اختبار دستوري جديد أمام سوريا في مرحلة ما بعد الصراع على مدار عقود

يترقب السوريون ما ستفضي إليه المرحلة مع الحديث عن اقتراب انعقاد أولى جلسات البرلمان، وما إذا كان الدستور الجديد سيؤسس لعقد اجتماعي جامع يعالج إرث عقود من الإقصاء والانقسامات، أم سيعيد إنتاج المقاربات ذاتها التي أسهمت في دفع البلاد نحو واحدة من أكبر أزماتها السياسية والإنسانية.

اختبار دستوري جديد أمام سوريا في مرحلة ما بعد الصراع على مدار عقود
الأحد 7 حزيران, 2026   04:05
مركز الأخبار

في وقت يقترب البرلمان السوري (مجلس الشعب)، من عقد أولى جلساته، والمزمعة عقده في الثامن من حزيران الجاري، يتصاعد النقاش حول شكل الدولة المقبلة، وحدود التمثيل السياسي، وإمكانية صياغة دستور جديد قادر على معالجة إرث طويل من النزاعات والانقسامات التي تراكمت عبر عقود.

فالأزمة السورية لم تكن نتاج حدث منفرد أو مرحلة سياسية عابرة، بل جاءت نتيجة مسار تاريخي معقد تداخلت فيه عوامل الحكم المركزي، وضعف المشاركة السياسية، وإشكاليات الهوية الوطنية، وغياب التوافق على شكل الدولة وطبيعة علاقتها بمكوناتها المختلفة.

وبينما تتجه الأنظار إلى الدستور المرتقب بوصفه أحد أهم استحقاقات المرحلة، يطرح كثير من السوريين سؤالاً جوهرياً: هل ستتعلم سوريا من دروس دساتيرها السابقة أم ستعيد إنتاج الأسباب ذاتها التي قادت البلاد إلى الانقسام والصراع؟

جذور تاريخية للإقصاء السياسي وإعادة تشكيل الدولة

تشير المعطيات إلى أن سوريا في مرحلة ما بعد الاستقلال شهدت محاولات لبناء نظام برلماني تعددي، غير أن سلسلة الانقلابات العسكرية التي بدأت عام 1949 وأعقبتها سنوات من عدم الاستقرار السياسي أنهت تدريجياً التجربة الديمقراطية الناشئة، وحولت مركز الثقل من المؤسسات المنتخبة إلى المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية.

وهذه التحولات لم تكن مجرد تغييرات في شكل السلطة، بل شكلت نقطة انطلاق لبناء دولة شديدة المركزية، تقلصت فيها فرص المشاركة السياسية والتعددية الحزبية، وهو ما انعكس لاحقاً على طبيعة الدساتير التي منحت السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة على حساب بقية المؤسسات.

التحول البنيوي وترسيخ الدولة المركزية

مع وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963 ثم تثبيت دستور عام 1973، دخلت البلاد مرحلة جديدة اتسمت بتركيز السلطات في يد مؤسسة الرئاسة وتقييد الحياة السياسية. ويرى المؤرخون أن الدستور لم يكن مجرد وثيقة قانونية، بل إطاراً أعاد تعريف الدولة وفق رؤية سياسية وأيديولوجية محددة، عززت من مركزية القرار وأضعفت التمثيل السياسي الحقيقي.

مشيرين إلى أنه رغم هذه المقاربة فقد وفرت قدراً من الاستقرار المؤسسي في بعض المراحل، إلا أنها أدت تدريجياً إلى إغلاق المجال العام وإضعاف آليات التوازن والمساءلة، ما أسهم في تراكم الاحتقان السياسي والاجتماعي داخل قطاعات واسعة من المجتمع السوري.

الكرد وسياسات الإنكار الدستوري

من أبرز الملفات التي تستحضرها النقاشات الدستورية اليوم قضية الكرد، الذين ظلوا لعقود خارج أي اعتراف دستوري صريح بوجودهم القومي وهويتهم الثقافية.

فقد أدى الإحصاء الاستثنائي في محافظة الحسكة عام 1962 إلى تجريد عشرات الآلاف من الكرد من الجنسية السورية، فيما توسعت آثار القرار لاحقاً لتشمل مئات الآلاف من أبنائهم.

كما رافقت تلك المرحلة سياسات أخرى مثل مشروع الحزام العربي، بالإضافة إلى الإنكار عبر القيود المفروضة على اللغة والثقافة الكردية، والدفع نحو الصهر.

