حمص تواجه أزمة نفايات متصاعدة وسط مطالب بحلول مستدامة

تكشف أزمة النفايات في مدينة حمص عن تحولها من مشكلة خدمية إلى تحدٍّ بيئي وصحي يهدد السكان، في ظل تراكم القمامة وانتشار المكبات العشوائية وما تسببه من مخاطر صحية وبيئية، وسط مطالب بخطة مستدامة تشمل تحسين خدمات النظافة وتطوير البنية التحتية وإعادة التدوير للحد من تفاقم الظاهرة.

حمص تواجه أزمة نفايات متصاعدة وسط مطالب بحلول مستدامة
السبت 20 حزيران, 2026   05:45
حمص

تتحول مشكلة النفايات ومكبات القمامة العشوائية في شوارع وأحياء مدينة حمص من قضية خدمية إلى تحدٍّ بيئي وصحي يؤثر بصورة مباشرة على حياة السكان، في ظل شكاوى متزايدة من امتلاء الحاويات وتأخر ترحيل القمامة وتوسع ظاهرة المكبات المفتوحة داخل بعض المناطق السكنية ومحيطها.

ولا تقتصر تداعيات تراكم النفايات على تشويه المشهد الحضاري للمدينة، بل تمتد إلى آثار أكثر خطورة مع ارتفاع درجات الحرارة، حيث تتسبب الروائح الكريهة وانتشار الحشرات والقوارض في زيادة مخاوف الأهالي من انعكاساتها على الصحة العامة وجودة الحياة.

وفي أحد أحياء المدينة، يقول أبو محمد: "كل صباح نستيقظ على روائح كريهة تطغى على المكان. الأطفال لا يستطيعون اللعب خارج المنزل، والحشرات منتشرة بشكل كبير، حتى إن فتح النوافذ للتهوية أصبح أمراً مزعجاً".

وتُعدّ مدينة حمص ثالث أكبر المدن السورية من حيث عدد السكان، ويُقدَّر عدد سكانها اليوم بنحو مليون نسمة داخل المدينة وضواحيها، مع تفاوت الأرقام نتيجة موجات النزوح والعودة التي شهدتها خلال سنوات الحرب.

ويؤكد سكان في أحياء أخرى أن امتلاء الحاويات وتأخر ترحيل النفايات يدفع بعض الأهالي إلى رمي القمامة بجانبها، ما يزيد من تفاقم المشكلة ويحول بعض المواقع إلى مكبات مفتوحة.

مكبات عشوائية تهدد السكان والبيئة

وتُعد المكبات العشوائية من أبرز التحديات البيئية في محافظة حمص، إذ تنتشر في بعض المناطق السكنية والقرى المحيطة، مسببة تلوثاً للهواء والتربة والمياه.

وفي قرية السعن الأسود الواقعة بالقرب من أحد مكبات النفايات، يقول أبو زياد: "لا يفصل بين منازلنا والمكب سوى نحو 500 متر. الهواء ملوث، والروائح لا تفارق المنطقة، كما ازدادت المشكلات الصحية بين الأطفال وكبار السن".

أما في حي الوعر، فتشير أم سالم إلى مخاطر إضافية بقولها: "قبل فترة حدث اشتعال في جزء من المكب نتيجة تراكم الغازات الناتجة عن تحلل النفايات، ما أثار حالة من الخوف بين السكان".

ويحذر مختصون في الشأن البيئي من أن تراكم النفايات العضوية في مواقع غير مجهزة قد يؤدي إلى انبعاث غازات ضارة وزيادة احتمالات الحرائق، فضلاً عن توفير بيئة مناسبة لتكاثر الحشرات الناقلة للأمراض.

