البالة والجمارك وارتفاع التكاليف ثلاثية تضغط على صناعة الألبسة في سوريا

يخلص صناعيو سوريا إلى أن إنقاذ صناعة الألبسة لا يتطلب دعماً مالياً مباشراً، بل يحتاج إلى رؤية اقتصادية متكاملة تقوم على تخفيض تكاليف الإنتاج، وإعادة تنظيم الاستيراد، وتشجيع التصدير، بما يضمن استدامة أهم الصناعات السورية وأكثرها قدرة على توفير فرص العمل وتحقيق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.

البالة والجمارك وارتفاع التكاليف ثلاثية تضغط على صناعة الألبسة في سوريا
الثلاثاء 7 تموز, 2026   05:02
حماة

تواجه ورش تصنيع الألبسة في سوريا ومن بينها مدينة حماة على سبيل المثال لا الحصر، واحدة من أصعب المراحل التي مرت بها خلال السنوات الأخيرة، مع تصاعد الضغوط الناجمة عن المنافسة المتزايدة للملابس المستوردة، ولا سيما "البالة"، وارتفاع تكاليف الإنتاج، إلى جانب الرسوم الجمركية المفروضة على المواد الأولية.

 الأمر الذي يهدد استمرارية مئات الورش وفرص العمل المرتبطة بها.

ويؤكد عاملون في القطاع الصناعي أن سياسة السوق المفتوح، في ظل غياب إجراءات تحقق التوازن بين المنتج المحلي والمستورد، أدت إلى إغراق الأسواق بملابس منخفضة السعر، يصعب على المنتج المحلي منافستها، رغم اختلاف الجودة في كثير من الأحيان.

ويقول الصناعيان منذر ارحيم ومجد سكري إن الورش تواجه اليوم تحديات مركبة، تبدأ من ارتفاع أسعار الأقمشة والخيوط والإكسسوارات المستوردة، ولا تنتهي عند تكاليف الكهرباء والمحروقات والنقل، وهو ما أدى إلى تراجع هامش الربح بشكل كبير، ودفع بعض الورش إلى تخفيض إنتاجها أو إيقاف جزء من خطوطها.

وأضافا أن الرسوم الجمركية المفروضة على مستلزمات الإنتاج تشكل عبئاً إضافياً على الصناعيين، رغم أن معظم هذه المواد لا تُنتج محلياً، مطالبين بإعادة النظر بالتعرفة الجمركية بما يميز بين المواد الأولية الداخلة في الصناعة والسلع الجاهزة المستوردة، بما يسهم في حماية الصناعة الوطنية وتعزيز قدرتها التنافسية.

فبحسب التعرفة الجمركية السورية الجديدة المعمول بها منذ بداية حزيران، تخضع العديد من الخيوط النسيجية والأقمشة المستوردة المستخدمة في صناعة الألبسة لرسوم جمركية تبلغ 10%.

 ويؤكد الصناعيون أن المشكلة لا تكمن في الرسوم وحدها، وإنما في تراكم الأعباء المرافقة لعمليات الاستيراد، مثل تكاليف الشحن والتأمين والتخليص الجمركي والنقل الداخلي، ما يرفع الكلفة النهائية للمنتج المحلي، مطالبين بإلغائها أو تخفيضها.

وتتوافق هذه المطالب مع ما طرحته خلال الأشهر الماضية لجان الصناعات النسيجية في غرفة صناعة دمشق وريفها، والتي ناقشت الآثار السلبية لرفع الرسوم الجمركية على الخيوط والأقمشة، وأكدت أن كلفة الإنتاج في سوريا أصبحت أعلى من العديد من الدول المنافسة، مطالبة بإعادة هيكلة الرسوم المفروضة على مستلزمات الإنتاج.

كما دعت غرفة صناعة دمشق وريفها في بيان سابق صدر خلال شهر شباط إلى اعتماد رسوم جمركية صفرية أو مخفضة على المواد الأولية غير المنتجة محلياً، مقابل فرض رسوم تحقق التوازن على المنتجات المستوردة الجاهزة، ورأت أن دعم مدخلات الإنتاج يمثل المدخل الأساسي لاستعادة تنافسية الصناعة السورية في الأسواق المحلية والخارجية.

وفي السياق ذاته، نقلت وسائل إعلام سورية عن عضو مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق محمد فواز العقاد، أن ما يقارب 95% من مستلزمات صناعة الألبسة في سوريا يتم استيرادها من الخارج، نتيجة عدم توفر بدائل محلية، وهو ما يجعل أي زيادة في الرسوم الجمركية أو تكاليف الاستيراد تنعكس مباشرة على أسعار المنتج النهائي وقدرته على المنافسة.

ويرى صناعيون في حماة أن استمرار دخول كميات كبيرة من الملابس المستعملة "البالة" والملابس الجاهزة المستوردة بأسعار منخفضة يخلق منافسة غير متكافئة مع المنتج المحلي، خاصة في ظل الفارق الكبير في تكاليف الإنتاج بين الورش السورية والمصانع في الدول المصدرة.

ويطالب الصناعيان منذر ارحيم ومجد سكري بإجراء مراجعة شاملة للسياسات الاقتصادية المتعلقة بالقطاع النسيجي، تشمل تخفيض الرسوم الجمركية على المواد الأولية أو إلغاءها، وتسهيل الحصول على الطاقة، وتطوير البنية اللوجستية، وتقديم حوافز تصديرية تساعد المنتج السوري على دخول الأسواق الخارجية، ولا سيما أسواق دول الجوار التي كانت تستوعب جزءاً مهماً من إنتاج الألبسة السورية.

كما شددا على ضرورة تسهيل عمليات التصدير وفتح أسواق جديدة، بما يعوض حالة الركود التي يشهدها الطلب المحلي، مؤكدين أن الصناعة السورية تمتلك خبرات متراكمة وجودة قادرة على المنافسة إذا توفرت بيئة إنتاج مناسبة.

من جهتهم، يشدد عدد من الصناعيين والحرفيين على أهمية قيام اتحادات الغرف الصناعية والحرفية والتجارية بدور أكثر فاعلية في نقل مطالب القطاع إلى الجهات الحكومية، والعمل على إيجاد حلول عملية توازن بين متطلبات تحرير التجارة وحماية الصناعات الوطنية، ولا سيما أن قطاع الألبسة يعد من أكثر القطاعات كثافة في التشغيل، ويوفر آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، بدءاً من معامل الغزل والنسيج، مروراً بالخياطة والتطريز والطباعة، وصولاً إلى تجارة الجملة والمفرق.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار ارتفاع تكاليف الإنتاج، بالتوازي مع ضعف القدرة الشرائية للمستهلك السوري، قد يؤدي إلى خروج المزيد من الورش الصغيرة والمتوسطة من السوق، ما لم تُتخذ إجراءات اقتصادية عاجلة تعالج ملف الطاقة، وتعيد النظر بالرسوم الجمركية على مستلزمات الإنتاج، وتوفر بيئة أكثر استقراراً للصناعة الوطنية.

(أم)

ANHA