هذه السياسات لم تقتصر آثارها على الجوانب القانونية أو الثقافية، بل أسهمت في تعميق الفجوة بين الدولة وقطاعات واسعة من السكان في شمال وشرق سوريا، وأنتجت حالة من انعدام الثقة استمرت لعقود، حتى قبل سقوط النظام البعثي استمرت، لتتواصل مع وصول هيئة تحرير الشام للحكم، قبل ان ينتزع الكرد بعض تلك الحقوق الثقافية من رئيس الحكومة المؤقتة أحمد الشرع، تمثل بمرسوم يعتبر اللغة الكردية لغة وطنية، ويمكن تدريسها في المناطق ذات الغالبية الكردية.

أحداث دامية وصراع مفتوح مع المجتمع

لم تقتصر تداعيات بنية الدولة المركزية على المسألة الكردية، بل امتدت إلى العلاقة مع قوى سياسية واجتماعية مختلفة، حيث شهدت البلاد أحداث حماة عام 1982 التي تعد من أكثر المحطات دموية في تاريخ سوريا الحديث، كما شهدت احتجاجات قامشلو عام 2004، بل امتدت خلال العقود اللاحقة لتشمل مساحات واسعة من الحياة السياسية والعامة في البلاد.

ومع استمرار العمل بحالة الطوارئ التي فُرضت عام 1963، شهدت سوريا موجات متكررة من الاعتقالات السياسية والتضييق على الأحزاب والتيارات المعارضة، سواء كانت ذات توجهات إسلامية أو قومية أو يسارية أو ليبرالية، في ظل محدودية الهامش المتاح للعمل السياسي خارج الأطر الرسمية.

ومع وصول بشار الأسد إلى السلطة عام 2000، شهدت البلاد فترة قصيرة من الانفتاح السياسي عُرفت باسم "ربيع دمشق"، حيث برزت منتديات سياسية وثقافية طالبت بإصلاحات دستورية وتوسيع الحريات العامة وتعزيز دور المجتمع المدني.

إلا أن تلك المرحلة لم تدم طويلاً، إذ أُغلقت المنتديات السياسية وتعرض عدد من الناشطين والمثقفين البارزين للاعتقال والمحاكمة خلال عامي 2001 و2002، من بينهم النائب في البرلمان السوري السابق، رياض سيف، والنائب السابق مأمون الحمصي، والاقتصادي والأكاديمي عارف دليلة، والكاتب والناشط السياسي حبيب عيسى، والطبيب والمعارض وليد البني.

وفي حزيران 2005، أقر "المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث" مفهوم "اقتصاد السوق الاجتماعي" كبديل للسياسات الاشتراكية. لكن هذا التحول النيوليبرالي أدى عملياً إلى: ارتفاع نسبة الفقر من 30% إلى 44% خلال سنوات قليلة كما أشارت بعض المصادر. وتراجع الخدمات الأساسية ورفع الدعم، مما زاد أعباء المواطنين. وتعزيز الاحتكارات لصالح نخبة مرتبطة بالنظام (كرامي مخلوف)، واتساع الفجوة الطبقية.

وخلق أرضاً خصبة من الإحباط والاحتقان الاجتماعي، أسهم بشكل مباشر في تهيئة الظروف لانفجار 2011.

وفي المناطق ذات الغالبية الكردية، استمرت حالة التوتر المرتبطة بملفات الهوية والحقوق السياسية والثقافية. وبرز ذلك بشكل واضح خلال أحداث القامشلي في 12 آذار 2004، التي اندلعت على خلفية مواجهات في مباراة لكرة القدم قبل أن تتحول إلى احتجاجات واسعة امتدت إلى عدة مدن وبلدات في شمال وشرق سوريا. وأسفرت الأحداث عن سقوط قتلى وجرحى واعتقال المئات، لتصبح واحدة من أبرز المحطات التي عكست استمرار الإشكالات المرتبطة بالعلاقة بين الدولة والمجتمع الكردي.

ويرى سياسيون ومثقفون كرد أن مجموع تلك الأحداث عبر عقود متتالية، كشف عن وجود أزمة أعمق من مجرد خلافات سياسية ظرفية، إذ ارتبطت وفقهم، بغياب قنوات المشاركة السياسية الفاعلة، وضعف التمثيل الحقيقي لمختلف المكونات الاجتماعية والقومية، واستمرار الاعتماد على المقاربة الأمنية في إدارة الخلافات الداخلية.

