المؤامرة الدولية بحق القائد عبد الله أوجلان – 1

حلّل القائد عبد الله أوجلان المؤامرة الدولية التي استهدفته، مشيراً إلى القوى التي لعبت دوراً رئيساً في إخراجه من سوريا. وأوضح أن خروجه كان نتيجة حسابات استراتيجية معقدة، حيث فضّل عدم اللجوء إلى جبال كردستان لتجنب التصعيد العسكري. كما أكد أن اعتقاله لم يكن انتصاراً لتركيا، بل جزءاً من سياسة الهيمنة الرأسمالية العالمية بقيادة الولايات المتحدة وإسرائيل وأوروبا، في حين اقتصر دور دول مثل سوريا واليونان وتركيا على تنفيذ الأوامر.

المؤامرة الدولية بحق القائد عبد الله أوجلان – 1
الجمعة 13 شباط, 2026   07:35
مركز الأخبار

تعرض القائد عبد الله اوجلان في 9 تشرين الأول عام 1998 لمؤامرة دولية شاركت فيها قوى الهيمنة في الحداثة الرأسمالية وأذيالها من الدول القومية في المنطقة التي تطبق سياسات القوى العظمى في المنطقة. هذه المؤامرة بدأت بإخراج القائد عبد الله أوجلان من سوريا حتى تم اعتقاله في 15 شباط عام 1999 وما تزال مستمرة إلى يومنا هذا عبر فرض عزلة مشددة على القائد وحرمانه مع "الحق في الأمل".

في هذا الملف المؤلف من أربعة أجزاء، سيتم الحديث عن المؤامرة الدولية وخيوطها ودور الأطراف التي شاركت فيها، وكذلك الذهنية السياسية والفلسفية للمؤامرة ونتائجها وفق ما حللها القائد في مرافعته المعنونة بـ "مانيفستو الحضارة الديمقراطية -القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية"، وكذلك مرافعته المعنونة بـ "المدنية".

ويقول القائد في تقييماته:

المعادلة التي كانت سائدة في الفترة التي أدت إلى خروجي من سوريا، أكثر لفتاً للأنظار فالمفهوم الذي أخرجني من سوريا، يرتكز في مضمونه مجدداً إلى تضارب الأهمية الفائقة التي أعربها دوماً لعلاقات الصداقة مع سياسة إسرائيل تجاه الكرد. فإسرائيل التي عوّلت على ربوبيتها وزعامتها للقضية الكردية، وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية، كانت قد أضحت بالغة الحساسية تجاهها، لدرجة لن تحتمل معها طرازاً ثانياً من الحل فيما يتعلق بالقضية الكردية التي بدأ وقع صداها يتسع طردياً متمثلاً في شخصي. ذلك أن طرازي في الحل لم يكن يتناسب وحساباتهم إطلاقاً. عليّ ألا أنكر دور الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد) التي دعتني بشكل غير مباشر إلى طريقتها في الحل. ولكني لم أكن مستعداً أو منفتحاً لذلك، أخلاقياً كان أم سياسياً. لم ترغب الإدارة السورية بتاتاً تجاوز شكل العلاقات التي يغلب عليها الطابع التكتيكي مع قيادة PKK، علما أن رئاسة حافظ الأسد تحققت اعتماداً على صراع الهيمنة بين كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي. هذا ولم يكن (حافظ الأسد) قادراً على الحفاظ على أيه علاقة تكتيكية، في ظل الأجواء الحرجة البارزة إلى الوسط مع انهيار الاتحاد السوفيتي. فعندما كان تحقيق التوازن مع تركيا من خلالي أنا (عبر PKK)، كان يبحث بأحد المعاني عن رد على التهديدات التي تلوح بها الجمهورية التركية ضد سوريا منذ عام 1958 من جهة وعلى انحيازها المتطرف لإسرائيل من جهة ثانية، وباعتبار أن PKK أداة مناسبة في هذا الشأن، فقد أفسح بذلك المجال أمام أمكانية إقامة علاقة تكتيكية معه على المدى الطويل. حيث لم يكن يراد لهذه العلاقة أن تبدو وكأنها تمهد الطريق لسياسة كردية ثانية. وبذلك لم تتمكن مساعي الحكام الاتراك من التأثير في هذا السياق.

