أكثر من عقدين على سقوط صدام والعراق يواجه إرث الانقسامات والتدخلات

تحتاج العراق رغم أكثر من عقدين على سقوط نظام صدام حسين، لمصالحة وطنية شاملة وحكماً تشاركياً يضمن حقوق جميع المكوّنات، وهو ما تتقاطع معه أفكار القائد عبد الله أوجلان حول "السلام والمجتمع الديمقراطي" القائمة على التعايش والعدالة الاجتماعية واللامركزية كمدخل لبناء استقرار دائم.

أكثر من عقدين على سقوط صدام والعراق يواجه إرث الانقسامات والتدخلات
الخميس 9 نيسان, 2026   07:35
مركز الأخبار

يصادف اليوم، 9 نيسان، ذكرى سقوط النظام البعثي في العراق ودخول القوات الأميركية إلى بغداد عام 2003، بعد حكم صدام حسين الذي استمر منذ عام 1979 لما يقارب 24 عاماً، وفتح صفحة جديدة في تاريخ العراق الراهن، لكنها بالرغم من ذلك مليئة بالتحديات السياسية والاجتماعية والصراعات بين المكوّنات.

بداية الحرب على العراق ونهايتها

في 20 آذار 2003، شنّت قوة تحالف بقيادة الولايات المتحدة حرباً على العراق بزعم امتلاك النظام السابق أسلحة دمار شامل وارتباطه بتنظيمات إرهابية، وهي مزاعم لم تثبتها الأمم المتحدة لاحقاً.

تقدّمت القوات بسرعة حتى وصلت إلى بغداد في 9 نيسان 2003، حيث دخلت العاصمة عشية سقوط النظام. وفي 13 كانون الأول من العام نفسه، اعتُقل صدام حسين، قبل أن يُعدم في 30 كانون الأول 2006 بعد محاكمة قضائية.

حصيلة الحرب: عسكرية ومدنية

أسفرت الحرب على العراق منذ 20 آذار 2003 والإجراءات الأمنية اللاحقة عن مئات الآلاف من الضحايا، إذ وثقت منظمة Iraq Body Count بين 187,000 و211,000 قتيل مدني، بينما أشارت تقديرات أخرى، مثل دراسة Lancet، إلى نحو 601,000 مدني قتلوا نتيجة العنف المباشر وغير المباشر، وقد أضافت الإحصاءات الرسمية 28,600 قتيل من عناصر الأمن العراقي إلى جانب آلاف العسكريين المصابين.

مراحل ما بعد سقوط صدام

ومنذ سقوط نظام صدام حسين، استغل الفراغ الأمني ظهور عدة تنظيمات مسلحة، كان أبرزها تنظيم القاعدة في العراق تزعمها أبو مصعب الزرقاوي عام 2004، والذي نفذ هجمات عنيفة على المدنيين وأجهزة الدولة، ما أدى إلى تصاعد العنف الطائفي.

وتطور لاحقاً إلى مرتزقة "دولة العراق الإسلامية"، عام 2006 بعد اندماج عدة مجموعات مسلحة مرتزقة، قبل أن يظهر مرتزقة داعش "تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام" بين 2013 و2014، وسيطرته على مساحات واسعة من العراق وسوريا، ومستمراً عبر خلايا نائمة وهجمات متفرقة تستغل حالات عدم الاستقرار، ما زاد من تعقيد الصراع بين المكوّنات العراقية وأثر بشكل مباشر على الأمن والبنية الاجتماعية.

مسار الحكم في العراق بعد 2003

بعد سقوط النظام، جرت عدة مراحل سياسية:

سيطرة أمريكية وإدارة مؤقتة (2003–2004): سيطرت قيادة التحالف على الشأن التنفيذي في العراق، وتم حل الجيش القديم وإعادة هيكلة المؤسسات.

انتخابات تأسيسية (2005): أُجريت انتخابات لوضع دستور جديد، أقرّ في 15 تشرين الأول 2005.

تسليم السلطة تدريجياً: تسلّم العراق حكومات منتخبة منذ 2006، لكن الأداء السياسي ظل هشاً أمام ضغوط داخلية وخارجية.

الصراع بين المكوّنات والأعراق والطوائف

شهد العراق منذ 2003 استمرار التوترات والتحوّلات في العلاقات بين مكوّناته:

العرب السنة: شعر كثير منهم بالتهميش بعد أن كانوا النواة الحاكمة، فاندفعوا للانخراط في حركات مسلحة احتجاجاً على فقدان النفوذ.

