هل يستطيع الكرد تحقيق الوحدة هذه المرة؟

في خضم التطورات والحروب والصراعات والخلافات خلال المائة سنة الأخيرة في الشرق الأوسط، حاول الكرد مراراً تحقيق وحدتهم وإثبات وجودهم ونيل الاعتراف، لكنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى نتيجة.

هل يستطيع الكرد تحقيق الوحدة هذه المرة؟
الأحد 19 نيسان, 2026   03:40
مركز الأخبار

على امتداد أكثر من قرن، ظل شعار "وحدة الصف الكردي" يتكرر في خطابات الزعماء والأحزاب الكردية، وبرز كمطلب في محطات مفصلية مع تصاعد الأخطار العسكرية أو التحولات السياسية في الشرق الأوسط.

ومع كل منعطف إقليمي، ظهرت مبادرات واجتماعات وبيانات امتدت من إسطنبول بعد الحرب العالمية الأولى إلى مهاباد، ثم بغداد وهولير ودهوك، وصولاً إلى قامشلو وشرق كردستان، إلا أنها بقيت غالباً مرتبطة بالخلافات الحزبية والتدخلات الخارجية.

هذا التحقيق يرصد، بالتسلسل الزمني، أبرز محطات الدعوة إلى وحدة الصف الكردي منذ الحرب العالمية الأولى حتى اليوم، مع قراءة للسياقات السياسية والعسكرية التي أحاطت بكل محطة.

1) ما قبل الحرب العالمية الأولى: إرهاصات الهوية السياسية الكردية

قبل عام 1914، كانت الهوية الكردية تتشكل في إطار اجتماعي وقبلي، لكنها بدأت تقترب تدريجياً من خطاب سياسي منظم، خصوصاً في المدن الكبرى داخل الإمبراطورية العثمانية، حيث ظهرت جمعيات ثقافية وصحف كردية في إسطنبول وغيرها.

وبرزت شخصيات كردية مبكرة حاولت أن تضع القضية ضمن سياق سياسي أوسع، ومن بين الأسماء التي تُذكر في هذا السياق عبد القادر عُبيد الله (Abdulkadir Ubeydullah) الذي ارتبط اسمه بمحاولات تمثيل الكرد سياسياً ضمن الدولة العثمانية في مراحلها الأخيرة، وطرح حقوقهم ضمن إطار إصلاحي ثم تفاوضي.

كانت هذه المرحلة تعيش على وقع تراجع السلطنة العثمانية، وصعود القوميات، وتزايد نفوذ القوى الأوروبية، ما جعل الأرضية مهيأة لتحولات كبرى.

2) 1914–1918: الحرب العالمية الأولى وبداية الانعطافة الكبرى

مع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، وجد الكرد أنفسهم وسط صراع دولي أعاد رسم الخرائط. فبينما انخرطت قبائل كردية ضمن الجيش العثماني، حاولت قوى كردية أخرى الاستفادة من الفرصة لصالح مشروع سياسي خاص بالكرد يعيد حقوقهم وأرضهم المسلوبة، خصوصاً مع اقتراب انهيار السلطنة.

ومع نهاية الحرب عام 1918، بدا واضحاً أن الشرق الأوسط على أبواب تقسيم جديد، وأن قضية الأقليات والقوميات ستدخل مرحلة "الوعود الدولية"، وهي لحظة عدّها كثير من المؤرخين بداية الصراع الحديث على مستقبل كردستان.

3) 1920: معاهدة سيفر.. نافذة دولية لمشروع كردي

في 10 آب 1920، وقّعت القوى المنتصرة على الدولة العثمانية معاهدة سيفر التي تضمنت مواد فتحت الباب أمام إمكانية إقامة حكم ذاتي كردي وربما استقلال في مرحلة لاحقة، لتصبح سيفر أول وثيقة دولية تمنح الكرد أملاً ملموساً.

لكن تلك النافذة لم تكن نتيجة قوة كردية موحدة، بل جاءت ضمن مشاريع الدول المنتصرة لإعادة توزيع النفوذ في الأناضول والشرق الأوسط، الأمر الذي جعل مصيرها مرهوناً بالتوازنات الدولية.

4) 1923: معاهدة لوزان.. إسقاط الحلم وإغلاق الملف دوليا

بعد صعود الحركة الكمالية في تركيا، وقوة الجيش التركي الجديد، انتهى المسار الذي فتحته سيفر بتوقيع معاهدة لوزان في 24 تموز 1923.