"إسرائيل هي القوة الأساسية التي اخرجتني من سوريا"

هذا التذكير الموجز وحده كافٍ للإشارة إلى أن إسرائيل هي القوة الأساسية التي أخرجتني من سوريا، ولا ريب أن التهديدات السياسية الأمريكية والضغوط العسكرية التركية أيضاً لعبت دورها في ذلك. علينا ألا ننسى أن إسرائيل كانت ضمن معاهدات سرية مع تركيا منذ أعوام الخمسينيات. وللمرة الثانية، كان التحالف المناهض لـ PKK يكتمل بين الولايات المتحدة وإسرائيل والجهورية التركية. من خلال التوقيع عام 1996 على معاهدة ملحقة تحت مسمى "مكافحة الإرهاب".

العامل الآخر المهم الذي يجب إضافته إلى هذه المرحلة، هو اتفاق الجمهورية التركية مع إدارة PDK وYNK على أساس مناهضة PKK وبمعنى آخر، اتفاقها مع المجلس الكردي الفيدرالي المتكون عام 1992، ومع إدارته التي هي على علاقة مع كل من تركيا وإسرائيل.

لا شك أن حكومات الجمهورية التركية وقواتها المسلحة كانت تتحرك بمفهوم تكتيكي في ظروف تلك الأيام. ولكن للتاريخ سيرة الخاص. فوجهات النظر المتغايرة جداً تتم عن تطورات مهمة.

ويعود هذا الخطأ التاريخي، الذي طالما اغتاظت منه تركيا في راهننا، إلى وعيها الضيق والسطحي والأناني وأحادي الجانب.

"كنت منتبهاً لضرورة خروجي من سوريا"

هكذا تحقق خروجي من سوريا عام 1998، باتحاد مجموع هذه العوامل على حسابها. أقولها صراحة: إنني كنت منتبها لضرورة خروجي من سوريا. وقد مررت بمرحلة زائدة من الانتظار في هذا الساحة. إلا أن جانبية النهج السياسي المتنامي لأجل كردستان، والصداقة التي طالما سعيت للرقي بها إلى المستوى الاستراتيجي، كانتا وكأنهما تأسراني. علي الاعتراف بالحقيقة التي تشير إلى أن الإدارة السورية على أرفع المستويات كانت تشدد بإصرار على مخاطر هذا الأمر. لكنني لا أزال أدافع عن أهمية وحياتيه الصداقة الاستراتيجية بين الشعوب. وهذا هو المفهوم عينه الذي وجّهني إلى اليونان. فتطوير علاقات الصداقة القيمة مع الشعب اليوناني، وإن لم يكن مع الدولة اليونانية، كان نقطة أخرى تثير اهتمامي. فتواصل المتبادل مع ثقافتهم الكلاسيكية وتاريخهم المأساوي كان مهماً للغاية. وضرورة الصداقة معهم كانت تفرض ذاتها بكل عتاد.

كان الطريق الثاني للخروج يتمثّل في بلوغ جبال كردستان. فمنذ نعومة أظافري كانوا يلقّبونني بـ çolê Dînê أي "مجنون البراري والجبال". لكن حسابي لمؤثرين اثنين كان يدفعني إلى إرجاء هذا الدرب إلى المرتبة الثانية. فالمنطقة التي كنت سأكون فيها في الجبال، أي داخل الوطن، كانت ستتعرّض لأشد الغارات والقصف كأمر لا مفر منه، وهو ما كان سيلحق أضراراً جسيمة بالشعب والرفاق، بالإضافة إلى عامل ضيق نطاق العلاقات هناك.

وعند وضع كل ذلك في الحسبان، كان واضحاً أن هذا الخيار يعني التركيز بالضرورة على السبل العسكرية وحدها والانزلاق فيها قسراً. ومن جانب آخر، فإن افتقار الشبيبة للتعبئة والتوعية بشكل لا يُصدّق، وضرورة تدريبي وإعدادي لها بكل تأكيد، كان يصدّني عن التوجّه إلى الجبال.