تحديات تواجه قطاع النظافة

ويرى خبراء البيئة أن إدارة النفايات عملية متكاملة تبدأ بجمع النفايات وفرزها ونقلها، وصولاً إلى معالجتها أو التخلص منها بطرق آمنة، إلا أن هذه المنظومة تواجه تحديات متعددة، أبرزها تزايد كميات النفايات المنتجة يومياً، والحاجة المستمرة لصيانة الآليات وتأمين الوقود والكوادر البشرية اللازمة.

كما يشتكي سكان بعض الأحياء من عدم انتظام عمليات الترحيل. ويقول سلمان سالم، أحد سكان حي الشماس: "في بعض الأحيان تتأخر شاحنات جمع النفايات لعدة أيام، فتتراكم القمامة وتتحول إلى مصدر دائم للروائح والحشرات".

ويشير مختصون إلى أن نقص البنية التحتية الخاصة بإدارة النفايات، إلى جانب انتشار بعض السلوكيات غير المسؤولة في التخلص من القمامة، يسهمان في تفاقم المشكلة.

انعكاسات على الزراعة والاقتصاد المحلي

ولا تقتصر آثار النفايات على المناطق الحضرية، بل تمتد إلى القرى والمناطق الزراعية المحيطة بحمص.

ويقول أحمد دردر أحد المزارعين في ريف المحافظة إن بعض المكبات العشوائية القريبة من الأراضي الزراعية تؤثر على البيئة المحيطة، وقد تؤدي إلى تلوث مصادر المياه المستخدمة في الري، الأمر الذي ينعكس سلباً على الإنتاج الزراعي وصحة السكان.

إعادة التدوير.. فرصة غير مستثمرة

ويؤكد خبراء البيئة أن جزءاً كبيراً من النفايات يمكن الاستفادة منه بدلاً من التخلص منه بشكل عشوائي، إذ يمكن إعادة تدوير الورق والبلاستيك والزجاج والمعادن، فيما يمكن تحويل النفايات العضوية إلى أسمدة زراعية مفيدة.

ويرى المختصون أن اعتماد برامج لفرز النفايات من المصدر وإنشاء مراكز متخصصة لإعادة التدوير من شأنه تخفيف الضغط على المكبات وتحقيق فوائد اقتصادية وبيئية في آن واحد.

الوعي المجتمعي جزء من الحل

ويرى ناشطون بيئيون أن نجاح أي خطة لإدارة النفايات يتطلب مشاركة فعالة من المجتمع المحلي، من خلال الالتزام برمي النفايات في الأماكن المخصصة، والحفاظ على نظافة الشوارع، والحد من ظاهرة التخلص العشوائي من القمامة.

كما يشددون على أهمية نشر ثقافة إعادة الاستخدام والتدوير بين الطلاب والشباب، بوصفها استثماراً طويل الأمد في بناء جيل أكثر وعياً بالقضايا البيئية.

الجهات الرسمية وجهودها المبذولة

وفي تعليق رسمي على واقع النظافة، أعلنت الجهات المعنية في حمص خلال الأشهر الماضية تنفيذ عدة إجراءات لتحسين الخدمات.

فقد أقدمت مديرية الخدمات الفنية في حمص على توزيع 400 حاوية معدنية بسعة 1100 لتر على مجلس مدينة حمص و28 وحدة إدارية في المحافظة.

وأطلق مجلس مدينة حمص أيضاً حملات دورية لتنظيف مداخل المدينة والشوارع الرئيسة ضمن إطار مبادرات خدمية تهدف إلى استعادة المظهر الجمالي وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للسكان.

بين الواقع والطموح

ورغم هذه الإجراءات، يرى سكان أن الحل لا يزال يتطلب خطة شاملة ومستدامة تشمل تطوير البنية التحتية لقطاع النظافة، وزيادة عدد الحاويات، وتحسين انتظام عمليات جمع وترحيل النفايات، وإنشاء مراكز للفرز وإعادة التدوير، إضافة إلى تشديد الرقابة على المكبات العشوائية ومنع توسعها.

(أم)

ANHA