من "الخوابي" إلى "الذواقة".. الغلاء يغيّر مونة الشتاء وطقوسها في سوريا

تتقلص كميات المونة الشتوية وتتغير مكوناتها وطرق إعدادها في سوريا بفعل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، لتتحول من "الخوابي" إلى "الذواقة"، وسط تغيرات تطال عادات اجتماعية متوارثة، وعودة أساليب التجفيف والكبس، واتجاه بعض النساء إلى تحويل المونة المنزلية إلى مصدر دخل.

من "الخوابي" إلى "الذواقة".. الغلاء يغيّر مونة الشتاء وطقوسها في سوريا
من "الخوابي" إلى "الذواقة".. الغلاء يغيّر مونة الشتاء وطقوسها في سوريا
من "الخوابي" إلى "الذواقة".. الغلاء يغيّر مونة الشتاء وطقوسها في سوريا
من "الخوابي" إلى "الذواقة".. الغلاء يغيّر مونة الشتاء وطقوسها في سوريا
من "الخوابي" إلى "الذواقة".. الغلاء يغيّر مونة الشتاء وطقوسها في سوريا
الجمعة 16 تشرين الأول, 2026   07:45
مركز الأخبار

لم تعد مؤونة الشتاء في سوريا تبدأ بالصناديق الممتلئة بالخضار وتنتهي بخوابي المكدوس وعبوات الزيت الكبيرة كما تتذكرها ربات البيوت، إذ دفعت ارتفاعات تكاليف المواد الأولية كثيراً من الأسر إلى تقليص الكميات والشراء وفق القدرة المتاحة، فيما تحاول نساء الحفاظ على حضور المونة على موائدهن من خلال بدائل أقل كلفة وطرق تقليدية في الحفظ والتجفيف.

وتعكس تجارب نساء من حمص، رصدها مراسلو وكالتنا ANHA، تحولاً في واحدة من أبرز العادات المنزلية المرتبطة باستقبال الشتاء في سوريا، فلم تعد المونة مجرد استعداد موسمي لتأمين الغذاء، بل أصبحت حساباً اقتصادياً يرتبط بقدرة الأسرة على الموازنة بين احتياجاتها الأساسية ودخلها المحدود.

وتقول عبير الزاوي إن المونة التي كانت تجمع الجارات والقريبات حول أعمال تحضيرها لم تعد بالكميات السابقة، وأصبحت الأسرة تجهز منها "على قد الجيبة"، لافتة إلى أن شراء المواد دفعة واحدة بات يشكل عبئاً على ميزانية المنزل، ما دفعها إلى تقليل الكميات والاكتفاء بما يحافظ على حضور أصناف المونة الأساسية خلال فصل الشتاء.

وتشير إلى أن المكدوس، الذي يعد من أبرز أصناف المونة الحمصية، لم يعد يُحضّر دائماً بمكوناته التقليدية نفسها، إذ دفعت كلفة الجوز وزيت الزيتون بعض الأسر إلى استخدام الفول السوداني وخلط زيت الزيتون بالزيت النباتي، في محاولة للحفاظ على طقس المونة بما يتناسب مع القدرة الشرائية.

أما أم سائر، حنان كمال، فتختصر التغير الذي طرأ على مونة هذا العام بالانتقال من شراء الخضار "بالصناديق" إلى شرائها بكميات محدودة وفق المصروف المتاح، مبينة أنها لم تعد تجهز الكميات الكبيرة التي كانت تحضرها في السنوات الماضية، وإنما تكتفي بما يلبي حاجة الأسرة ويحافظ على وجود المونة على المائدة.

ولا يقتصر التغيير على الكميات والمكونات، بل يمتد إلى طرق الحفظ، إذ توضح أم سائر أن صعوبة الاعتماد على الكهرباء لفترات طويلة دفعت بعض الأسر إلى العودة لطرق تقليدية، منها تجفيف البامية والملوخية، وكبس الخضار وورق العنب بالملح والماء، بوصفها أساليب لا تتطلب الاعتماد المستمر على التبريد.

