منذ 2638 عاماً وشعلة نوروز ما تزال متقدة

منذ 2638 عاماً ما تزال شعلة نوروز تتقد في جبال كردستان، مستحضرة قصة النضال ضد الطغيان وبداية فجر جديد للشعوب. ورغم محاولات المنع والقمع عبر التاريخ، حافظ الكرد على هذا العيد بوصفه مناسبة لتجديد الأمل والتمسك بالحرية والكرامة.

منذ 2638 عاماً وشعلة نوروز ما تزال متقدة
الأحد 15 آذار, 2026   05:50
مركز الأخبار

مع حلول الحادي والعشرين من آذار من كل عام، تتجدد لدى الشعب الكردي واحدة من أقدم المناسبات القومية في تاريخه، حيث يحتفل الكرد بعيد نوروز الذي يعني "اليوم الجديد" وتحوّل عبر القرون إلى رمز للحرية والمقاومة والهوية القومية الكردية، إذ ظل الكرد يشعلون شعلة نوروز منذ 2638 عاماً رغم محاولات منعها وإخمادها.

ويُعد نوروز بالنسبة للكرد يوماً تاريخياً وقومياً، فهو يرتبط بانتصار تحالف الميديين والبابليين على حكم الطغيان في نينوى عام 612 قبل الميلاد، وهو الانتصار الذي عُدَّ بداية لمرحلة جديدة من الحرية. ومنذ ذلك التاريخ أصبح نوروز مناسبة لاستذكار النضال ضد الظلم وتجديد الأمل بالمستقبل.

أسطورة كاوا الحداد… بداية شعلة نوروز

وترتبط رمزية نوروز في الوجدان الكردي بقصة أسطورية وردت في ملحمة "شاهنامه" للشاعر الفردوسي، والتي تتحدث عن البطل الكردي كاوا الحداد الذي ثار ضد الملك الظالم "أزدهاك المعروف أيضاً باسم "الملك التنين".

وتروي الأسطورة أن هذا الملك كان يحمل ثعبانين على كتفيه لا يهدآن إلا بعد إطعامهما أدمغة الأطفال، الأمر الذي جعله يقتل أبناء الشعب ويضطهدهم. وكان كاوا الحداد أحد ضحايا هذا الطغيان، إذ فقد معظم أبنائه على يد الملك، ولم يتبقّ له سوى ابنته الصغيرة.

وقرر كاوا أن يقود ثورة ضد الطاغية، فتوجه إلى قصره حاملاً مطرقته الحديدية، وتمكن من قتله وإسقاط حكمه. وبعد الانتصار أشعل النار على قمة الجبل ليعلن للشعب سقوط الظلم وبزوغ فجر الحرية. ومنذ ذلك الحين أصبحت النار رمزاً للحرية في نوروز، وأصبح إشعالها تقليداً سنوياً لدى الكرد في ليلة العيد.

ويشير المؤرخ الكردي شرف خان البدليسي في كتابه الشهير "شرفنامه" إلى هذه الرواية، مؤكداً أن الكرد حافظوا على إحياء هذا اليوم عبر القرون بوصفه جزءاً من هويتهم التاريخية والثقافية.

نوروز في الأدب الكردي

ولم يقتصر حضور نوروز على الذاكرة الشعبية فحسب، بل احتل مكانة كبيرة في الأدب الكردي أيضاً، حيث تغنى به العديد من الشعراء والأدباء الذين رأوا فيه رمزاً للحرية والانبعاث.

فالشاعر الكردي الكبير ملا أحمدي جزيري (1407-1481) كتب قصائد يصف فيها نوروز كونه بداية للحياة الجديدة، بينما أشار الشاعر أحمدي خاني (1650-1706)، صاحب ملحمة "مم وزين"، إلى نوروز بوصفها مناسبة يخرج فيها الناس إلى الطبيعة ويحتفلون بالحياة.

كما رأى الشاعر عبد الرحيم مولوي (1806-1882) في نوروز بداية لربيع الطبيعة والنماء، في حين تغنى الشاعر وفائي (1841-1902) بجمال الربيع والحب الذي يتجدد مع قدوم هذا اليوم. أما الشاعر عبد الخالق الأثيري الكركوكي (1890-1962) فقد كتب قصيدة طويلة عن نوروز عبّر فيها عن مشاعره القومية وهنأ فيها أبناء شعبه بهذه المناسبة.

