تباين في وجهات النظر حول أولويات الاقتصاد السوري وتداعياتها

تتباين وجهات النظر بين اقتصاديين وخبراء وأكاديميين حول أولويات المرحلة المقبلة للاقتصاد السوري، في ظل ما يصفونه بغياب رؤية واضحة للدولة بشأن هوية الاقتصاد وخطة العمل للمرحلة المقبلة، إلى جانب رفضها إشراك أصحاب الخبرات والكفاءات والشارع السوري في رسم هذه الرؤية.

تباين في وجهات النظر حول أولويات الاقتصاد السوري وتداعياتها
تباين في وجهات النظر حول أولويات الاقتصاد السوري وتداعياتها
تباين في وجهات النظر حول أولويات الاقتصاد السوري وتداعياتها
تباين في وجهات النظر حول أولويات الاقتصاد السوري وتداعياتها
تباين في وجهات النظر حول أولويات الاقتصاد السوري وتداعياتها
تباين في وجهات النظر حول أولويات الاقتصاد السوري وتداعياتها
تباين في وجهات النظر حول أولويات الاقتصاد السوري وتداعياتها
الخميس 23 تموز, 2026   03:42
دمشق

بعد أكثر من عام و8 أشهر على سقوط النظام البعثي ودخول البلاد مرحلة جديد في ظل حكومة مؤقتة، لا يزال الاقتصاد يواجه تحديات متراكمة تتراوح بين تراجع الإنتاج، وضعف التمويل، وتآكل القدرة الشرائية، في وقت تتواصل فيه النقاشات حول أولويات التعافي الاقتصادي.

وبينما تتجه الحكومة نحو طرح مشاريع استثمارية وإصلاحات اقتصادية، يرى اقتصاديون وخبراء وأكاديميون أن غياب رؤية اقتصادية معلنة، وعدم إشراك أصحاب الخبرات والكفاءات في رسم السياسات، أسهما في اتساع التباين حول الأولويات التي ينبغي أن تتصدر مسار التعافي.

ويرى الاقتصادي عبد الله حسام (اسم مستعار) أن أولويات المرحلة المقبلة تتمثل في إعادة عجلة الإنتاج إلى الدوران، وتنمية المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر عبر تأمين التمويل اللازم لها، وضخ الأموال لإعادتها إلى الإنتاج، إلى جانب إيجاد قنوات تسويقية حقيقية لتصريف المنتجات، بعيداً عن "الأمنيات والتنظير في الإعلام".

ويؤكد أن إعادة الإنتاج، حتى وإن كانت بوتيرة بطيئة، من شأنها تحسين الواقع الاقتصادي وتهيئة الظروف للتعافي التدريجي، ويرى أن التوجه نحو الاستثمارات الغربية والمشاريع الكبرى قد يؤدي إلى زيادة التعثر، نظراً لارتفاع تكلفتها وعدم وجود ممولين لها حتى اليوم، فضلاً عن أنها خارج إمكانات أكثر من 90 بالمئة من السوريين.

كما يتساءل عن أسباب عدم إشراك الشارع السوري وأساتذة الجامعات في مناقشة مستقبل البلاد، والاستماع إلى وجهات النظر المختلفة، منتقداً تصنيف كل من عمل في سوريا خلال فترة حكم النظام السابق على أنه من "الفلول"، واصفاً هذا النهج بأنه "حكم خاطئ وغير مقبول"، مؤكداً أنه لا يمكن بناء سوريا بهذه العقلية.

من جانبه، يرى الخبير التنموي إياد زيتونة أن سوريا بلد زراعي بالدرجة الأولى، وأن هويتها الاقتصادية تقوم على الزراعة وما يرتبط بها من صناعات غذائية يتم تصديرها إلى الخارج، مثل زيت الزيتون والفستق الحلبي والجوز والصابون.

ويؤكد أن تحسين الواقع الاقتصادي يبدأ بتأمين مستلزمات الإنتاج الزراعي، ومنح الفلاحين قروضاً ميسرة أو تسهيلات لامتلاك المعدات الزراعية الحديثة، مشيراً إلى أن تحقيق الاكتفاء المحلي يمكن أن ينعكس إيجاباً على الاقتصاد.

كما لفت إلى أن دورة تربية الفروج تستغرق 6 أسابيع، بينما تحتاج تربية الأغنام إلى ستة أشهر، في حين يشهد موسم البطاطا في سوريا أربع عروات زراعية سنوياً.

وأضاف أن الزراعات المحمية متوفرة، إلا أنها تعاني من ضعف التصدير، وقصور في عمليات التعبئة والتغليف، واستمرار استخدام أدوات زراعية بدائية، فضلاً عن مشكلة حبس السيولة لدى مزارعي القمح، الأمر الذي يتسبب بخسائر لهم بدلاً من تشجيعهم على التوسع في الإنتاج.