العرب الشيعة: اكتسبوا حضوراً أكبر في المؤسسات بعد سقوط النظام، لكن الخلافات السياسية بينهم ظلت قائمة.

الكرد: عزّزوا سلطتهم في إقليم جنوب كردستان العراق الفيدرالي، ومارسوا دوراً أقوى في العملية السياسية المركزية، مع استمرار الخلافات حول المناطق المتنازع عليها مثل كركوك وقضاء شنكال.

المكونات الأخرى (تركمان، آشوريون، إيزيديون وغيرهم): سعوا لزيادة تمثيلهم وحماية حقوقهم الثقافية والسياسية وسط نظام طائفي قائم على المحاصصة.

استمرار الخلافات بين المتدخلين

لم تقتصر الخلافات في العراق على نزاعات داخلية فحسب، بل كانت مسرحاً لتدخلات قوى إقليمية لعبت أدواراً واضحة في السياسة والأمن.

فقد شن الاحتلال التركي هجمات منذ تلك السنوات داخل شمال العراق في مناطق مثل متينا وزاب وأفاشين‑باشيان، بزعم محاربة حزب العمال الكردستاني، ما أثر على الأمن المحلي وخلّف توترات مع بغداد وأربيل.

بينما دعمت إيران فصائل مسلحة ضمن الحشد الشعبي وميليشيات مرتبطة بها سياسياً وعسكرياً، لتعزيز نفوذها في السياسة العراقية والمناطقية، والمشاركة في هجمات ضد القوات الأجنبية، ما أسهم في استمرار حالة عدم الاستقرار.

الصراعات المستمرة والتدخلات الخارجية

ظل العراق منذ 2003 ساحة لتنافس نفوذ دولي وإقليمي:

التدخلات الإيرانية: عبر دعم ميليشيات مرتبطة بتوجيهات طهران، وتأثيرها في القرار السياسي والأمني.

الوجود الأميركي: الذي استمر لسنوات طويلة بأسلحة ومستشارين، وما زال تأثيره محسوساً في السياسة العراقية رغم الانسحاب الرسمي لمعظم القوات.

التنافس الإقليمي: بين قوى تدعم توجهات مختلفة في بغداد، ما عزّز الانقسامات السياسية والطائفية.

الاحتلال التركي: يستمر الاحتلال التركي في توسيع وجوده العسكري داخل إقليم جنوب كردستان العراق الفيدرالي، عبر إنشاء قواعد ونقاط عسكرية متعددة لدعم عملياته ضد حزب العمال الكردستاني.

وذكرت وكالة روج نيوز أنه منذ أواخر 2024 شُيّدت ست قواعد جديدة حول منطقة آميديا في دهوك، بينما أفادت تقارير أخرى أن القوات التركية أنشأت أكثر من 80 قاعدة ونقطة عسكرية في جنوب كردستان منذ بداية عملياتها، لتعمل كمواقع إطلاق وهجوم ودعم، ما يعكس اتساع الوجود العسكري التركي وتأثيره على الأمن والاستقرار في المنطقة.

واقع اليوم: بين إرث الماضي ومتطلبات المستقبل

بعد أكثر من عقدين على سقوط بغداد، ما يزال العراق يواجه تحديات جوهرية:

الفساد المؤسسي: الذي يعيق تقديم الخدمات الأساسية، حيث لا يزال الفساد المؤسسي في العراق يشكل عقبة رئيسة أمام تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، ويطال مختلف مستويات الإدارة العامة.

وفق بيانات Transparency International، يُصنف العراق من بين الدول الأعلى فساداً عالمياً، وقد صرّح الرئيس العراقي السابق بأن أكثر من 150 مليار دولار من عائدات النفط تم تهريبها أو الاستحواذ عليها بصفقات فاسدة منذ عام 2003.

وتشير تقارير محلية ودولية إلى استمرار انتشار الرشاوى والضغط السياسي على التعيينات الحكومية، ما يعرقل تقديم الخدمات الصحية والتعليمية والمياه والكهرباء، ويزيد من ضعف ثقة المواطنين بالحكومة.

