التحولات التي طرأت على الرياضة من البعث إلى الإدارة الذاتية

لم تكن الرياضة في شمال وشرق سوريا بمنأى عن التحولات السياسية التي شهدتها البلاد. ففي ظل حكم حزب البعث، خضع القطاع الرياضي لسياسات المركزية والرقابة الأمنية، وتعرض الرياضيون والأندية الكردية للتهميش والتمييز، ما حدّ من تطور الحركة الرياضية في المنطقة. ومع انطلاق ثورة 19 تموز وتأسيس الإدارة الذاتية، بدأ واقع جديد للرياضة.

التحولات التي طرأت على الرياضة من البعث إلى الإدارة الذاتية
الثلاثاء 21 تموز, 2026   02:45
مركز الأخبار
دوغان جيهان

لا تُعدّ الرياضة بالنسبة للمجتمعات مجرد ساحة للتنافس، بل هي أيضاً جزء مهم من الهوية الثقافية، والتماسك الاجتماعي، وتنمية الشباب. إلا أنها في عهد نظام البعث في سوريا لم تعد نشاطاً اجتماعياً فحسب، بل تحولت إلى إحدى أدوات السيطرة السياسية.

وعلى وجه الخصوص، في مناطق شمال وشرق سوريا ذات الغالبية الكردية، خضع القطاع الرياضي على مدى سنوات طويلة لسياسات التهميش والإجراءات الأمنية التي انتهجها نظام البعث. فقد تعرض الرياضيون والأندية الكردية للتمييز الممنهج، كما جرى عرقلة تطور الحركة الرياضية بصورة متعمدة.

وتُعد مدينة الحسكة واحدة من أهم مدن شمال وشرق سوريا، وقد خضعت لسنوات للإدارة المركزية الصارمة التي فرضها النظام على القطاع الرياضي. وعلى الرغم من بروز العديد من الرياضيين المتميزين في كرة القدم، وألعاب القوى، والمصارعة، ورياضات الدفاع عن النفس، فإن الأندية الرياضية في المنطقة عملت لفترة طويلة في ظل المركزية الإدارية، وضعف الاستثمارات، والسياسات الأمنية المشددة. ومع انطلاق ثورة روج آفا في 19 تموز، بدأت مرحلة جديدة في واقع الرياضة ومستقبلها في المنطقة.

الرياضة تحت السيطرة في عهد البعث

مع وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، أصبحت الرياضة جزءاً من المؤسسات الحكومية المركزية. ورغم ارتباط الأندية الرياضية بالاتحاد الرياضي العام، فإن القرارات المتعلقة بإدارة الأندية، والميزانيات، وتنظيم الدوريات كانت تُتخذ في دمشق، ما حدّ بشكل كبير من قدرة الأندية المحلية على إدارة شؤونها وفق احتياجاتها.

ولم تكن سياسة النظام الرياضية تهدف إلى تطوير المجتمع أو تنمية قدرات الشباب، بقدر ما كانت وسيلة للرقابة والسيطرة السياسية. فلم يُسمح بتأسيس أندية تحمل هوية كردية، كما حُظرت الأندية التي تحمل أسماء كردية أو أُجبرت على تغيير أسمائها.

أما اختيار الرياضيين الكرد للمنتخبات الوطنية، فلم يكن يعتمد على الكفاءة والإنجازات الرياضية، بل على الولاءات السياسية، والتقييمات الأمنية، والعلاقات مع أجهزة الدولة.

كما حُرم العديد من الرياضيين الكرد من تمثيل المنتخبات السورية بسبب عدم امتلاكهم الوثائق الرسمية، رغم ما حققوه من نجاحات ومواهب رياضية. وفي كثير من الأحيان، لم يكن يتم الالتفات إلى الرياضيين من المكونات الأخرى إلا عند غياب البدائل.

إهمال البنية التحتية الرياضية

أثرت سياسات نظام البعث بشكل مباشر في البنية التحتية للرياضة. فقد أدى ضعف الاستثمارات وإهمال الملاعب والصالات الرياضية، خاصة في منطقة الجزيرة، إلى حرمان العديد من الألعاب الرياضية من فرص التطور، الأمر الذي دفع الكثير من الشباب إلى فقدان الأمل والابتعاد عن ممارسة الرياضة.

التهميش التاريخي للرياضيين للكرد

تشير المعطيات إلى أن التمييز الذي تعرّض له الرياضيون الكرد لم يكن مرتبطاً فقط بسنوات الحرب، بل هو نتيجة لسياسات مركزية طُبقت منذ تأسيس الدولة السورية.

ووفقاً للمعلومات التي شاركتها هيئة الشباب والرياضة، فإن تلك المرحلة اتسمت بما يلي:

ـ تعرض الرياضيون الكرد للتهميش بشكل ممنهج.

ـ حُرموا من حقوقهم الأساسية في المجال الرياضي.

ـ مُنعوا مراراً من الانضمام إلى المنتخبات الوطنية.

ـ أصبحت الاعتبارات السياسية والتقييمات الأمنية أهم من الكفاءة والإنجاز الرياضي.

ـ لم يُسمح بتأسيس أندية تعمل تحت هوية كردية.