أغلقت لوزان الباب أمام أي اعتراف دولي بحقوق قومية للكرد، وكرّست الحدود السياسية لتركيا الحديثة، لتبدأ مرحلة جديدة من الصراع الكردي ضد الدول القومية التي تشكلت بعد الحرب.

5) 1921: ثورة كوجكيري.. أول اختبار لوحدة القبائل في شمال كردستان وتركيا

اندلعت ثورة كوجكيري (Koçgiri) عام 1921 في سياق الاضطراب السياسي الذي رافق تأسيس الجمهورية التركية.

وبرز في الثورة اسم القائد والشاعر الكردي عليشير (Alîşêr) الذي حاول الدفع نحو توحيد القبائل الكردية سياسياً وعسكرياً في مواجهة السلطة الجديدة.

غير أن التفوق العسكري التركي، والانقسام القبلي، وغياب الدعم الخارجي، أدى إلى فشلها، لتصبح واحدة من أول الدروس القاسية التي كشفت هشاشة التنظيم الكردي في مواجهة دولة مركزية حديثة.

6) 1925: ثورة الشيخ سعيد.. نداء ديني-قومي للوحدة ضد الدولة التركية

في عام 1925 اندلعت واحدة من أكبر الثورات الكردية في شمال كردستان وتركيا، وهي ثورة الشيخ سعيد بيران (Sheikh Said).

ورغم أن الثورة حملت بعداً دينياً واضحاً، فإنها شكّلت أيضاً محطة قومية كردية مهمة، إذ سعى الشيخ سعيد إلى جمع القبائل والقوى المحلية في مواجهة سياسات التتريك والقمع.

جاءت الثورة في ظل صعود الدولة التركية الحديثة، وإلغاء الخلافة عام 1924، وتزايد القبضة العسكرية المنطقة.

لكنها انتهت بالفشل، وأُعدم الشيخ سعيد في 29 حزيران 1925، لتدخل الحركة الكردية في تركيا مرحلة طويلة من القمع الشديد.

7) 1930: ثورة آرارات.. محاولة بناء قيادة كردية منظمة

في عام 1930 اندلعت ثورة آرارات قرب جبل آرارات، وقادها تنظيم كردي قومي مرتبط بجمعية خويبون (Xoybûn) التي تأسست عام 1927 في المنفى، وكانت تهدف إلى توحيد القوى الكردية القومية ضد الدولة التركية.

تُعدّ خويبون إحدى أهم المحاولات المبكرة لبناء إطار قومي كردي "منظم" عابر للقبائل، وقد حاولت عبر آرارات خلق نموذج مقاومة موحد. لكن الثورة انتهت بعد هجمات تركية واسعة ودعم جوي.

8) 1918–1922: سمكو شيّاكي في شرق كردستان وإيران.. الوحدة عبر القبائل والسلاح

في إيران، برز الزعيم الكردي سمكو شكّاكي (Simko Shikak) بين عامي 1918 و1922، في سياق اضطراب إيران بعد الحرب العالمية الأولى.

حاول سمكو توحيد القبائل الكردية في شرق كردستان وإيران ضمن مشروع سياسي- عسكري ضد طهران، مستفيدا من ضعف السلطة المركزية وتداخل النفوذ الروسي والبريطاني، لكن المشروع بقي أسير البنية القبلية والانقسامات، ولم يتحول إلى تنظيم قومي ثابت.

9) 1919–1931: شيخ محمود البرزنجي (الحفيد) في العراق.. مشروع "حكم ذاتي" مبكر

في جنوب كردستان والعراق، شكّل شيخ محمود الحفيد (Sheikh Mahmud Barzanji) أحد أبرز رموز المشروع السياسي الكردي المبكر.

بين 1919 و1931 قاد الشيخ محمود سلسلة انتفاضات ضد الاحتلال البريطاني، وطرح فكرة قيام حكم ذاتي كردي في السليمانية ومحيطها، بل أعلن نفسه "ملكاً" على كردستان في بعض المراحل.

جاءت محاولاته في ظل تأسيس المملكة العراقية عام 1921 وصراع النفوذ البريطاني، ما جعل القضية الكردية جزءاً من المعركة الكبرى على شكل الدولة العراقية الجديدة.

10) 1946: جمهورية مهاباد.. أول دولة كردية قصيرة العمر

تُعدّ جمهورية مهاباد ذروة التجربة الكردية في القرن العشرين، ففي 22 كانون الثاني 1946 أعلن القاضي محمد (Qazi Muhammad) قيام الجمهورية في شرق كردستان وإيران، في ظل نفوذ سوفييتي واسع بعد الحرب العالمية الثانية.

