صبري أوك يدعو إلى إصلاحات قانونية وسياسية تضمن حقوق الكرد لدعم مسار السلام

أكد عضو المجلس التنفيذي في منظومة المجتمع الكردستاني أن نجاح عملية السلام يتطلب اتخاذ خطوات عملية، في مقدمتها الاعتراف بالقائد عبد الله أوجلان مفاوضاً رئيساً، إلى جانب تنفيذ إصلاحات قانونية وسياسية تكفل الحقوق الديمقراطية للكرد. وحذر من أن غياب هذه الإجراءات من شأنه أن يعمّق حالة انعدام الثقة لدى الشارع الكردي، ويؤثر سلباً على فرص إحراز تقدم في مسار السلام.

صبري أوك يدعو إلى إصلاحات قانونية وسياسية تضمن حقوق الكرد لدعم مسار السلام
الإثنين 15 حزيران, 2026   10:55
مركز الاخبار 

تحدث عضو المجلس التنفيذي لمنظومة المجتمع الكردستاني (KCK)، صبري أوك، لصحيفة "أفينيري (Avvenire) " الإيطالية، وكان نص المقابلة كالتالي:

برأيكم، ما سبب الجمود والانسداد في عملية السلام؟

لا يوجد تعريف موحد للعملية بين الأطراف، أي بين حركتنا والدولة التركية. فقد أطلق القائد عبد الله أوجلان في ندائه بتاريخ 27 شباط 2025 عليها اسم "عملية السلام والمجتمع الديمقراطي"، أما الدولة التركية فما زالت تتحدث عن "الإرهاب"، وأحياناً تستخدم تعبير "الوحدة الوطنية والأخوة". وأقول هذا لأن وجود المشكلة نفسها لم يُعترف به بعد في عقلية الدولة التركية، كما أن اسم العملية لا يُحدد بصورة صحيحة. فالهدف الوحيد الذي تعلنه باستمرار هو نزع سلاح حركتنا، ولذلك، وبدلاً من الحديث عن السلام أو الحل، تستخدم تسمية "تركيا من دون إرهاب"، ولا شك أن هذا يُعدّ، من الناحية التاريخية، نتيجةً ومؤشراً على عقلية الإنكار ورفض الاعتراف بوجود الشعب الكردي.

هناك قضية بدأت أواخر القرن التاسع عشر، وتحولت في القرن العشرين إلى سياسة قاسية تقوم على الإبادة والإنكار، لكن نضال حركتنا على مدى 52 عاماً أوقف هذا المسار وأظهر القضية إلى العلن. وهذه هي القضية الكردية، لذلك نقول إن المطلوب هو حل القضية الكردية وتحقيق الديمقراطية في تركيا، وأود أن أوضح أن مقاربة الطرفين للعملية وللقضية متباعدة جداً، فالحقيقة أن الدولة التركية لا تُظهر مقاربة جادة ومسؤولة تجاه هذه القضية التاريخية الكبرى. لذا، لم تصل العملية إلى طريق مسدود، لكنها تواجه عقبات جسيمة، أو يمكننا القول إنها عملية تتطور بصعوبة.

من يعرقل عملية السلام؟

كان القائد عبد الله أوجلان قد أعلن منذ عام 1992 عدة مراتٍ وقف إطلاق النار بهدف حل القضية عبر الوسائل الديمقراطية والحوار. وبعد ذلك بذلت محاولات عديدة لوقف إطلاق النار، ودخلت الحركة في محاولات للحوار والتفاوض، لكن الدولة التركية كانت في كل مرةٍ ترفض جهودنا المسؤولة الرامية إلى إيجاد حل، ولم تقدم رداً إيجابياً، وخلال فترة رئاسة تورغوت أوزال وبعدها، حاول بعض الأشخاص التعامل مع القضية بطريقة أكثر عقلانية وإيجابية، إلا أنهم أُفشلوا عبر الاغتيالات والضغوط وسياسات التصفية.

أما العملية الحالية فهي تختلف إلى حد ما. وإذا عدنا إلى سؤالك، فإن الذين لا يعترفون بوجود القضية ولا يعرفونها، والذين لا يريدون دمقرطة تركيا، والذين ما زالوا منذ مئة عام يعتبرون الشعب الكردي غير موجود ولا يعترفون بحقه كشعب؛ أي الأشخاص والمؤسسات والتنظيمات والأوساط التي تحمل عقلية قومية متشددة وشوفينية، هم الذين يحاولون عرقلة العملية.

