سوريا في ذكرى الثورة.. تحديات مستمرة تواجه البلاد

مع دخول الثورة السورية عامها السادس عشر، شهدت البلاد مساراً شائكاً بعد سقوط النظام البعثي، خاصة أن الحكومة المؤقتة سعت إلى فرض هيمنتها عبر إجراءات سياسية وعسكرية أقصت مختلف التيارات والمكونات والطوائف. وقد انعكس ذلك سلباً على النسيج الاجتماعي، حيث تعرض الكرد والعلويون والدروز لانتهاكات خلال العام الأخير.

سوريا في ذكرى الثورة.. تحديات مستمرة تواجه البلاد
الأحد 15 آذار, 2026   06:40
مركز الأخبار

خلال السنوات الفائتة، شهد السوريون الكثير من التطورات والأحداث، وكانت هناك الكثير من العوامل والأسباب التي أدت إلى تعمق الأزمة السورية، من بينها تمسك نظام البعث بخيار الإقصاء لجميع الآراء والقوى، بالإضافة إلى استعمال الاحتلال التركي مرتزقة كأداة، وصولاً إلى مرحلة سقوط النظام البعثي والمرحلة الانتقالية التي أعقبت ذلك.

شرارة الجنوب والنظام يلجأ إلى محاولة الحسم

على وقع انتشار رياح ربيع الشعوب "الربيع العربي"، أطلق السوريون حراكهم الشعبي في 15 آذار عام 2011 وكانت البداية من درعا في الجنوب، على أثر الانتفاضة ضد نظام البعث بسبب إقدامه على اعتقال بعض الأطفال بسبب كتابة عبارات مناوئة لها، وسرعان ما توسعت هذه المظاهرات.

وفي آذار عام 2012، وجه نظام البعث ترسانته العسكرية إلى حمص، وهاجم حي بابا عمرو وأعلن السيطرة عليه بعد قتال عنيف استمر قرابة 26 يوماً، وفي شهر تموز، أخذت الأزمة السورية منعطفاً آخر بعد أن أعلن تلفزيون النظام مقتل كل من وزير الدفاع داوود راجحة ونائبه آصف شوكت، وحسن تركماني معاون نائب بشار الأسد في تفجير استهدف مبنى "الأمن القومي السوري" في حي الروضة بدمشق.

تركيا تغرق المدن السورية بالمرتزقة والمتشددين

فتحت تركيا مطاراتها لاستقبال المرتزقة من أنحاء العالم كافة، وسهّلت عبورهم إلى الأراضي السورية، كما حوّلت حدودها إلى معابر يتدفق منها السلاح إلى المرتزقة في سوريا، وقدّمت كل أشكال الدعم المادي والمعنوي والطبي لهم؛ أما إيران فحشدت الشيعة أينما كانوا، وأرسلتهم إلى سوريا للقتال إلى جانب النظام السوري.

ومع تزايد قدوم المرتزقة الأجانب من كل أصقاع العالم واستخدام الشحن الطائفي والقومي في المنطقة كوسيلة لتجنيد المسلحين، احتل مرتزقة داعش صيف 2014، مساحات كبيرة من سوريا والعراق.

روسيا تتدخل بشكل مباشر

عام 2014، شهدت قوات النظام السوري انهياراً كبيراً، حيث سيطرت هيئة تحرير الشام "جبهة النصرة سابقاً"، على مساحات كبيرة من حلب، وإدلب، وحماة، ودرعا، وحمص، والقنيطرة، وانحصر وجود النظام في المدن الرئيسة فقط.

ونتيجة لهذا تدخّلت روسيا ووقّعت اتفاقاً مع النظام، في آب 2015، يمنح الحق للقوات العسكرية الروسية باستخدام قاعدة حميميم في كل وقت دون مقابل، وإلى أجلٍ غير مسمى، وابتداءً من أيلول 2015، عززت روسيا حضورها العسكري في سوريا.

مسار مغاير في شمال وشرق سوريا.. عقد اجتماعي وانتخابات

بالتزامن مع الانهيار الذي شهده النظام السوري وانسحابه من المناطق السورية وتركه الأهالي لقمة سائغة أمام مرتزقة داعش، حملت وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة على عاتقها مهمة الحفاظ على مقاطعات الإدارة الذاتية الديمقراطية الثلاث التي أعلنت في روج آفا، في كانون الثاني 2014، والمتمثلة في مقاطعات الجزيرة وعفرين وكوباني، لتتوسع هذه الإدارة وتشمل مناطق شمال وشرق سوريا.

وعملت الإدارة الذاتية على تطبيق نظرية الأمة الديمقراطية المبنية على أسس أخوة الشعوب، حيث تمكنت من جمع مكونات المنطقة كافة وعززت السلم الأهلي، كما تمكنت من الحفاظ على المنشآت السورية الحيوية وطورتها.