كما لعب مصطفى البارزاني (Mustafa Barzani) دورا في دعم مهاباد، وكان من أبرز حلفائها العسكريين، لكن التجربة انتهت بعد انسحاب السوفييت، ودخول الجيش الإيراني إلى مهاباد في كانون الأول 1946، ثم أُعدم القاضي محمد في 31 آذار1947.

ورغم سقوطها، بقيت مهاباد رمزاً دائماً في الذاكرة الكردية بوصفها أول محاولة لبناء دولة كردية حديثة.

11) 1946: تأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني (PDK) وبداية التنظيم الحزبي

في العام نفسه، تأسس الحزب الديمقراطي الكردستاني (PDK) في جنوب كردستان بالعراق.

ارتبط اسم الحزب بزعامة مصطفى البارزاني، الذي عاد لاحقاً إلى العراق بعد سنوات من المنفى، ليقود مرحلة طويلة من الصراع مع بغداد.

تأسيس الحزب مثّل تحولاً مهماً من النضال القبلي إلى النضال الحزبي، وهو ما عدّه مؤرخون كرد نقطة مركزية في مسار "الوحدة التنظيمية" داخل جنوب كردستان.

12) الستينات: صعود ثورة أيلول في العراق.. الوحدة تحت راية البارزاني

في مطلع الستينات، تصاعد الصراع المسلح في العراق ضمن ما عُرف لاحقاً بـ ثورة أيلول (1961)، بقيادة مصطفى البارزاني.

وحاول البارزاني خلال هذه المرحلة جمع القوى والقبائل الكردية ضمن إطار واحد، وفرض قيادة سياسية موحدة للحركة الكردية بالعراق، وجاء ذلك في ظل عدم استقرار العراق سياسياً، وتكرر الانقلابات العسكرية، ما فتح الباب أمام مفاوضات متقطعة وحروب طويلة.

13) 11 آذار 1970: اتفاق الحكم الذاتي.. أول تسوية رسمية مع بغداد

في 11 آذار 1970 تم الإعلان عن اتفاق بين الحكومة العراقية والحركة الكردية بقيادة البارزاني، عُرف ببيان 11 آذار، وتضمن الاتفاق وعوداً بإقرار الحكم الذاتي، والاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية، والمشاركة السياسية.

وذكر كثير من الباحثين أن الاتفاق كان محاولة لتحويل "الوحدة الكردية" من مشروع عسكري إلى مشروع سياسي تفاوضي، لكنه تعثر لاحقاً بسبب خلافات حول تنفيذ البنود وترسيم المناطق، ما أدى إلى انهياره وتجدد الحرب.

14) 1975: اتفاق الجزائر وانهيار الثورة.. ثم ولادة الاتحاد الوطني الكردستاني

في 6 آذار 1975 وقّع العراق وإيران اتفاق الجزائر، وهو ما أدى إلى توقف الدعم الإيراني للحركة الكردية، لتنهار الثورة سريعاً وتدخل القضية الكردية مرحلة صعبة.

وفي سياق هذه الأزمة، تأسس عام 1975 الاتحاد الوطني الكردستاني (YNK) بقيادة جلال طالباني، ليشكل قطباً سياسياً جديداً منافساً لـ PDK.

هذا الانقسام الحزبي الجديد أصبح لاحقاً أحد أهم عوائق الوحدة الكردية في جنوب كردستان، رغم أنه مثّل أيضاً تعددية سياسية داخل البيت الكردي.

15) 1980–1999: القائد عبد الله أوجلان.. دعوات الوحدة عبر "PKK" في زمن القمع التركي

انقلاب 12 أيلول 1980: بداية مرحلة جديدة

شكل انقلاب 12 أيلول 1980 في تركيا نقطة تحول كبرى، حيث توسعت الاعتقالات، وحُظر النشاط السياسي، واشتدت سياسات التتريك، ما دفع الحركة الكردية إلى العمل السري والمنفى.

1980–1984: بناء تنظيم موحد في الخارج

بعد الانقلاب، ركز القائد عبد الله أوجلان على إعادة تنظيم الحزب في الخارج، مستفيداً من وجوده في سوريا ولبنان (البقاع)، حيث أنشأ قواعد تدريب.

وكانت فكرة "الوحدة" في مشروعه مرتبطة بتوحيد الكرد في تركيا ضمن تنظيم قوي يقود المواجهة.

