرق الأوسط، وهناك العديد من العناصر لاستراتيجية موسكو في المنطقة. ولقد أوضح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن رغبته في استعادة روسيا وضعها ضمن مصافي القوى العظمى وبناء ملفها كحل عالمي للمشاكل. وعلى ما يبدو أن  الشرق الأوسط  ستمنحها الفرصة لإظهار أوراق اعتمادها.

وتعكس سياسة موسكو الخارجية بوضوح الافتراضات الواقعية حول دور القوة المتشددة باعتبارها السمة المميزة للسياسة الدولية. لكن مثل هذا التوصيف الواسع لا يساعد كثيراً على إبراز طموحات بوتين على المدى الطويل في سوريا وفي جميع أنحاء الشرق الأوسط، والتي تبقى تفاصيلها غامضة. وهناك أيضاً تناقضات وضبابية في نمط مشاركة روسيا في المنطقة، مما يجعل من الصعب أيضاً تمييز أهداف روسيا الحقيقية.

وكان تدخل روسيا في الأزمة السورية أهم غزواتها الأخيرة في الشرق الأوسط. وقد حددت إجراءات موسكو وبحذر بقلبها للموازين بتفضيلها رئيس النظام السوري بشار الأسد، لكن دوافعها للتدخل في المقام الأول معقدة.

وكانت الذريعة الأساسية هي استهداف داعش، لكن هدف موسكو الأوسع كان إفساد خطط واشنطن لتغيير النظام. وكما سعت روسيا إلى تقديم إجراءاتها في سوريا كتصرفات وسيط للسلام، من خلال الترويج لاجتماعات آستانة.

وتمثل إجراءات روسيا في سوريا جزءًا من استراتيجية إقليمية أوسع تتسم بالتعقيد والهشاشة. وفي ظل حكم بوتين، سعت روسيا إلى بناء علاقات مع كل دولة في المنطقة، لكن يمكن القول إنها أعطت الأولوية في علاقاتها لدول مرتبطة بشكل وثيق وذات علاقات متميزة  مع الولايات المتحدة وخاصة إسرائيل وتركيا من أجل تقويض المصالح الأمريكية في المنطقة. وقد يحكم قرار موسكو بدعم الأسد في سوريا نتيجة للعلاقات التقليدية والقديمة والمستمرة والمنحازة بين روسيا والنظام السوري.

إن شبكة الشراكات المعقدة التي بنتها روسيا في الشرق الأوسط تزودها بدور الوسيط بين الخصوم الإقليميين. وفي منتصف عام 2018، عرضت روسيا للتوسط في اتفاق بين إسرائيل وإيران بأن تبقى القوات الإيرانية على بعد 100 كيلومتر من إسرائيل. وقد تفاوضت روسيا أيضاً على وقف إطلاق نار عدة مرات في سوريا، ولكنها تميل إلى استخدام وقف إطلاق النار بصرامة لتقسيم جماعات المعارضة وإعطاء نظام الأسد مساحة للتنفس لإعادة بناء أو إعادة تمركز قواته.

وكما تروج روسيا لنفسها كوسيط في مسارح أخرى في الشرق الأوسط، بما في ذلك الصراع في اليمن، ويبدو أنها مصممة على استبدال الولايات المتحدة بالمفاوض الرئيسي في الصراعات الإقليمية.

وبالنظر إلى ما وراء المظهر الكاذب للمواطن العالمي الجيد الذي يقوم بوتين بصياغته بعناية، ومن الواضح أن دافع موسكو الأساسي هو تحسين صورتها وتعزيز طموحاتها الجيوسياسية. وبعد تدخلها السوري، حصلت روسيا على صفقة المكوث لمدة 49 عامًا في قاعدة طرطوس البحرية السورية، وهي القاعدة الوحيدة لروسيا على البحر الأبيض المتوسط، وتمكنت من الدخول إلى قاعدة حميميم الجوية السورية إلى أجل غير مسمى. وبالمثل، تحاول روسيا التوسط لحل الأزمة في اليمن في سياق طموحات موسكو الساعية إلى بناء قاعدة بحرية في اليمن تتيح الوصول إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي. كما تسعى إلى الوصول إلى القواعد العسكرية في مصر وليبيا والسودان.