وراقبت الإدارة الأميركية جدارة وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة في محاربة مرتزقة داعش؛ لذا وبعد الإعلان عن تشكيل التحالف الدولي المناهض لداعش عام 2014، قامت قوات التحالف الدولي؛ بتقديم الدعم الجوي لوحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة، وخاصة في معركة كوباني، في أيلول عام 2014، ليستمر هذا الدعم فيما بعد حتى إعلان تشكيل قوات سوريا الديمقراطية ما ساعد على تحرير المناطق السورية من داعش.

مباحثات عديدة أثقلت كاهل السوريين

عقدت كل من روسيا – تركيا – إيران 22 جولة من اجتماعات أستانا التي بدءاً من 23 – 24 كانون الثاني 2017؛ لمناقشة أزمة السوريين دون حضور أصحاب الأزمة، إلا أن أهداف النقاشات ونتائجها كانت واضحة، وهي استمرار التفاهمات الروسية – التركية، ومهاجمة مشروع الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا.

واستغلت تركيا هذا الاتفاق من أجل احتلال عفرين وسري كانيه وتل أبيض/كري سبي وأجزاء من أرياف إدلب واللاذقية وحلب في المقابل مكّنت روسيا نظام الأسد من السيطرة على مناطق سورية واسعة، كما أن وخلال هذه الاجتماعات عملت على تجميع المجموعات المسلحة في شمال غرب سوريا وخاصة إدلب لتقوم بذلك بالانقلاب على شركائها في أستانا وتدعم عملية عسكرية أدت لسقوط نظام الأسد فيما بعد.

شهدت جنيف جولات عديدة من المباحثات بين أطراف الصراع السوري، بدءاً من 30 حزيران 2012، لكنها فشلت لعدة أسباب؛ أهمها عدم دعوة ممثلي الشعب السوري واختلاف الأطراف المعنية بالأزمة على تفسير بنود الاتفاق، كما لم يفلح مؤتمر سوتشي للحوار السوري، في 30 كانون الثاني 2018 بتحقيق أي نتائج تذكر، بالتوازي عجزت ثماني جولات من اجتماعات "اللجنة الدستورية" عن تحقيق أي تقدم.

الجنوب السوري يرفع صوته مجدداً

مع نجاح مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية في إقليم شمال وشرق سوريا، عمل أهالي السويداء في السير على الطريق نفسه، وتمكنوا إلى حدٍ ما، من تحجيم دور قوات النظام السوري وسلطاتها، إذ امتنع شبان المنطقة من الالتحاق بالعسكرية الإلزامية، وشُكلت قوات محلية وبعض المجالس والمكاتب السياسية، وتسبب ذلك بحدوث صدامات بين أهالي السويداء والأجهزة الأمنية التابعة للنظام السوري.

وأخذت المظاهرات في السويداء طابع الاستمرارية، كما تزامن ذلك مع إعلان قوى المجتمع المدني وحزب اللواء السوري، تشكيل لجان إدارة محلية تقوم بعمل بعض المؤسسات الخدمية، ويتحدث القائمون على هذا العمل جاء تمهيداً لتطوير الحراك وتنظيمه بشكل أفضل.

تقارب لم ينجح بين نظام الأسد والاحتلال التركي

شهدت الأزمة السورية منعطفاً مهماً خلال عام 2022، وعلى الرغم من سنوات العداء بين تركيا والنظام السوري واحتلال تركيا لأراضٍ سورية عديدة، انطلق مسار تقارب بين الطرفين وذلك بعد قمة طهران التي حضرها ممثلو أستانا في 19 تموز2022، ليجتمع رئيسا، روسيا وتركيا، في موسكو بتاريخ 6 آب وكشف رئيس دولة الاحتلال، رجب طيب أردوغان، أن نظيره، فلاديمير بوتين، عرض عليه خلال المحادثات حل الأزمة، بالتعاون مع النظام السوري، واجتمع فيما بعد وزراء دفاع روسيا وتركيا ونظام الأسد في موسكو، إلا أن هذه الاجتماعات؛ لم تأخذ طابعاً سياسياً حتى وصل هذا المسار إلى طريق مسدود.

الدول العربية تمنح فرصة ضائعة لنظام الأسد

بعد الزلزال المدمر الذي وقع 6 شباط 2023، أجرت معظم الدول العربية اتصالات مع النظام السوري وأرسلت المساعدات الإنسانية، وزار الأسد سلطنة عمان للمرة الأولى، كما أن المساعي الروسية تكللت بالنجاح في إعادة النظام السوري إلى الجامعة العربية، لكن دون أي انعكاس لذلك على الواقع السوري، وخاصة من الناحية السياسية والاقتصادية.

ووفقاً لما تبين، فإن نظام الأسد لم يتمكن من تحقيق مطالب الدول العربية، وخاصة فيما يتعلق بالابتعاد عن إيران والمساعدة في تقليص نفوذ الميليشيات الإيرانية داخل سوريا وعدم تقديم الدعم والمساعدة لحزب الله اللبناني، بالإضافة إلى القيام ببعض الإصلاحات السياسية والاقتصادية في البلاد لمساعدته على الخروج من الأزمة.