15 آب 1984: إعلان الكفاح المسلح

في 15 آب 1984 بدأ PKK عملياته العسكرية داخل تركيا، لتدخل القضية الكردية في شمال كردستان وتركيا مرحلة صراع مسلح طويل، مستمرة اليوم بالمفاوضات وعملية سلام.

وخلال تلك المرحلة، طرح القائد عبد الله أوجلان خطاباً يعتبر أن "الوحدة" تتحقق عبر جبهة مقاومة موحدة ضد الدولة التركية.

1993: أول وقف إطلاق نار

في آذار 1993 أعلن الحزب وقف إطلاق نار، كأول محاولة رسمية لفتح باب سياسي. ورافق ذلك خطاب يدعو إلى حل سياسي وإلى توحيد الموقف الكردي في شمال كردستان وتركيا، لكن قوبلت الهدنة بدفع تركيا لانهيار سريعا وعادت المواجهات.

1994–1998: انتقاد الاقتتال الكردي في العراق

مع الحرب الداخلية في جنوب كردستان بالعراق بين PDK وYNK (1994–1998)، انتقد القائد عبد الله أوجلان الاقتتال الداخلي ودعا إلى تجنب استنزاف القوى الكردية.

1995–1998: الدعوة إلى مؤتمر قومي كردستاني

في النصف الثاني من التسعينات، طرح القائد عبد الله أوجلان فكرة "المؤتمر القومي الكردستاني" كصيغة جامعة للكرد، لكن هذه الدعوات بقيت دون إطار عملي موحد.

تشرين الأول 1998: خروج القائد عبد الله أوجلان من سوريا

في تشرين الأول 1998 خرج القائد عبد الله أوجلان من سوريا بعد أزمة سياسية بين دمشق وأنقرة انتهت بتوقيع اتفاق أضنة، وفي 15 شباط 1999 اعتُقل في نيروبي بمؤامرة دولية ونُقل إلى تركيا، لتنتهي مرحلة مفصلية من دعوات الوحدة الكردية.

16) 1991–1998: جنوب كردستان.. الحكم الذاتي ثم الحرب الداخلية

بعد حرب الخليج الثانية، شهد عام 1991 انتفاضة كردية في جنوب كردستان بالعراق، أعقبتها حماية دولية ومنطقة حظر جوي، ما سمح بقيام إدارة كردية شبه مستقلة.

وفي عام 1992 تأسس برلمان جنوب كردستان، لكن الصراع السياسي بين قطبي الإقليم: مسعود بارزاني (PDK)، وجلال طالباني (YNK) تحول إلى حرب داخلية واسعة بين عامي 1994 و1998، في واحدة من أكثر المراحل التي ضربت فكرة "وحدة الصف الكردي".

17) 17 أيلول 1998: اتفاق واشنطن.. محاولة أميركية لإنهاء الانقسام

في 17 أيلول 1998 وُقع اتفاق واشنطن برعاية الولايات المتحدة، لتثبيت وقف إطلاق النار بين PDK وYNK وإنهاء الاقتتال، ويعتبر ذلك محطة أساسية أعادت ترتيب البيت الكردي في العراق، ومهدت لاحقاً لمرحلة أكثر استقراراً.

18) 9 نيسان 2003: سقوط بغداد وترسيخ مكاسب الجنوب

بعد سقوط بغداد في 9 نيسان 2003، دخل جنوب كردستان العراق مرحلة سياسية جديدة، تعززت بإقرار الدستور العراقي عام 2005 الذي اعترف رسمياً بالإقليم ككيان اتحادي.

لكن الوحدة الحزبية بقيت ناقصة، إذ استمرت الثنائية السياسية في الإقليم وتداخل النفوذ بين هولير والسليمانية.

19) 2011–2012: سوريا.. طرد النظام البعثي وبداية تشكل إدارة جديدة

مع اندلاع الأزمة السورية عام 2011، بدأت المناطق الكردية تشهد تحولات متسارعة، وفي عام 2012 طُردت قوات النظام البعثي من أجزاء واسعة من المناطق الكردية، ما سمح بتشكل واقع سياسي جديد تقوده الأطراف الكردية لجانب باقي المكونات الأخرى، حتى ظهور المجلس الوطني الكردي (ENKS) كقطب سياسي آخر، مدعوماً من جنوب كردستان.

منذ تلك اللحظة، باتت وحدة الصف الكردي في سوريا إحدى أكثر القضايا إلحاحاً، لكنها اصطدمت سريعاً بالتدخل الخارجي.