وعلى وجه الخصوص، فإن القوى الخارجة عن الأطر الطبيعية داخل الدولة وفي المجال السياسي والديمقراطي تندرج أيضاً ضمن هذه الأوساط. ولا شك أن مسؤولية القوى الدولية كبيرة كذلك، لأنها عبر مجرى التاريخ لم تعترف بالقضية الكردية، بل ساهمت في خلق المشكلة نفسها، وقسّمت كردستان وتركتها بلا وضع قانوني أو سياسي، وحتى اليوم، فهي لا تزال تتغاضى عن الدولة التركية لمصالحها الخاصة، ولا تُبدي أي نهج إيجابي لحل هذه القضية، ويمكنني القول إن هذا يشكل عقبة مهمة وأساسية أمام حلّ المشكلة ودفع العملية إلى الأمام.

* كيف كانت حياة رفاقكم خلال عملية وقف إطلاق النار العام الماضي؟ ما شعورهم حيال هذا المثال للسلام؟ وهل يثق الكرد بأنقرة؟

لقد سار جميع رفاقنا وقواتنا، بإيمان راسخ بنضالهم وإرادتهم الحرة وبالقائد عبد الله أوجلان، على نهج منظم ومنضبط في هذه العملية، دون أن يبالغوا في التوقعات أو يفقدوا الثقة بالعملية. وعلى الرغم من التجارب السلبية السابقة لعمليات الحوار ووقف إطلاق النار، فإن ذلك لا يعني فقدان الثقة بالمبادرة الحالية التي أطلقها القائد آبو.

أما الشعب الكردي، فإنه يثق بالقائد آبو ويؤيده بقوة، لكنه لا يثق بالدولة التركية أو بأنقرة، لأن الحكومة التركية لم تبد خطوات عملية وجدية لدفع العملية إلى الأمام، وهو ما يثير الشكوك ويعمق حالة عدم الثقة.

* ما موقفكم من "الحق في الأمل" للقائد عبد الله أوجلان والسجناء السياسيين الكرد؟

وصفت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان السجن المؤبد دون إمكانية مراجعة أو إطلاق سراح محتمل انتهاكاً لحقوق الإنسان. وتتحمل تركيا، بصفتها عضواً في مجلس أوروبا، مسؤولية تنفيذ قرارات المحكمة، كما أن لجنة وزراء مجلس أوروبا طالبت تركيا بإجراء تعديلات قانونية تضمن ما يسمى "حق الأمل" ومنحتها مهلة حتى حزيران 2026.

إلا أن السلطات التركية تتعامل مع الموضوع من جوانب سياسية لا قانونية، وأن النضال القانوني والسياسي والاجتماعي من أجل هذا الحق سيستمر في تركيا وكردستان وأوروبا.

* ما النقاط التي يجب أن تتضمنها اتفاقية عملية السلام حتى يقبلها حزب العمال الكردستاني؟

إن الشرط الأساسي هو الاعتراف بالقائد عبد الله أوجلان كمفاوض رئيس من قبل الدولة التركية، ومنحه الظروف التي تمكّنه من أداء هذا الدور بحرية. كما يجب توفير إطار قانوني شامل وضمانات سياسية وقانونية للعمل السياسي الديمقراطي.

ويجب أن يكون حل القضية الكردية داخل حدود تركيا قائماً على الديمقراطية والاعتراف بالهوية والحقوق الكردية، كما نؤكد أن التخلي عن سياسات الإنكار والإقصاء هو الطريق نحو دمقرطة تركيا.

* كيف تنظرون إلى التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط؟

يعيش الشرق الأوسط مرحلة إعادة تشكيل عميقة نتيجة صراعات تاريخية وتدخلات القوى الكبرى. ويتعرض النظام السياسي الذي تأسس في القرن العشرين للتفكك، بينما يجري السعي إلى بناء نظام جديد للقرن الحادي والعشرين.

ويكمن الحل في مشروع "الكونفدرالية الديمقراطية" الذي طرحه القائد عبد الله أوجلان، والقائم على مبادئ التعايش والديمقراطية والتعددية، لا في نموذج الدولة القومية التقليدية أو المشاريع القومية والدينية الضيقة.

* كيف تقيّمون أوضاع الكرد في روج آفا وشرق كردستان؟

يذكر أنه في روج آفا خيض نضال لا مثيل له ضد داعش الإرهابي والفاشي، بقيادة النساء وبتقديم تضحيات عظيمة، وقد اكتسبت بطولة المرأة الكردية خلال هذه المقاومة أهمية تاريخية خاصة. وفي هذه المقاومة، شارك الكرد والعرب والسريان وشعوب أخرى جنباً إلى جنب، وحققوا إنجازات كبيرة.