بدوره، يرى أستاذ جامعي في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، فضل عدم الكشف عن هويته، أن سوريا اشتهرت تاريخياً بصناعة النسيج، وأن إعادة زراعة القطن تمثل أولوية اقتصادية لما توفره من دورة إنتاج متكاملة وفرص عمل واسعة.

وأكد أن القطن السوري "بلا منافس على مستوى العالم"، وأن استعادة هذه الزراعة تمثل عودة لهوية اقتصادية سورية وعائداً اقتصادياً كبيراً، فضلاً عن مساهمتها في الحد من استنزاف الخزينة العامة نتيجة استيراد الأقمشة والخيوط.

وانتقد الأستاذ الجامعي ما وصفه بـ"التهميش الكبير" الذي يتعرض له أساتذة الجامعات والخبراء، مشيراً إلى أنهم لا يُدعون إلى الفعاليات أو اللقاءات الصحفية إلا عدد قليل ممن "يطبلون للنهج القائم"، على حد تعبيره، وأضاف أن تجاهل خبراتهم يعكس مشكلة في رؤية الدولة لهذه الفئة، وعدم اعتبارها شريكاً في مرحلة إعادة البناء، أو تصنيفها ضمن "الفلول".

وفي سياق متصل، ترى المحامية جمانة كاتب أن استثمار الموقع الجغرافي لسوريا في مجال التجارة من شأنه أن يعزز تدفق الاستثمارات الخارجية، وأن الأولوية بعد استقرار الأوضاع الأمنية يجب أن تتركز على تعزيز الشفافية والحوكمة في المؤسسات المعنية بالاستثمار.

وتابعت أن تحسين البيئة الاستثمارية يتطلب تحديد جهة حكومية واحدة يتعامل معها المستثمر، إلى جانب إقرار نظام للتحكيم التجاري في سوريا، على أن يتولى إدارته قانونيون معروفون في الساحة الحقوقية، وليس أشخاصاً دخلوا المهنة حديثاً.

وبعد مرور أكثر من عام و8 أشهر على سقوط النظام البعثي، يجمع أصحاب هذه الآراء أن استمرار تشتت الأولويات، وغياب رؤية اقتصادية واضحة، وعدم إشراك الشارع السوري وأصحاب الكفاءات في رسم السياسات الاقتصادية، يثير تساؤلات بشأن مسار المرحلة المقبلة، ويهدد بإطالة أمد التعافي الاقتصادي، مع احتمالات استمرار التعثر، وازدياد معدلات الفقر، وتصاعد الهجرة من الريف إلى المدن.

في المقابل، تؤكد الحكومة منذ توليها السلطة أن أولويتها تتمثل في إعادة بناء الاقتصاد على أسس جديدة تقوم على اقتصاد السوق، وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، وإعادة دمج سوريا في الاقتصاد الإقليمي والدولي، معتبرة أن سنوات الحرب والعقوبات والعزلة أضعفت قدرة الدولة على تمويل عملية التعافي.

كما شددت في تصريحات مسؤوليها وقراراتها الاقتصادية على إصلاح البيئة التشريعية للاستثمار، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وإبرام شراكات مع شركات إقليمية ودولية في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والنقل، باعتبار أن الاستثمارات الكبرى تمثل مدخلاً لتوفير فرص العمل وتحريك عجلة الاقتصاد.

وفي الوقت ذاته، تقول الحكومة إن عملية إعادة هيكلة مؤسسات الدولة جاءت بهدف بناء جهاز إداري أكثر كفاءة وفاعلية، وإن التعيينات تستند إلى معايير المرحلة الانتقالية ومتطلباتها، في حين ينفي مسؤولون وجود سياسة ممنهجة لإقصاء الكفاءات، مؤكدين أن باب المشاركة مفتوح أمام جميع أصحاب الخبرات الراغبين في المساهمة بعملية إعادة الإعمار وبناء المؤسسات.

وكانت قد شهدت سوريا خلال أيار 2025 تحولاً في بيئتها الاقتصادية الخارجية، بعد إعلان الولايات المتحدة بدء رفع العقوبات الاقتصادية وإصدار إعفاءات واسعة، شملت تعليق العمل بعقوبات قانون قيصر، أعقبها قرار الاتحاد الأوروبي في 28 أيار 2025 برفع العقوبات الاقتصادية القطاعية المفروضة على البلاد، مع الإبقاء على العقوبات الموجهة ضد شخصيات وكيانات مرتبطة بالنظام البعثي أو بقضايا أمنية وحقوقية.

(أم)

ANHA