سياسة الحكومة الانتقالية تجاه المكونات السورية ومسارات التفاعل والمواجهة

اتسم العام الماضي بسياسة فرز وضغط استهدفت المكونات السورية عبر التحريض الإعلامي والتحركات العسكرية وتعطيل التفاهمات، فيما سعت هذه المكونات إلى تنظيم جهودها وتأسيس أطر بديلة لإدارة شؤونها، مع محاولة الانخراط في مسارات وطنية أوسع رغم التحديات المستمرة.

سياسة الحكومة الانتقالية تجاه المكونات السورية ومسارات التفاعل والمواجهة
الثلاثاء 9 كانون الأول, 2025   07:35
مركز الأخبار

شهدت سوريا خلال العام الذي أعقب سقوط النظام البعثي سلسلة من الإجراءات السياسية والعسكرية والإعلامية التي اتخذتها الحكومة الانتقالية، بدءاً من وصول "هيئة تحرير الشام" إلى الحكم، والتي تركت آثاراً عميقة على النسيج الاجتماعي والعلاقات بين المكونات السورية. 

ورغم الوعود المعلنة ببناء دولة جامعة، إلا أن السياسات المتبعة أسهمت في توتير المشهد الداخلي وخلق بؤر توتر جديدة في مختلف المناطق، وهو ما سنسرده بشكل مقتضب مما شهدته سوريا.

تصاعد التوتر الطائفي وتراجع التماسك الاجتماعي

تكشف بيانات توثيقية عن مقتل 3908 مواطنين على أسس طائفية ودينية منذ سقوط النظام حتى تشرين الثاني 2025، في ظل مناخ من التعبئة الإعلامية والسياسية التي سمحت بتحويل التجمعات العامة إلى منصّات للتحريض على الطوائف والقوميات المختلفة دون رادع رسمي.

هذا الواقع انعكس على سلوكيات اجتماعية عنيفة شهدت اعتداءات على طلاب دروز وشبان كرد، إلى جانب استهداف عشرات المدنيين من الطائفة العلوية بعمليات قتل واعتقال.

الساحل السوري.. إقصاء علني وتحركات مدنية محدودة

اعتمدت الحكومة الانتقالية خطاباً يقصي أبناء الطائفة العلوية ويربطهم بالإرث الأمني والسياسي للنظام السابق، ما جعل المناطق الساحلية عرضة لهجمات متعددة، أبرزها الهجوم واسع النطاق في آذار 2025 الذي رافقه تحريض إعلامي ودعوات من منابر مساجد في إدلب وحلب وحماة وغيرها من المدن السورية، للمشاركة فيه.

ورغم المطالبات المتكررة من شخصيات ووجهاء علويين بإيجاد مرجعية مدنية وسياسية تتواصل مع الحكومة، إلا أن تلك المساعي قوبلت بالتجاهل. وفي شباط 2025 تأسس "المجلس الإسلامي العلوي في سورية والمهجر" كإطار ديني–سياسي يضم مجالس وهيئات مختلفة. كما دعا رئيس المجلس الشيخ غزال غزال إلى احتجاجات عقب أحداث حمص الأخيرة، مطالباً بتمثيل فعلي وضمانات لعدم استهداف الطائفة.

إلى جانب ذلك، تم الإعلان في آب عن "المجلس السياسي لوسط وغرب سوريا"، إلا أن نشاطه بقي محدوداً ولم ينجح في تشكيل تأثير فعلي على الأرض.

السويداء: تهميش رسمي يقابله تنظيم داخلي متصاعد

في السويداء، أدت السياسة الحكومية إلى إقصاء القوى المحلية التي لعبت دوراً أساسياً في حماية المحافظة من هجمات داعش طيلة سنوات، رغم محاولات تلك القوى الاندماج في مؤسسات الدولة عبر التعاون مع المحافظ وتفعيل المؤسسات المدنية.

غير أن الحكومة الانتقالية اتجهت خلال عام 2025 إلى تعزيز خطاب التحريض ضد المكون الدرزي داخل السويداء وخارجها، ما انعكس في هجمات طالت أحياء درزية في ريف دمشق ثم في هجوم تموز 2025 على السويداء وريفها تحت غطاء عشائر محلية، والذي أسفر عن مئات الضحايا.

وفي مواجهة ذلك، شكّلت "اللجنة القانونية العليا" في السويداء مكتباً تنفيذياً مؤقتاً لتسيير الشؤون الخدمية والأمنية، وأطلقت لجاناً للإغاثة وتقصّي الانتهاكات، بينما أعلنت فصائل محلية اندماجها تحت لواء "الحرس الوطني" في خطوة لتنظيم الجهود تحت قيادة دينية – اجتماعية موحدة، يقودها حكمت الهجري.

شمال وشرق سوريا.. مواجهة سياسية وإدارة مستقلة تواصل مسارها

لم تكن منطقة شمال وشرق سوريا بمنأى عن التحريض الإعلامي والسياسي الذي روجته الحكومة الانتقالية، حيث اتُّهِمت الإدارة الذاتية بالسعي إلى التقسيم وبالارتباط الخارجي. إلا أن الإدارة اعتمدت على عقدها الاجتماعي المحدث وتوجهاتها المدنية لاحتواء التوترات الداخلية.

وفي آذار 2025، وقعت الإدارة الذاتية اتفاقاً مع الحكومة الانتقالية برعاية دولية بهدف دمج المؤسسات الإدارية والعسكرية والاقتصادية، لكنه لم ينفذ بالكامل بسبب مماطلة الحكومة، وفق ممثلي شمال وشرق سوريا، وبشكل أكبر جراء التدخل التركي.

كما أعلنت القوى السياسية الكردية رؤيتها المشتركة خلال مؤتمر "وحدة الموقف والصف الكردي"، فيما استضافت الحسكة مؤتمر المكونات السورية في آب لتعزيز الحوار بين مختلف الأطراف، وهو ما أثار رفض الحكومة.

على الأرض، نفذت الإدارة خطوات لافتة عبر إرسال مساعدات إلى السويداء بعد الهجمات الأخيرة، وإلى الساحل السوري خلال موجة الحرائق، في مؤشر على رغبتها في لعب دور وطني يتجاوز المناطق التي تديرها.

وعلى الرغم من هذه المساعي والتهويل الإعلامي والسياسي من قبل الحكومة الانتقالية ومواليها إلا أن شعوب شمال وشرق سوريا أكدوا التزامهم بتطبيق اتفاق 10 آذار، دون أن يمس ذلك المكتسبات التي تحققت في المنطقة، وأن سوريا لن تعود إلى ما قبل 2011.

المشهد السوري بين احتمالات التصعيد أو التهدئة

وبينما يبقى المشهد السوري مفتوحاً على احتمالات التصعيد أو التهدئة، تشير الوقائع إلى أنّ غياب دور حكومي جامع يشكل واحدة من أبرز العقبات أمام استقرار المجتمع السوري وإعادة بناء الثقة بين مكوناته.

(أم)

ANHA