وخلال تلك المرحلة، تعاونت الولايات المتحدة الأمريكية وقوات التحالف الدولي المناهضة لداعش مع الكرد، وكان لذلك أهمية كبيرة بلا شك، إلا أن موقف الولايات المتحدة وقوات التحالف تجاه الكرد تغيّر بشكلٍ ملحوظٍ بعد هزيمة داعش. فقد ركزت الولايات المتحدة وأوروبا اهتمامهما على دمشق، بينما ترك الكرد بمفردهم. وتراجعت إلى حدّ كبير العلاقات والصداقة والتعاون معهم، بل جرى تجاهلهم، وتركوا في مواجهة التهديدات والهجمات المحتملة من قبل الدولة التركية.

وبعد هذا التحول في سياسة الولايات المتحدة وقوات التحالف، بدأت قوات دمشق وهيئة تحرير الشام، بدعم من الدولة التركية، هجمات ضد الكرد في حي الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب، وارتكبت مجازر بحقهم. لذلك ليس مستغرباً أن يشعر الكرد بالغضب والاستياء تجاه الولايات المتحدة وقوات التحالف.

واليوم، يحاول الكرد حماية مكاسبهم بإمكاناتهم الذاتية، وهم منخرطون في عملية تفاوض واندماج مع دمشق. وسيواصلون الدفاع عن مكاسبهم وحقوقهم القومية حتى النهاية. وما ينبغي أن يحدث هو أن تقف، في البداية، القوى المدافعة عن الإنسانية وحقوق الإنسان، والدول الأوروبية، والولايات المتحدة، وجميع القوى المؤيدة للديمقراطية والحرية، إلى جانب الكرد الذين قدموا تضحيات كبيرة من أجل الإنسانية. وينبغي دعمهم ومساندتهم. فالكرد ينتظرون مثل هذا الموقف العادل، لكنهم قبل كل شيء سيواصلون حماية مكتسباتهم بقوتهم الذاتية وثقتهم بنضالهم المشروع، وسيحققون ذلك بالتأكيد.

أما فيما يتعلق بأوضاع الكرد في شرق كردستان، فأستطيع القول بإيجاز إن الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران أفرزت واقعاً جديداً في الشرق الأوسط، لا سيما في إيران. ويتعين على شعوب إيران والقوى المؤيدة للديمقراطية والحرية أن تناضل من أجل إيران ديمقراطية تعترف بمختلف الهويات والمعتقدات. فإيران مضطرة إلى أن تصبح دولة ديمقراطية.

ويبقى السؤال: هل يستطيع النظام الحالي إحداث تحوّل ديمقراطي حقيقي وعميق بهذا الحجم؟ هذا أمر محل شك، ويبدو أن احتمالاته ضعيفة جداً. ولذلك ينبغي لجميع الشعوب والمكونات الدينية والقومية أن تتحد وتناضل من أجل بناء إيران ديمقراطية.

وفي هذا السياق، يشكل الكرد قوة مؤثرة وأساسية، لكنهم لن يكونوا أداة بيد أي طرف. فالشعب الكردي، الذي تعرض مراراً للقتل والاضطهاد، يمتلك وعياً وخبرة كبيرة. وقد اجتمعت العديد من الأحزاب والتنظيمات الكردية في شرق كردستان وأعلنت وحدتها. وهم يناقشون حالياً متى وكيف ينبغي اعتماد الاستراتيجيات والتكتيكات المناسبة. وبرأيي، سيتصرفون بطريقة تضمن عدم التسرع في التحرك في توقيت غير مناسب، وفي الوقت نفسه عدم التأخر عن مواكبة التطورات والأحداث.

* أعلن عبد الله أوجلان في رسالته انتهاء استراتيجية الكفاح المسلح، ولكن إذا تعرضتم لضغوط أو هجمات جديدة، هل ستعودون إلى القتال؟

أعلن القائد عبد الله أوجلان انتهاء استراتيجية الكفاح المسلح والانتقال إلى استراتيجية السياسة الديمقراطية، وهذا تحوّل جذري في الفكر السياسي للحركة.

لكن لا يعني التخلي عن الكفاح المسلح التخلي عن حق الدفاع عن النفس. إذ حمل الشعب الكردي السلاح أساساً للدفاع عن وجوده، وهذا الحق سيبقى قائماً طالما استمرت التهديدات الوجودية ضده. وإذا لم تعد هناك سياسات إنكار أو محاولات لإبادة الوجود الكردي، فلن يكون الكفاح المسلح الخيار الأساسي، أما إذا تعرض الكرد لمحاولات إقصاء أو إبادة، فإن الدفاع عن النفس بكل الوسائل سيظل حقاً مشروعاً.

(ل م)