20) تموز 2012: اتفاق هولير.. أول محاولة لتوحيد الأحزاب الكردية في سوريا

في تموز 2012 تم الإعلان عن اتفاق هولير بين مجلس غرب كردستان وENKS برعاية رئيس إقليم جنوب كردستان الفيدرالي أنذك، مسعود بارزاني.

سعى الاتفاق إلى تشكيل مرجعية سياسية مشتركة، وتقاسم الإدارة والتمثيل، وتوحيد الموقف في مواجهة التطورات السورية، لكن الاتفاق لم يستمر عملياً بسبب الخلافات حول السيطرة الأمنية والعسكرية، وحول إدارة المؤسسات.

21) تشرين الأول 2014: اتفاق دهوك.. محاولة ثانية لإنهاء انقسام الأطراف السياسي الكردية في سوريا

في تشرين الأول 2014 وُقّع اتفاق دهوك في إقليم جنوب كردستان الفيدرالي مجدداً، كمحاولة ثانية لرأب الصدع بين الأطراف.

جاء الاتفاق في سياق حساس جداً، بالتزامن مع ظهور مرتزقة داعش ومعركة كوباني، حيث برزت الحاجة إلى موقف كردي موحد، لكن الاتفاق تعثر مجدداً، وعادت الخلافات السياسية والتنظيمية لتطغى على المشهد.

22) 2014–2019: داعش كعامل ضغط.. الوحدة في الميدان لا في السياسة

بين 2014 و2019، فرض توسع مرتزقة داعش في سوريا والعراق واقعاً جديداً دفع القوى الكردية إلى التنسيق العسكري بدرجات متفاوتة، خاصة في البلدين.

ورغم أن خطر "داعش" وحّد الميدان جزئياً، إلا أن الخلافات السياسية بقيت قائمة، خصوصاً بين الأحزاب الكردية في سوريا، حيث لم تنجح القوى الكردية في إنتاج مرجعية سياسية موحدة رغم تعدد المبادرات، نظراً لبقاء المجلس الوطني رهين السياسات التركية والقوى المتدخلة في سوريا.

23) 2020–2021: جولات حوار كردي-كردي بين الأطراف السياسية في سوريا بوساطة دولية

شهدت الفترة 2020–2021 محاولات حوار بين الأطراف الكردية في سوريا، بدعم ورعاية أميركية وفرنسية في بعض المراحل.

وركزت هذه الحوارات على: "توحيد المرجعية السياسية، إعادة ترتيب العلاقة بين الإدارة الذاتية والمجلس الوطني الكردي، توزيع الأدوار في المؤسسات، لكن المفاوضات لم تصل إلى اتفاق نهائي شامل، بسبب استمرار الخلافات حول المرجعية العسكرية والإدارية، وتباين المواقف الإقليمية".

24) 26 نيسان 2025: مؤتمر قامشلو.. محطة جديدة لخطاب الوحدة

في 26 نيسان 2025 انعقد في مدينة قامشلو كونفرانس " وحدة الصف والموقف الكردي في روجآفايي كردستان". وجاء في ظل حديث متزايد عن مستقبل سوريا السياسي والدستوري، وسط ضغوط إقليمية، وتغيرات في خريطة النفوذ.

وسعى الكونفرانس إلى إنتاج موقف كردي موحد تجاه: "شكل الدولة السورية المقبلة، الاعتراف الدستوري بالحقوق القومية، مستقبل الإدارة الذاتية الديمقراطية".

تجدد دعوات القائد عبد الله اوجلان لوحدة الموقف الكردي في كردستان عبر رسائل

وخلال عام 2025، وضمن نداء السلام والمجتمع الديمقراطي، التي أطلقها القائد عبد الله أوجلان وما أعقبها من تواصله مع زعماء وقادة كرد عبر رسائل، جدد القائد دعوته للأطراف الكردية عقد مؤتمر قومي كردستاني، إلا أنه لم يعقد حتى الآن.

عام 2026 والأرضية الأكثر إمكاناً لتشكيل جبهة كردية سياسية وشعبية موحدة بدءاً من سوريا

لكن مراقبين رأوا أن المؤتمر يمثل خطوة سياسية جديدة، دون ضمانات حقيقية لتحويله إلى وحدة تنظيمية ثابتة ما لم يتم التوصل إلى تفاهمات شاملة بين القوى السياسية الأساسية.

