القضاء وحده لا يكفي.. دعوات إلى شراكة مجتمعية لإنجاح العدالة الانتقالية

توضح المعطيات أن نجاح العدالة الانتقالية في سوريا يبقى مرهوناً بقيام شراكة حقيقية بين مؤسسات الدولة والمجتمع، بحيث تتكامل أدوار القضاء والتعليم والإعلام والمجتمع المدني المحلي في كشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، وإصلاح المؤسسات، ومنع تكرار الانتهاكات، وصولاً إلى إعادة بناء الثقة وترسيخ سلام مستدام.

القضاء وحده لا يكفي.. دعوات إلى شراكة مجتمعية لإنجاح العدالة الانتقالية
الثلاثاء 7 تموز, 2026   03:40
مركز الأخبار

بعد أكثر من عام ونصف على سقوط نظام البعث، تتقدم ملفات المحاسبة وكشف مصير المفقودين في صدارة مسار العدالة الانتقالية في سوريا، إلا أن خبراء قانونيين وباحثين يؤكدون أن نجاح هذا المسار لا يُقاس بعدد المحاكمات أو الأحكام القضائية، بل بقدرته على معالجة جذور الانتهاكات، ومشاركة المجتمع في إصلاح مؤسسات الدولة، وإعادة بناء الثقة بين السوريين.

وتشير المبادئ التي اعتمدتها الأمم المتحدة في تجارب العدالة الانتقالية إلى أن القضاء يمثل أحد أركان العدالة، لكنه ليس الركيزة الوحيدة، إذ تتطلب المرحلة الانتقالية مسارات متوازية تشمل كشف الحقيقة، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

وفي هذا السياق، قال الباحث السياسي والحقوقي خالد جبر إن المحاكم ضرورية لإنهاء الإفلات من العقاب ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات، لكنها وحدها لا تستطيع معالجة الإرث الواسع والمعقد الذي خلّفه النزاع السوري.

وأوضح أن العدالة الانتقالية تتطلب أيضاً كشف الحقيقة وتوثيق الانتهاكات، ومعرفة مصير المفقودين والمختفين قسراً، وتمكين الضحايا من الإدلاء بشهاداتهم، إلى جانب جبر الضرر عبر التعويض وردّ الحقوق والدعم النفسي والاعتراف الرسمي بالضحايا.

وأضاف أن إصلاح المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية والإدارية، ومراجعة التشريعات التي سمحت بوقوع الانتهاكات، واعتماد معايير مهنية وحقوقية في الإدارة والرقابة، تمثل ركائز أساسية لضمان عدم تكرار ما حدث، إلى جانب ترسيخ مبادئ سيادة القانون وفصل السلطات، وتعزيز دور الإعلام المستقل والمجتمع المدني.

وأشار جبر إلى أن المصالحة المجتمعية تُعد جزءاً من منظومة العدالة الانتقالية، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن المحاسبة أو وسيلة للإفلات من العقاب، مؤكداً أن نجاحها يتطلب مشاركة الضحايا وإرادتهم، وأن الحالة السورية، بما تتضمنه من تعدد أطراف النزاع واتساع الانتهاكات ووجود ملايين اللاجئين والنازحين، تفرض اعتماد مقاربة شاملة تتجاوز الاقتصار على القضاء.

من جانبه، يرى الصحفي السوري المختص بالشأن الكردي والباحث في الملفات السياسية والحقوقية وقضايا الانتهاكات، عبد الحليم سليمان، أن منع تكرار الانتهاكات يبدأ بمعالجة أسبابها الفكرية والاجتماعية، مؤكداً أن التعليم يمثل الأداة الأهم لإعادة تشكيل الوعي وترسيخ ثقافة قبول الآخر وحقوق الإنسان، في حين يؤدي الإعلام دوراً موازياً في التأثير على الرأي العام ونشر قيم التعايش إذا استند إلى استراتيجيات واضحة، بدلاً من الخطابات التحريضية والاستقطابية.

وأوضح أن المناهج التعليمية في سوريا، سواء قبل النزاع أو خلاله، لم تنجح في ترسيخ ثقافة التعددية بشكل كافٍ، مشيراً إلى أن بعض التجارب المحدودة، مثل إدخال مواد تعزز التنوع اللغوي والثقافي في مناطق الإدارة الذاتية، أسهمت جزئياً في هذا الاتجاه، لكنها لا تزال بحاجة إلى إطار وطني شامل يعزز المواطنة والتعددية بعيداً عن الأحادية القومية أو الفكرية.

وأضاف أن غياب المبادرات المجتمعية خلال العقود الماضية، إلى جانب التدخلات الإقليمية وتطورات الصراع، أسهم في تعميق الانقسامات وتحويل كثير من الانتهاكات إلى ردود فعل وانتقامات متبادلة، وهو ما يجعل بناء مبادرات مجتمعية حقيقية أمراً ضرورياً لإعادة ترميم النسيج الاجتماعي.

وفيما يتعلق بالمصالحات المحلية، أكد الصحفي السوري، عبد الحليم سليمان أنها تشكل إحدى الأدوات المهمة لإعادة بناء الثقة بين المجتمعات السورية، نظراً للتداخل الاجتماعي والعائلي بين مختلف المكونات، لكنها لا تحقق أهدافها إلا إذا جاءت ضمن إطار واضح للعدالة الانتقالية يجمع بين المساءلة القضائية، وجبر الضرر، والحوار المجتمعي، ولا يحول المصالحة إلى بديل عن العدالة.

من جهتها، تتفق الصحفية الكردية والناشطة في منظمات المجتمع المدني، شيلان خضر، مع من سبقها في الإشارة إلى أنه في سوريا، لا يمكن تصور عدالة انتقالية مستدامة دون مشاركة فاعلة لمنظمات المجتمع المدني، مؤكدة أنها لعبت خلال سنوات الحرب دوراً أساسياً في توثيق الانتهاكات، وتقديم الدعم القانوني والنفسي للضحايا، وحفظ الشهادات والأدلة التي تشكل اليوم ركيزة مهمة لأي مسار للمحاسبة وكشف الحقيقة.

لذلك تؤكد شيلان خضر أن دور هذه المنظمات يجب ألا يقتصر على المشورة، بل ينبغي أن تكون شريكاً حقيقياً في صياغة السياسات، وتحديد الأولويات، ومراقبة تنفيذ آليات العدالة الانتقالية، وتمثيل الضحايا.

ونوهت الصحفية الكردية، أنه وبعد أربعة عشر عاماً من الحرب، لن يُقاس نجاح العدالة الانتقالية في سوريا بعدد المحاكمات فقط، بل بقدرتها على إشراك الضحايا ومن يمثلهم في بناء هذا المسار.

مشيرة لتداعيات تجاهلها بالقول "أما غياب منظمات المجتمع المدني أو تهميشها، فقد يفقد العملية ثقة المجتمع وشرعيتها، ويحد من فرص تحقيق المصالحة الوطنية، ويضعف الضمانات الكفيلة بمنع تكرار الانتهاكات في المستقبل".

ويؤكد المختصون أن التجارب الدولية أظهرت أن الاقتصار على المحاكمات، من دون إصلاح التعليم والإعلام والمؤسسات العامة وإشراك المجتمع في عملية المصالحة، يبقي أسباب النزاع قائمة ويجعل السلام هشاً.

(أم)

ANHA