وأنها أسهمت في تراكم مشاعر الإقصاء وانعدام الثقة بين شرائح واسعة من المجتمع والدولة، وهي عوامل من بين الأسباب التي مهدت لانفجار الاحتجاجات الواسعة عام 2011 وتحولها لاحقاً إلى أزمة لا تزال مستمرة حتى اليوم حتى عقب سقوط النظام البعثي، ومع الحكومة المؤقتة المتشكلة اليوم.

الحرب السورية.. الكارثة الأكبر

عندما اندلعت الاحتجاجات عام 2011، كانت البلاد تحمل في داخلها تراكمات سياسية واجتماعية تعود لعقود طويلة، وسرعان ما تحولت إلى أزمة وحرب أنهكت السوريين على مدار ما يقارب العقد والنصف، فوفق تقديرات الأمم المتحدة الاخيرة، قُتل مئات الآلاف من السوريين، وتم تهجير أكثر من 13 مليون شخص بين نازح ولاجئ، إضافةً إلى تدمير أجزاء واسعة من الجغرافيا السورية وتراجع الاقتصاد والخدمات العامة إلى مستويات غير مسبوقة، بينما لا يزال نحو 16.5 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية حتى اليوم.

كما أدت الحرب إلى خسارة الدولة السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي السورية خلال سنوات النزاع، وظهور سلطات وأجسام إدارية وعسكرية متعددة، فضلاً عن تدخلات إقليمية ودولية غير مسبوقة في الشأن السوري.

واليوم تقرأ هذه النتائج من قبل السوريين على أنها لم تكن منفصلة عن طبيعة الدولة التي تشكلت عبر العقود السابقة، بل جاءت كتعبير عن فشل متراكم في إدارة التنوع السياسي والقومي والاجتماعي داخل البلاد.

ماذا خلّفت الدساتير السورية السابقة؟

في المحصلة، وبحسب قراءات سياسية ودستورية متعددة، فإن المشكلة لم تكن في النصوص الدستورية وحدها، بل في المقاربات التي قامت عليها، والتي انعكست في:

إضعاف الحياة السياسية والتعددية الحزبية.

تهميش قطاعات ومكونات اجتماعية وقومية واسعة.

غياب الضمانات الكافية لتداول السلطة.

تحويل الخلافات السياسية إلى أزمات أمنية.

تآكل الثقة بين الدولة والمجتمع.

تصاعد النزعات الانفصالية والانقسامات المجتمعية.

اتساع التدخلات الخارجية في الشأن السوري.

انهيار أجزاء واسعة من مؤسسات الدولة خلال الحرب.

نزوح ولجوء ملايين السوريين.

خسائر بشرية واقتصادية هائلة ما تزال آثارها مستمرة حتى اليوم.

الدستور المقبل: فرصة تاريخية أم إعادة إنتاج للأزمة؟

وبناء عليه، فإن أي دستور جديد يتجاهل دروس الماضي، أو يعيد إنتاج سياسات الإقصاء والتهميش وعدم الاعتراف بالتنوع السوري، قد يفتح الباب أمام أزمات جديدة حتى وإن توقفت الحرب العسكرية.

وأن تجاهل مطالب المكونات القومية والثقافية والدينية المختلفة، ومن بينها الكرد والسريان الآشوريون والتركمان وسواهم، قد يؤدي إلى استمرار أزمة الثقة بين المركز والأطراف، ويعرقل جهود إعادة بناء الدولة والاستقرار السياسي.

في المقابل، يمكن لدستور يقوم على مبدأ المواطنة المتساوية، والاعتراف بالتعددية، وضمان المشاركة السياسية المتوازنة، والفصل بين السلطات، واحترام الحقوق والحريات العامة، أن يشكل نقطة تحول تاريخية تسمح بطي صفحة عقود من الصراع.

وبين إرث الدساتير السابقة واستحقاقات المرحلة الانتقالية، يبقى السؤال الأهم أمام السوريين اليوم: هل سيكون الدستور الجديد بداية لعقد اجتماعي جامع يعالج أسباب الانقسام التاريخية، أم مجرد نسخة جديدة من المقاربات التي قادت البلاد إلى واحدة من أكبر الكوارث السياسية والإنسانية في تاريخها الحديث؟

(أم)

ANHA