باختصار، فإن مزاعم العديد من الأوساط الرسمية وغير الرسمية في تركيا، والتي تقول: "إننا حاصرناهم، انظروا كيف حققنا النتائج، لا تعكس الحقيقة كثيراً. بيد أن كل المحاولات الحثيثة التي لا تزال قائمة في سياسة التضييق عل كل من إيران والعراق، قد أدت إلى بروز عقيدةٍ عمياء ثابتة، بدلاً من إعطاء النتيجة المتوخاة. في حين أن العلاقات التكتيكية التي أبرمتها تركيا مع سوريا وإيران، حبلى بنتائج لا يمكن التكهن بها منذ الآن. ولكن، يمكن القول: إن هذه العلاقات تُعد وسيلة لسياسةٍ تحتضن في ثناياها الكثير من الأمور. ولدى الحسم بأمر الثنائية: "إما العلاقة مع أمريكا – الاتحاد الأوروبي – إسرائيل، أو مع إيران – روسيا الصين؛ ترى، هل حكومات الجمهورية التركية مستعدة لتحمل كل النتائج الناجمة عن ذلك؟!

"لن أستطيع تحليل مصيري بشكل سليم"

لا شك في أن الدروس التي استخلصتها من مغامرتي التي عشتها خلال الأشهر الثلاثة على خط أثينا – موسكو – روما، ذات قيمةٍ تاريخية ثمينة. فقدرتي على التعرف على الحداثة الرأسمالية، التي تشكل المصطلح الأساسي في مرافعتي هذه، والمتوارية خلف ألف درع وقناع؛ مرتبطة مباشرة بمغامرتي تلك. فلولا هذه المجازفة، دعك من صياغتي لهذه التحليلات، بل إما كنت سأستمر وأتعلق بدولتية قومية مشحونة بالثومية البدائية الكلاسيكية، أو كنت سأنهي مصيري كحركة يسارية كلاسيكية، مثلما حصل في مئات الأمثلة المعاشة حتى لدى مؤسسي الدول. إني أضع نصب عيني عدم التحدث بشكل حاسم كمبدأ أساسي لعلم الاجتماع. ولكن، لدي حدس قوي بأني لن أستطيع الوصول إلى قوة الحل التي أمتلكها الآن.

بالنسبة لي، جليٌّ تماماً أن القوة الحقيقية والأصلية للحداثة الرأسمالية لا تتبع من مالها أو سلاحها، بل من قدرتها على خنق كل اليوتوبيات – بما فيها يوتوبيا الاشتراكية الأخيرة والأقوى – وكتم أنفاسها ضمن ليبراليتها المتنكرة بألبسة متغايرة الألوان بما يفوق قوى أمهر ساحر.

أود أن أقول إنني لن أستطيع تحليل مصيري بشكل سليم، ما لم أحلل الحداثة الرأسمالية، أي، النظام الساحر المتستر وراء تلك السيدة ذات السبعين من العمر، ممثلة المفوضية الأوروبية التي تفضلت بي إلى سجن إمرالي. فمرحلة المؤامرة قد أدركت من بدايتها إلى نهايتها على يد كل من إسرائيل وأمريكا والاتحاد الأوروبي بمعية روسيا الاتحادية المنهارة. في حين أن دور الحكومات السورية واليونانية والتركية في المؤامرة، لا يذهب أبعد من الخدمات البيروقراطية في المرتبة الثانية.

"لا معنى للفرح باعتقالي"

لقد ذكرت في فترة التحقيق أنه لا معنى للفرح باعتقالي. قلت ذلك علناً للمسؤولين الأتراك، أي، لممثلي المؤسسات الأربع الأساسية: استخبارات هيئة الأركان العامة، منظمة الاستخبارات القومية MIT، مديرية الأمن العم، والمخابرات العسكرية (مخابرات الجندرمة). فاستغلال علاقات الصداقة باتباع أسلوب منحط وغدار وجائر، وتهجمهم علي بعد رميي في الطائرة بمؤامرة فريدة من نوعها، ليس بطراز شهم في الحرب. حتى هذه الحقيقة تُعدّ مثالاً ضارباً للنظر، في الإشارة إلى ماهية الحداثة الرأسمالية وليبراليتها، والتي تُعد شكل هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية. إنها النظام الذي لا يعرف حدوداً للقمع والاستغلال.

(ح)

ANHA