تركيا تغدر بشركائها في أستانا.. نظام الأسد يسقط

على الرغم من مرور سنوات عديدة على انطلاق الثورة السورية وارتفاع عدد الضحايا السوريين، ما عمّق الأزمة الإنسانية، فإن النظام السوري لم يغير من سياساته، سواء فيما يخص الداخل، حيث واصل سياسة الإقصاء والقمع والتمسك بالذهنية الاستبدادية الإجرامية، وحتى خلال التعامل مع الخارج حيث لم يتجاوب مع المبادرات الروسية والضغوط الغربية فيما يتعلق بتقليص نفوذ إيران وميليشياتها كما أنه لم يتجاوب مع مساعي روسيا لتحقيق تقارب مع أنقرة، كل هذا أدى لنشوء موقف إقليمي ودولي ضد نظام الأسد وكانت خطوات الأسد الأخيرة قبل سقوط نظامه وتحديداً فيما يتعلق بالتمسك بالعلاقة مع حزب الله اللبناني سبباً رئيساً في تعجيل سقوطه.

خلال مرحلة سقوط نظام الأسد وما بعده توضحت سلبية الدور التركي، حيث عملت خلال السنوات الماضية على إنهاء دور القوى الديمقراطية والوطنية والمدنية في سورية، في المقابل تم تعزيز نفوذ القوى الإسلامية الراديكالية التي تضم الآلاف من المقاتلين الأجانب وخاصة من الإيغور والشيشان. ووصلت هذه القوى وعلى رأسها "هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة سابقاً) إلى حكم سوريا.

مرحلة ما بعد سقوط النظام.. مسار مشابه لما سبق

على الرغم من آمال السوريين بانتهاء عقود من الاستبداد والظلم، إلا إن سلطات الحكومة المؤقتة في سوريا ذهبت منذ البداية إلى محاولة بسط هيمنتها على البلاد وأقصت مختلف التيارات السياسية والطائفية والقومية محاولة استغلال الدعم الإقليمي والدولي لمرحلة ما بعد سقوط الأسد.

"هيئة تحرير الشام" انفردت منذ البداية وعبر ما يسمى "مؤتمر النصر" بعملية إدارة المرحلة الانتقالية وتشكيل الجيش السوري بالتوازي مع ذلك أطلقت ما يسمى "حواراً وطنياً" لم يشارك فيه ممثلو السوريين الحقيقيين، ووصل الأمر إلى صياغة "إعلان دستوري" يتشابه مع دساتير حزب البعث في تكريس الهيمنة والاستبداد.

هذه الحكومة اعتمدت على رفع مستوى خطاب الكراهية والتحريض، وهذا ما تسبب بارتكاب مجازر في الساحل السوري بحق الطائفة العلوية، حيث شهدت مناطق الساحل السوري بين 6 و10 آذار 2025 أحداث عنف دامية، وأسفرت تلك الأحداث، وفق تقارير حقوقية وشهادات محلية، عن سقوط مئات القتلى من المدنيين.

هذه الجرائم تكررت في السويداء حيث تم شن الهجمات عليها من قبل الحكومة وفصائل تابعة لها وتم ارتكاب مجازر بحق الدروز هناك بهدف فرض السيطرة عليهم، إلا أن هذه الهجمات تم التصدي لها من قبل فصائل درزية محلية بقيادة الشيخ حكمت الهجري الذي أعلن عن تنظيم القوات هناك تحت اسم "الحرس الوطني" وتشكيل لجان إدارة محلية في المناطق الدرزية.

وعقب ذلك، بدأت الحكومة بالتحريض على مناطق شمال وشرق سوريا والكرد بشكل خاص، وذلك في ضرب لاتفاقية الـ10 من آذار 2025 بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة المؤقتة، وتم محاصرة حيي الشيخ مقصود والأشرفية ومهاجمتهم، وعلى الرغم من التوافق على خروج قوات سوريا الديمقراطية ومن ثم قوات الأمن الداخلي (الأسايش) إلا أن الهجمات استمرت لتصل إلى دير حافر والرقة ودير الزور التي انسحبت منها قوات سوريا الديمقراطية بهدف الحفاظ على حياة المدنيين.

وبعد أن عززت قوات سوريا الديمقراطية وخاصة الكرد من خطوط الدفاع عن مناطق الحسكة وكوباني، تم التوافق بتاريخ 29 كانون الثاني على إكمال مسار الدمج بين مؤسسات الإدارة الذاتية والحكومة المؤقتة في سوريا وتم تعيين محافظ جرى ترشيحه من قبل قوات سوريا الديمقراطية، ولا تزال عملية الدمج تسير، إلا أنه وبحسب مراقبين، لا يزال هذا المسار يواجه تحديات عديدة.

(أم)

ANHA