وتلفت إلى أن العودة إلى التجفيف والكبس أعادت إلى الواجهة أساليب كانت تعتمد عليها العائلات في السابق، بعد أن أصبح تخزين كميات كبيرة من المواد في المجمدات مرتبطاً بقدرة الأسرة على تأمين الكهرباء اللازمة للحفاظ عليها.

ورغم ارتفاع الكلفة، تؤكد تهاني حساني أن المونة ما زالت حاضرة في منزلها، وترى أنها توفر على الأسرة خلال فصل الشتاء، وتشكل خياراً غذائياً اعتادت عليه العائلات الحمصية، لذلك لا يمكن الاستغناء عنها بالكامل.

وتقول إن ارتفاع الأسعار دفعها إلى إعادة النظر في الكميات التي تحضرها وطريقة شراء المواد، لكنها تفضل الاستمرار في إعداد بعض الأصناف بدلاً من التخلي عنها، لكونها تلبي حاجة الأسرة وتوفر عليها شراء بعض الأطعمة الجاهزة خلال الشتاء.

من حمص إلى درعا.. تقليص الكميات واستبدال المكونات

ولا تقتصر هذه التحولات على حمص، إذ تغير عادات إعداد المونة في مناطق أخرى من بينها درعا، في ظل ارتفاع أسعار المواد الأساسية وتراجع القدرة الشرائية.

اضطرت العوائل الحورانية إلى خفض كميات المكدوس التي اعتادت إعدادها إلى النصف أو الثلث تقريباً، نتيجة ارتفاع تكاليف مكوناته، فيما أشارت إلى أن التزامات الأسر الأخرى، ومنها تأمين مستلزمات المدارس، زادت صعوبة تخصيص مبالغ كافية للمونة.

ويقلن معدّات المونة، أن ارتفاع أسعار الزيت والجوز والباذنجان والفليفلة الحمراء أدى إلى ذلك، مشيرات إلى أن تكلفة إعداد 10 كيلوغرامات من المكدوس بنحو 5000 ليرة سورية جديدة، أي 500 ألف قديمة.

وتتقاطع هذه المعطيات مع ما رصده مراسلو وكالتنا ANHA في دمشق، في تقرير نشر في 4 تشرين الأول، عن ارتفاع أسعار مواد تموينية، بينها السكر والزيوت والحبوب، بالتزامن مع صعوبات تخزين المونة لدى بعض الأسر بسبب انقطاع الكهرباء وارتفاع تكاليف وسائل الحفظ والتخزين.

من طقس اجتماعي إلى عبء اقتصادي

وبينما تراجعت الكميات وتغيرت بعض المكونات وعادت طرق التجفيف والكبس إلى الواجهة، بقيت المونة بالنسبة إلى كثير من الأسر أكثر من مجرد أصناف غذائية مخزنة لفصل الشتاء، فهي جزء من عادات اجتماعية ارتبطت بلمّة الجارات والقريبات وتبادل الخبرات في إعداد المكدوس والمخللات وتجفيف الخضار.

وتستعيد عبير الزاوي، جانباً من تلك الذكريات بالقول إن تحضير المونة كان مناسبة تجتمع فيها الجارات والقريبات لتقشير الثوم وحفر الباذنجان وتجهيز الخضار، وسط الأحاديث وشرب الشاي، بينما باتت كل أسرة اليوم تميل إلى إعداد كميات أصغر وفق قدرتها، ما جعل تلك «اللمة» أقل حضوراً مما كانت عليه سابقاً.

المونة المنزلية.. من استهلاك الأسرة إلى مصدر دخل

وفي ظل تراجع قدرة بعض الأسر على إعداد كميات كبيرة، بدأت المونة تأخذ شكلاً آخر لدى نساء يمتلكن مهارة إعدادها؛ إذ تحولت المنتجات المنزلية لدى بعضهن إلى مصدر دخل، عبر بيع المكدوس والمخللات والمربيات والمجففات للأسر التي لا تملك الوقت الكافي لتحضيرها، وللأسر الميسورة.

ويتيح هذا التحول للنساء استثمار خبراتهن المنزلية في نشاط إنتاجي صغير، فيما يجد بعض المستهلكين في المنتجات المنزلية الجاهزة خياراً يوفر عليهم الوقت والجهد، ولا سيما خلال موسم إعداد المونة.

(أم)

ANHA