أندية عريقة بإمكانات محدودة

ورغم الإمكانات المحدودة، تمكنت أندية مثل الجهاد، والجزيرة، والخابور وغيرها من تخريج عدد كبير من الرياضيين المتميزين الذين رفدوا كرة القدم السورية والعديد من الألعاب الرياضية الأخرى.

الرياضة في ظل الهيمنة الأمنية

لم تكن الأنشطة الرياضية في روج آفا تُعامل بوصفها مجرد فعاليات رياضية، بل كانت تخضع لرقابة أمنية مشددة، خاصة المباريات الكبرى.

فخلال المباريات الرسمية، كانت السلطات تفرض قيوداً على استخدام اللغة الكردية داخل الملاعب، وتحظر رفع الأعلام والرموز التي تعبّر عن الهوية الكردية، إلى جانب اتخاذ إجراءات أمنية صارمة، وهو ما بقي راسخاً في ذاكرة الرياضيين كونه إحدى أبرز ممارسات تلك المرحلة.

2004 محطة مفصلية في تاريخ الرياضة

في آذار 2004، وخلال مباراة جمعت فريق الجهاد من قامشلو بفريق الفتوة من دير الزور، حاول النظام البعثي خلق فتنة عبر إدخال بعض المخربين بين مشجعي الفتوة حيث هاجموا جماهير الجهاد مرددين شعارات عنصرية، قبل أن تطلق قوات نظام البعث الرصاص الحي على مشجعي الجهاد، ما أدى إلى استشهاد ما لا يقل عن تسعة أشخاص داخل الملعب.

وكشفت الأحداث التي أعقبت المباراة كيف كانت الرياضة خاضعة للقبضة الأمنية والسياسية للنظام.

وبعد المباراة اندلعت احتجاجات واسعة ومواجهات، أعقبها تشديد الإجراءات الأمنية داخل الملاعب، لتظل الأنشطة الرياضية لسنوات طويلة تحت ضغط أمني كبير.

الإدارة الذاتية وتطوير النموذج الرياضي المحلي

مع اندلاع الحرب السورية عام 2011، تعرض القطاع الرياضي، شأنه شأن بقية القطاعات، لأضرار جسيمة. فقد توقفت العديد من البطولات، وتضررت المنشآت الرياضية، واضطر عدد كبير من الرياضيين والمدربين إلى مغادرة المنطقة.

ومن أوائل الخطوات التي اتخذت في تلك المرحلة تأسيس "اتحاد الرياضيين الكرد في سوريا" في 2012، وبعد تأسيس الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، بدأت عملية إعادة تنظيم القطاع الرياضي، حيث أُسست هيئات للشباب والرياضة، وتغيرت آليات اتخاذ القرار، وأصبحت القرارات تُتخذ محلياً، كما أعيد تنظيم الأندية الرياضية.

وخلال هذه المرحلة، أُعيد تنظيم الدوريات المحلية، ورُممت العديد من الملاعب والصالات الرياضية، وأُطلقت بطولات للفئات العمرية، كما عادت الأندية التي كانت متوقفة إلى ممارسة نشاطها الرياضي.

وبعد ثورة 19 تموز، لم تعد الرياضة تُنظر إليها بوصفها مجالاً للمنافسة فحسب، بل أصبحت وسيلة لإبعاد الشباب عن تداعيات الحرب، وتعزيز التماسك الاجتماعي، ودعم الأجيال القادمة.

تعزيز مشاركة المرأة في الرياضة

من أبرز التطورات التي شهدتها مرحلة ما بعد 19 تموز، التوسع الكبير في الرياضة النسائية.

فقد تأسست فرق نسائية في كرة القدم، وكرة السلة، والكرة الطائرة، ونُظمت بطولات خاصة بالنساء، كما ارتفعت بشكل ملحوظ مشاركة الشابات في الرياضات الفردية مثل الكاراتيه، والتايكوندو، والجودو، وألعاب القوى، والشطرنج.

كذلك ازدادت مشاركة النساء في مجالات التدريب، والتحكيم، والإدارة الرياضية، وأصبحن يشغلن مواقع أكثر حضوراً وتأثيراً داخل المؤسسات الرياضية.

الرياضة بوابة لتنمية الشباب

بحسب هيئة الشباب والرياضة، فإن من أبرز أهداف المؤسسات الرياضية التابعة للإدارة الذاتية هو زيادة مشاركة الشباب في الأنشطة الرياضية.

وفي هذا الإطار، تُنظم بطولات مدرسية، وأنشطة رياضية صيفية، وبرامج لتطوير البنية الرياضية، بهدف تشجيع الشباب على ممارسة الرياضة واكتشاف جيل جديد من الرياضيين.

كما تعمل الهيئة على تنظيم بطولات تضم فرقاً من مختلف المكونات، في إطار تعزيز التماسك والتعايش المجتمعي.

ورغم التحديات الاقتصادية وضعف البنية التحتية، لا تزال الرياضة في شمال وشرق سوريا تشكل أحد القطاعات الحيوية التي تسهم في تنمية المجتمع وتعزيز دور الشباب.

(أ ب)

ANHA