ومع ذلك، فإن شبكة العلاقات التي تديرها موسكو يمكن أن تتفكك بسرعة، وقد تكون عواقبها وخيمة. وتحولت علاقة روسيا مع تركيا إلى فاترة في عام 2015 وكانت قاب قوسين أو أدنى أن تتحول إلى حرب إقليمية بعد إسقاط طائرة روسية من قبل القوات التركية. وردت موسكو بنشر أنظمة الصواريخ الدفاعية الجوية في شمال سوريا. كما قصفت الطائرات الحربية الروسية قافلة مساعدات تركية.

وعلى نحو مماثل، عندما أسقطت قوات النظام السوري مؤخراً طائرة عسكرية روسية استهدفت طائرات إسرائيلية كانت تستخدم الطائرات الروسية كدرع، ردت موسكو بإلقاء اللوم على إسرائيل وإمداد سوريا بأنظمة دفاع جوي متقدمة، مما زاد بشكل كبير من قدرة سوريا على استهداف الطائرات الإسرائيلية.

وتختبر مثل هذه الأحداث قدرة روسيا على الحفاظ على العلاقات الثنائية المتنافسة التي تدعم استراتيجيتها في الشرق الأوسط. إن تدخل موسكو في سوريا كان حتى الآن منخفض التكلفة نسبياً من حيث القوة البشرية والذخيرة. لكن من المرجح أن يبقى بوتين ودائرته يقظين بخصوص التدخلات الأمريكية في أفغانستان والعراق، وأن يتوخ الحذر لتجنب التصعيد.

وبالمثل، تحرص روسيا على الالتزام بخطط إعادة الإعمار، وسعت إلى اعطاء حقوق التخطيط وإعادة الإعمار بعد الحرب للشركاء الإقليميين. ولم تسعى  موسكو إلى إعطاء أي من الدول الأوروبية لتقاسم تكاليف إعادة الإعمار في سوريا والتي تقدر بنحو 250 مليار دولار، وحقيقة أنها تابعت بتهديد مستتر من استمرار تدفق اللاجئين من سوريا إلى أوروبا.

ليس من الواضح أيضًا ما إذا كانت روسيا تسعى إلى إنهاء الحرب الأهلية. وكما هو موضح في ترانسنيستريا، وأوسيتيا الجنوبية، وأبخازيا وشرقي أوكرانيا، وتفضل روسيا تجميد الصراعات بدلاً من حلها، لأن ذلك يوفر لها أدوات إضافية يمكنها الحفاظ على نفوذها ومصالحها.

وهنا تكمن المشكلة التي تكمن في قلب استراتيجية روسيا في الشرق الأوسط. إن موقف بوتين والجهود المبذولة لتصوير روسيا كطرف بناء في السلام في الشرق الأوسط تعارض مع النواة الواقعية الصارمة لطموحات روسيا في المنطقة. كما يبدو أن روسيا مدفوعة برغبة في تخريب المصالح الأمريكية والأوروبية لأنها مهتمة بتأسيس شبكة من الدول العميلة والقواعد العسكرية في جميع أنحاء المنطقة.

حتى الآن، لعب الشركاء الإقليميون لروسيا جنباً إلى جنب مع هذه اللعبة، وقد تمكنت روسيا أيضاً من تحويل التكاليف الحقيقية للصراع السوري. ولكن مع مرور الوقت، ستزداد مخاطر إعلان روسيا عن أفعالها، وكما هو ملاحظ في مكان آخر، ستتعلم حينئذ أنه من الأسهل التورط في حرب بدلاً من الخروج من واحدة.

(م ش)