طقوس الاحتفال بنوروز لدى الكرد

ويحافظ الكرد في مختلف مناطق وجودهم على طقوس مميزة في الاحتفال بنوروز، تعكس عمق ارتباطهم بهذه المناسبة. ومن أبرز هذه الطقوس هو إشعال النيران على رؤوس الجبال والتلال عشية يوم 21 آذار. وارتداء الأزياء الكردية التقليدية ذات الألوان الزاهية. والخروج إلى الطبيعة والتنزه في السهول والجبال. وأداء الرقصات الشعبية الجماعية وترديد الأغاني التراثية والوطنية التي تمجد الحرية والنضال.

وفي العصر الحديث ومع تقسيم كردستان إلى أربعة أجزاء موزعة بين سوريا وتركيا وإيران والعراق واضطهاد سلطات تلك البلدان للكرد، أصبح نوروز أيضاً مناسبة يعبّر خلالها الكرد عن مطالبهم السياسية وهويتهم القومية.

نوروز في روج آفا وسوريا

في روج آفا وسوريا، واجه الكرد لفترات طويلة قيوداً شديدة على الاحتفال بنوروز، خاصة خلال حكم النظام البعثي الذي كان يعدّه عيداً قومياً كردياً.

فحتى ثمانينيات القرن الماضي كانت السلطات تمنع أي احتفال علني بنوروز، وتعتقل المشاركين فيه، لذا كان الكرد يحتفلون بالعيد سراً في المنازل أو في القرى البعيدة عن أعين الأجهزة الأمنية.

وفي عام 1986 خرج الكرد في العاصمة دمشق للاحتفال بالعيد لأول مرة بشكل علني، لكن الاحتفال قوبل بالقمع واستشهد المواطن سليمان آدي خلال الهجمات على المحتفلين.

وفي عام 1988 أصدر النظام السوري مرسوماً اعتبر يوم 21 آذار عيداً للأم، في محاولة لتجاهل رمزية نوروز لدى الكرد.

وبعد انتفاضة 12 آذار عام 2004 في مدينة قامشلو ازدادت القيود الأمنية على احتفالات نوروز، وشهد عشية نوروز عام 2008 استشهاد ثلاثة شبان في مدينة قامشلو بعد أن أطلقت القوات الأمنية النار على المحتفلين، وكان أسماء الشبان الثلاثة محمد، لذلك كان يطلق عليهم اسم "المحمدون الثلاثة".

وفي نوروز الرقة عام 2010 استشهد طفل اسمه محمد نور، كما أصيب العشرات من الكرد بعد أن أطلقت القوات الأمنية النار على المحتفلين. كما اعتقل في العام نفسه الآلاف من الكرد في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب بعد أن استهدفهم رجال الأمن السوري.

وعادة ما كان المعتقلون في نوروز يحاكمون في محاكم عسكرية، باتهامات "إثارة الشغب" أو "عضوية منظمة غير مرخص لها" أو "محاولات اقتطاع جزء من أراضي الدولة".

ولكن بعد عام 2012 واندلاع ثورة 19 تموز وإعلان الإدارة الذاتية في روج آفا أصبح نوروز مناسبة عامة يحتفل بها الآلاف في ساحات المدن، وتشارك فيها مختلف مكونات المنطقة من عرب وكرد وسريان.

ولكن الذين يعادون الحرية استهدفوا المحتفلين، فعشية نوروز عام 2015، شن مرتزقة داعش هجمات انتحارية ضد محتفلين بالعيد في مدينة الحسكة، ما أدى لاستشهاد 53 مواطناً، معظمهم من الأطفال والنساء، وأصيبَ 130 آخرون بجروح، وأطلقَ على الضحايا اسم "شهداء نوروز 2015"،

نوروز شمال كردستان وتركيا

وفي شمال كردستان وتركيا، ارتبط نوروز أيضاً بتاريخ طويل من القمع والصراع السياسي. فقد كانت السلطات التركية تعتبر الاحتفال به تهديداً للأمن القومي بسبب ارتباطه بالهوية الكردية. ولذلك منعت التجمعات واعتقلت منظمي الاحتفالات.

