العدالة الانتقالية... ماذا تعني عملياً للسوريين؟

وفق مبادئ الأمم المتحدة وإطارها للعدالة الانتقالية، يتطلب هذا المسار في سوريا نهجاً شاملاً ومتكاملاً يجمع بين مختلف أبعاده. لكن لماذا يحتاج السوريون اليوم إلى العدالة الانتقالية؟ وما الذي يُفترض أن تحققه على أرض الواقع؟

العدالة الانتقالية... ماذا تعني عملياً للسوريين؟
السبت 4 تموز, 2026   02:45
مركز الاخبار

بعد استعراض واقع "العدالة الانتقالية" في سوريا، يبقى سؤال أساسي يطرحه كثير من السوريين: ما المقصود بهذا المسار الذي يتكرر في الخطاب الرسمي والحقوقي، وما الذي يفترض أن يحققه على أرض الواقع؟

فمنذ سقوط النظام البعثي، وبالتحديد بالأشهر الأخيرة، ارتبط مصطلح "العدالة الانتقالية" بإنشاء هيئات، وعقد اجتماعات، وإطلاق تصريحات رسمية، ومناشدات مجتمعية، إلا أن المفهوم في جوهره أوسع من ذلك بكثير، إذ لا يقتصر على المحاكمات أو ملاحقة المتهمين، بل يشمل مجموعة متكاملة من الإجراءات التي تهدف إلى معالجة آثار الانتهاكات وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

ووفق تعريف الأمم المتحدة، فإن العدالة الانتقالية هي مجموعة من الآليات القضائية وغير القضائية التي تعتمدها الدول الخارجة من النزاعات أو الأنظمة الاستبدادية لمعالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بما يساعد على تحقيق العدالة وتعزيز سيادة القانون ومنع تكرار ما حدث.

ليست المحاكم وحدها

وعلى خلاف ما يعتقده كثيرون، فإن العدالة الانتقالية لا تبدأ بالمحاكم، ولا تنتهي عند إصدار الأحكام، بل تقوم على 4 مسارات مترابطة، لا يكتمل أحدها دون الآخر.

وبناءً على ما أوردته مؤسسات الأمم المتحدة، فأول هذه المسارات هو كشف الحقيقة، أي توثيق ما جرى، والاستماع إلى الضحايا والشهود، وكشف مصير المفقودين، وتحديد المسؤوليات وفق القانون، بما يضمن وجود رواية موثقة للأحداث بعيداً عن الإنكار أو التوظيف السياسي.

أما المسار الثاني فهو المساءلة القضائية، ويعني محاسبة من تثبت مسؤوليتهم عن الانتهاكات الجسيمة أمام قضاء مستقل، مع احترام ضمانات المحاكمة العادلة، وهو ما تؤكد الأمم المتحدة أنه يختلف عن الانتقام أو العقاب الجماعي.

ويتمثل المسار الثالث في جبر الضرر، ويشمل تعويض الضحايا ورد الاعتبار لهم، وإعادة الحقوق متى كان ذلك ممكناً، إضافة إلى تقديم أشكال مختلفة من الدعم النفسي والاجتماعي، والاعتراف الرسمي بما تعرضوا له.

أما المسار الرابع فهو إصلاح المؤسسات، ويشمل مراجعة عمل المؤسسات الأمنية والقضائية والإدارية، وتعزيز استقلال القضاء، وإرساء آليات رقابة تمنع تكرار الانتهاكات مستقبلاً.

لماذا تؤكد الأمم المتحدة على هذه المسارات؟

توضح الأمم المتحدة أن الاقتصار على محاكمة عدد من المسؤولين لا يكفي لبناء سلام دائم، لأن أسباب الانتهاكات قد تبقى قائمة إذا لم تُصلح المؤسسات، ولم تُنصف الضحايا، ولم تُكشف الحقيقة كاملة.

ولهذا، تنظر الأمم المتحدة إلى العدالة الانتقالية بوصفها عملية طويلة قد تستغرق سنوات، وتتطلب مشاركة مؤسسات الدولة، والقضاء، ومنظمات المجتمع المدني، والضحايا أنفسهم.

الحالة السورية

في الحالة السورية، يرى حقوقيون أن تطبيق العدالة الانتقالية لا يقتصر على إنشاء الهيئات أو إصدار المراسيم، بل يتطلب الانتقال إلى خطوات عملية تشمل كشف مصير المفقودين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفق القانون، وتعويض الضحايا، وإصلاح المؤسسات التي ارتبط اسمها بتلك الانتهاكات.

كما يشدد مختصون على أن نجاح هذا المسار يرتبط بشموله جميع الضحايا، وعدم التمييز بين الانتهاكات على أساس المنطقة أو الانتماء السياسي أو القومي أو الديني، لأن أي شعور بالانتقائية قد يضعف الثقة بالعدالة ويؤثر في فرص المصالحة الوطنية.

حيث يدعو الحقوقي السوري، حسين نعسو، في هذا السياق ضمن تصريح سابق لوكالتنا، الحكومة المؤقتة في سوريا، إلى إعادة هيكلة منظومة العدالة الانتقالية على أسس الاستقلالية والنزاهة والشفافية، بما يضمن محاسبة جميع المسؤولين عن الانتهاكات والجرائم المرتكبة بحق السوريين وفق مبادئ العدالة وسيادة القانون.

غداً: هل تتعلم سوريا من تجارب العالم في العدالة الانتقالية؟

(أم)

ANHA