أكاديمي ينتقد توظيف أنقرة للقضية الكردية في حساباتها السياسية

انتقد أكاديمي مختص في شؤون الكرد والشرق الأوسط، سياسات السلطات التركية في التعامل مع القضية الكردية، معتبراً أنها توظف ملف عملية السلام والحوار مع الكرد ضمن حساباتها السياسية والانتخابية، أكثر من كونه توجهاً جاداً نحو معالجة جذور القضية، وسط زيادة الشكوك بشأن فرص تحقيق تسوية سياسية مستدامة.

أكاديمي ينتقد توظيف أنقرة للقضية الكردية في حساباتها السياسية
الخميس 4 حزيران, 2026   04:15
مركز الأخبار

في وقت تتصاعد فيه التحديات السياسية والاقتصادية داخل تركيا، تتزايد التساؤلات حول انعكاسات الأزمة الداخلية والحسابات الانتخابية للحكومة على مستقبل القضية الكردية وفرص استئناف عملية السلام. 

وفي هذا السياق يرى الأكاديمي في جامعة القاهرة والمختص في شؤون الكرد والشرق الأوسط، محمود زايد، أنه "لا يمكن فصل ما يحدث في تركيا حالياً عمّا تمر به المنطقة من تطورات وتداعيات خطيرة نحو شرق أوسط جديد، تعد تركيا فيه ترساً من تروس مستقبله، بعد أن انتقلت من مرحلة الدور الوظيفي إلى كونها باتت جزءاً من مسرح التغيير. وتتشابك أزمتها السياسية الحالية مع الحسابات الانتخابية المقبلة بشكل معقد مع مسار القضية الكردية، ويجعلها تتعامل مع عملية السلام التي دعا إليها أوجلان إما بوصفها مناورة تكتيكية أو ضرورة استراتيجية. فهناك أبعاد مهمة تضعها الحكومة في حساباتها تجاه التطورات الراهنة، من بينها فرضيات تعديل الدستور، والقلق بشأن المصير الانتخابي".

وأوضح أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية يسعيان إلى إيجاد صيغة دستورية وقانونية تتيح له الترشح لولاية جديدة، أو ضمان أفضلية سياسية في حال التوجه إلى انتخابات مبكرة، مشيراً إلى أن الصوت الكردي قد يكون عاملاً حاسماً في أي انتخابات أو استفتاء دستوري مقبل.

وأضاف أن التحركات الأخيرة لرئيس حزب الحركة القومية دولت بهجلي يمكن قراءتها في إطار محاولة استمالة الشارع الكردي أو تحييده على الأقل، لقطع الطريق أمام تحالفه مع المعارضة التقليدية.

وأشار زايد إلى أن "الحكومة التركية الحالية ستتاجر بملف عملية السلام كأداة لخلط الأوراق السياسية مع جبهة المعارضة مستغلة انقساماتها الحالية، ووضعها في مواجهة صعبة أمام الرأي العام التركي حول فزّاعتها «مكافحة الإرهاب مقابل التسوية السلمية» التي تشهرها وقت اللزوم".

وأكد أن "الحسابات الداخلية التركية ترتبط بشكل مباشر بالتحولات الإقليمية في سوريا والعراق، والحكومة التركية تنظر إلى أي عملية سلام داخلية كأداة لتأمين جبهتها الخارجية وضمان عدم تمدد النفوذ الكردي مسلح على حدودها الجنوبية في ظل المتغيرات الشرق أوسطية".

وحول الإجراءات المتخذة بحق القوى المعارضة لإعادة تشكيل المشهد السياسي التركي وانعكاساتها على الديمقراطية والقضية الكردية، يشير الأكاديمي محمود زايد، إلى أنه "سواء أكانت الإجراءات القضائية والأمنية الأخيرة بحق المعارضة التركية مسيسة أم لا، فالحكومة الحالية ستستغلها في خلق كيان استباقي للمشهد السياسي يتجاوز المنافسة التقليدية، ويحدد صيغة سياسية تضمن استمرارية النظام الحالي، وتأمين طموحاته الدستورية".

موضحا "لا شك أن هذا يمثل منعطفاً خطيراً على واقع ومستقبل تركيا باستبدال صناديق الاقتراع بالقرارات والأحكام القضائية لإدارة الحياة الحزبية وتكميم الحريات، وإقصاء المنافسين الأقوياء من أمثال أكرم إمام أوغلو وأوزغور أوزال".