خلال العام الجاري 2026، برزت مؤشرات لافتة على تشكّل أرضية جديدة لوحدة الصف الكردي، منذ بدء التصعيد العسكري التركي بمشاركة فصائل الحكومة المؤقتة في سوريا ضد إقليم شمال وشرق سوريا في 6 كانون الثاني.

فقد ظهرت بشكل واضح حالة تضامن كردي واسع تجاوز الأطر الحزبية التقليدية، تمثلت في وحدة الموقف الشعبي والعسكري للدفاع عن المناطق الكردية وحقوقها القومية، إلى جانب مشاركة كرد من شمال وجنوب وشرق كردستان عبر عبور الحدود والانخراط في جهود الدفاع، بالتوازي مع خروج مظاهرات حاشدة في عدة مناطق كردية وفي المهجر دعماً لروج آفا وتنديداً بالهجمات، بعيداً عن الاصطفافات السياسية الضيقة.

ولم يقتصر هذا التماسك على الساحة السورية فحسب، إذ شهدت مناطق كردستان الأخرى تحركات سياسية ودبلوماسية موازية، حيث دعمت أحزاب شرق وجنوب وشمال كردستان القضية الكردية في سوريا عبر مواقف وتحركات رسمية، فيما أظهرت الأحزاب والقوى السياسية والعسكرية في شرق كردستان وإيران موقفاً موحداً بالتزامن مع اندلاع الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى.

ويُنظر إلى هذين العاملين، في سوريا وإيران، على أنهما يعكسان اتجاهاً متصاعداً نحو وحدة الصف، ما يعزز الاعتماد بأن المرحلة الراهنة قد تكون الأكثر تهيئة منذ عقود لتشكيل جبهة كردستانية سياسية وشعبية موحدة، قادرة على تثبيت الحقوق القومية والثقافية والسياسية للكرد، وربما لعب دوراً أكثر تأثيراً في صياغة الحلول الإقليمية في الشرق الأوسط.

لماذا تتعثر الوحدة الكردية؟ أسباب ثابتة تتكرر عبر التاريخ

رغم اختلاف الأزمنة، فإن أسباب تعثر الوحدة الكردية تبدو متشابهة منذ عشرينات القرن الماضي حتى اليوم، وأبرزها:

أولاً: الانقسام الداخلي

من البنية القبلية في بدايات القرن العشرين، إلى الانقسام الحزبي الحديث (PDK/YNK) و(PYNK/ENKS)، ظل البيت الكردي يعيش تنافسا على الزعامة والشرعية.

ثانياً: اختلاف الساحات السياسية

الكرد في شمال كردستان وتركيا يعيشون سياقاً مختلفاً عن الكرد في جنوب كردستان وعن الكرد في روج أفا (غرب كردستان) أو في شرق كردستان، ما جعل توحيد الأهداف العامة صعباً.

ثالثاً: التدخلات الإقليمية والدولية

غالباً ما تحولت القوى الكردية إلى أطراف ضمن صراعات أكبر بين تركيا وإيران والعراق وسوريا، أو بين القوى الدولية، ما أدى إلى استخدام الورقة الكردية ضمن توازنات متغيرة.

رابعا: غياب مؤسسة قومية جامعة

منذ سقوط خويبون وحتى اليوم، لم ينجح الكرد في بناء مؤسسة جامعة تمثل "كل كردستان"، وظلت المشاريع موزعة بين الرقع المحتلة.

"وحدة الصف".. شعار قديم ومستقبل غير محسوم

من معاهدة سيفر عام 1920 إلى مؤتمر قامشلو عام 2025، بقيت فكرة الوحدة الكردية تتنقل بين الثورات والاتفاقات والبيانات، وبين التنظيمات القومية والحزبية، ورغم أن بعضها تم لفترات قصيرة جداً، إلا أن مفهوم "وحدة الصف الكردي" ما يزال حتى اليوم مشروعاً غير مكتمل، يتجدد مع كل أزمة ويضعف مع كل خلاف.

ويبقى السؤال مفتوحاً اليوم، بعد ذكر كل تلك الخيبات، والأرضية المهئية في المرحلة الراهنة للكرد، هل تستطيع القوى الكردية تحويل دعوات الوحدة المتكررة إلى مشروع سياسي ثابت وجبهة كردستانية سياسية وعسكرية موحدة، أم ستبقى هذه الدعوات جزءاً من تاريخ طويل تتنازعه الانقسامات والضغوط الإقليمية؟

(أم)

ANHA