ولكن مقاومة الشهيد مظلوم دوغان في سجن آمد وإضرامه النار بجسده في السجن في عشية يوم نوروز عام 1982، أحيت الاحتفال بهذا العيد في شمال كردستان، وبذلك تحول مظلوم دوغان إلى كاوا العصر وباتت صرخته "المقاومة حياة" شعاراً لعموم الشعب الكردي في كل مكان.

وشهدت تسعينيات القرن الماضي أحداثاً دامية عندما قمعت القوات التركية احتفالات نوروز في مدن مثل جزير ونصيبين وآمد عام 1992، ما أدى إلى سقوط عشرات الشهداء.

ومنذ ذلك الوقت تحولت احتفالات نوروز في شمال كردستان وتركيا إلى تظاهرات جماهيرية ضخمة يشارك فيها الملايين، ويرفعون خلالها شعارات سياسية تتعلق بالحقوق الكردية.

نوروز في جنوب كردستان والعراق

وفي جنوب كردستان والعراق اكتسب نوروز أيضاً بعداً قومياً وسياسياً، خاصة خلال فترات الصراع بين الحركة الكردية والسلطات العراقية.

ففي ثلاثينيات القرن الماضي دعا الشاعر الكردي بيره ميرد إلى إحياء شعلة نوروز في مدينة السليمانية رغم منع السلطات لذلك. ومع مرور الوقت أصبحت هذه المبادرة رمزاً للنضال الثقافي من أجل الاعتراف بالهوية الكردية.

وخلال عقود الثورة المسلحة بين عامي 1961 و1991 كان المقاتلون الكرد يشعلون النيران على قمم الجبال في ليلة نوروز لإظهار وجودهم، بينما كانت المدن الكردية تشهد احتفالات واسعة رغم الظروف السياسية.

واليوم يُعد نوروز في جنوب كردستان أحد أكبر المهرجانات الشعبية، حيث يخرج مئات الآلاف إلى الطبيعة ويقيمون الاحتفالات في السهول والجبال.

نوروز في كردستان إيران

أما في شرق كردستان وإيران، فقد عاش نوروز مرحلتين مختلفتين بالنسبة للكرد. ففي عهد الشاه كان العيد جزءاً من الثقافة الإيرانية العامة، لكن الكرد حاولوا تأكيد ارتباطه أيضاً بتاريخهم وهويتهم القومية.

وبعد قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979 حاولت السلطات التقليل من البعد القومي للاحتفالات، إلا أن الكرد استمروا في إحياء نوروز كونه مناسبة تعبّر عن وجودهم الثقافي والسياسي.

وفي مدن شرق كردستان تتحول احتفالات نوروز عادة إلى تجمعات جماهيرية كبيرة يشارك فيها آلاف الأشخاص مرتدين الأزياء الكردية التقليدية ويؤدون الرقصات الشعبية.

نوروز… رمز وحدة الكرد عبر الحدود

رغم تقسيم كردستان بين أربع دول هي تركيا وسوريا وإيران والعراق، فإن نوروز بقي مناسبة توحد الكرد في مختلف هذه المناطق. ففي كل عام تتوهج النيران في الجبال والسهول في ليلة واحدة، وكأنها رسالة مشتركة تعبر الحدود السياسية.

وقد أصبح نوروز مع مرور الزمن رمزاً للنضال المشترك والهوية الكردية الجامعة، حيث يجتمع الكرد في مختلف أنحاء العالم لإحياء هذا اليوم الذي يربطهم بتاريخهم وثقافتهم.

شعلة لا تنطفئ

وعلى مدى أكثر من ألفي عام واجهت احتفالات نوروز محاولات عديدة للمنع والقمع، سواء لأسباب سياسية أو دينية، إلا أن الكرد تمكنوا من الحفاظ عليها جيلاً بعد جيل.

فنوروز بالنسبة للكرد ليس عيداً للربيع، بل هو قصة شعب يسعى إلى الحرية ويستحضر تاريخه في كل عام عبر إشعال النار التي رفعها كاوا الحداد على قمة الجبل قبل أكثر من 26 قرناً.

وهكذا بقيت شعلة نوروز متقدة في جبال كردستان، رمزاً لانتصار النور على الظلام، وتجسيداً لآمال الكرد في الحرية والكرامة عبر التاريخ.

(ح)

ANHA