الخلافات السياسية: بين الكتل الحاكمة حول تشكيل الحكومات وتوزيع المناصب

تستمر الخلافات السياسية بين الكتل الحاكمة في العراق في إعاقة استقرار العملية السياسية، لا سيما في تشكيل الحكومة وتوزيع المناصب العليا، فبعد انتخابات تشرين الثاني 2025، امتدت المفاوضات لعدة أشهر دون حسم واضح لمنصب رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء بسبب اختلاف القوى الشيعية والسنية والكردية حول المرشحين، ما أدى إلى تأجيل انتخاب الرئيس عدة مرات حتى جلسة نيسان 2026 وسط تهديدات بمقاطعة بعض الكتل البرلمانية.

كما استمرت الخلافات بين الحزبين الكرديين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني في اختيار مرشح كردي للمنصب، وسط أصوات تطالب بحل البرلمان نتيجة ما عُدّ انسداداً سياسياً يعكس عمق الانقسامات بين المكوّنات الرئيسة وعدم التوافق على تقاسم السلطات والمناصب.

حقوق المكوّنات: مطالب بالإصلاح الحقيقي للفساد وتحقيق مشاركة عادلة في السلطة وتوزيع الموارد

تواصل المكوّنات العراقية المطالبة بإصلاح حقيقي للمشاركة في السلطة وتوزيع الموارد بشكل عادل. ورغم أن دستور 2005 كفل مشاركة جميع المكونات في الحكم، إلا أن تطبيق هذا المبدأ ظل محدوداً، إذ غالباً ما تُستخدم الحصص السياسية لتحقيق مكاسب الأحزاب الكبرى بدل تمثيل حقيقي للأقليات مثل التركمان، المسيحيين، الإيزيديين والسُبّة.

وتشير تقارير خبراء إلى أن هذا النظام يضعف قدرة المكوّنات الصغيرة على التأثير في صنع القرار، ما دفعها للمطالبة بتعديلات على قانون الانتخابات وآليات توزيع الموارد لضمان مشاركة عادلة وفعالة في الحكم.

حركة المجتمع المدني: التي تطالب بالمزيد من الشفافية والعدالة الاجتماعية

برز المجتمع المدني العراقي خلال العام الأخير كمطالِب رئيسي بالشفافية والعدالة الاجتماعية، من خلال فعاليات ومسيرات احتجاجية في بغداد وأربيل والمحافظات الجنوبية. وشهد 2025–2026 تنظيم ورش وفعاليات بمناسبة اليوم الدولي لمكافحة الفساد، بمشاركة منظمات مجتمع مدني ولجان حكومية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، لتعزيز الشفافية والمساءلة ومحاسبة المسؤولين، مع التأكيد على ضرورة تحسين الخدمات الأساسية وتوزيع الموارد بشكل عادل بين جميع المكونات، ما يعكس استمرار دور المجتمع المدني في الضغط نحو إصلاح مؤسسات الدولة وتحقيق العدالة الاجتماعية.

وترى الأطراف السياسية والمثقفون العراقيون أن 9 نيسان يبقى محطة تذكر بأن تغير السلطة ليس بالضرورة ضمانة للاستقرار، وأن بناء دولة قوية يتطلّب مصالحة وطنية شاملة، واحترام حقوق جميع المكوّنات، والسيادة الوطنية بعيداً عن التدخلات الخارجية.

ويرى الخبراء والمراقبون أن إنهاء النزاع في العراق واستعادة الاستقرار الوطني يتطلب أكثر من مجرد تغيير في السلطة أو سياسات جزئية، بل ضرورة اعتماد آليات للحكم التشاركي وتعزيز التعايش السلمي بين المكوّنات المختلفة.

وفي هذا السياق، تقدم أفكار القائد عبد الله أوجلان التي أطلقها في 27 شباط العام الفائت تحت عنوان "السلام والمجتمع الديمقراطي" إطاراً عملياً يمكن البناء عليه، إذ تدعو إلى: إرساء التعايش السلمي والاحترام المتبادل بين المكونات العراقية، تطبيق العدالة الاجتماعية، تمكين المجتمعات المحلية من إدارة شؤونها بشكل لامركزي، وتوزيع السلطة والموارد بطريقة عادلة تقلل من تأثير التدخلات الخارجية.

وتُعد هذه الرؤية وفق مراقبين وساسة، بمثابة خريطة طريق نحو إنهاء الوصاية الخارجية، بناء وطن قوي تُحترم حقوق جميع المكونات، وتحقيق استقرار دائم قائم على مشاركة المواطنين في صنع القرار وإدارة شؤونهم.

(أم)