وأضاف زايد أن هذه التطورات قد تنعكس أيضاً على مسار القضية الكردية، مرجحاً أن الحكومة تلجأ إلى تجميد عملية السلام مع الكرد بقيادة حزب المساواة والديمقراطية الشعوب (DEM) لتثبت أن خطواتها السابقة ما كانت سوى «مناورة تكتيكية» لتفكيك أي تقارب محتمل مع المعارضة التركية، وليس رغبة استراتيجية في تقديم تنازلات حقوقية أو دستورية ملموسة، مما يؤدى إلى فقدان نسبة الثقة التي بادر وقدمها الكرد، وربما يستأنف النضال والكفاح المسلح مرة أخرى وفق المستجدات الإقليمية والدولية.

ويوجه زايد انتقادات لسياسات حزب العدالة والتنمية في التعامل مع الملف الكردي، معتبراً أنها من " وجهة نظري أن حزب العدالة والتنمية يتعامل مع الملف الكردي ببرجماتية بحته دون الالتفات إلى أي حقوق منتزعة ومنهوبة لعقود، وبالتالي تأرجحت سياسته تجاه القضية الكردية بين الانفتاح التكتيكي والتشدد الأمني، وهناك مظاهر تبرهن على ذلك ويستشهد ذلك بعزل رؤساء بلديات منتخبين في المناطق الكردية وتعيين أوصياء حكوميين مكانهم".

متابعاً: "بالإضافة إلى المماطلة في التجاوب مع مبادرة أوجلان للسلام وغياب التحرك القانوني الداعم لها، إذ ركزت الحكومة على مبادرات رمزية أو خطابات سياسية (مثل دعوة دولت بهجلي لأوجلان) دون تقديم حزمة إصلاحات تشريعية أو دستورية ملموسة تضمن ضمان الهوية والذاتية، والحقوق الثقافية واللغوية، وتعزز اللامركزية. أي إن مساعي الحكومة لا تعني الاعتراف بالهوية الجماعية للكرد، بل تهدف فقط إلى «تفكيك السلاح»، وتأمين الاستقرار الأمني دون إحداث تغيير ديموقراطي أو دستوري هيكلي في طبيعة الدولة المركزية".

التشدد الأمني يضعف فرص الحل السياسي للقضية الكردية

ومن أبرز الانتقادات الموجهة لسياسات حزب العدالة والتنمية، بحسب الأكاديمي والمختص في الشؤون الكردية محمود زايد، اعتماد الحكومة على المقاربة الأمنية والعسكرية في التعامل مع الملف الكردي، سواء داخل تركيا أو خارجها.

ويشير إلى أن السلطات تواصل ملاحقة سياسيين وصحفيين كرد بتهم مرتبطة ب ـ "الإرهاب"، يصفها بأنها فضفاضة، الأمر الذي يحدّ من مساحة العمل السياسي والمدني ويضيّق المجال العام أمام التعبير السلمي عن المطالب والحقوق الكردية.

ومن الانتقادات الشديدة أيضاً يوضح الأكاديمي والمختص في الشؤون الكردية، أن التعامل الأمني الصارم باعتماد حكومة العدالة والتنمية على الأدوات الأمنية والعسكرية المفرطة داخلياً وخارجياً، وملاحقة السياسيين والصحفيين الكرد بتهم فضفاضة تتعلق بزعم "الإرهاب"، مما يغلق المجال العام أمام التعبير السلمي.

وبشأن تأثير الأزمات السياسية والاقتصادية، يرى زايد أنها دفعت الحكومة إلى تبني مزيد من التشدد وفق مقاربة براغماتية تجمع بين التصعيد الأمني والمناورة السياسية تبعاً لمقتضيات المرحلة.

 ويرى أن السلطات تلجأ، في ظل التحديات الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم، إلى تعزيز الخطاب القومي وإبراز المخاوف الأمنية، في محاولة لحشد التأييد الشعبي وصرف الأنظار عن الضغوط المعيشية والاقتصادية.

وبشأن العلاقة بين التطورات الداخلية والسياسة التركية في شمال وشرق سوريا، يؤكد زايد: "لا أبالغ إذا قلت إن روج افا بالنسبة لحكومة العدالة والتنمية هي بمثابة الشماعة التي تعلق عليها إخفاقاتها أمام الرأي العام التركي، أو إنها ساحة صدى للصراعات الداخلية في تركيا".

وأضاف: "بصورة أوضح، إن السياسة الخارجية التركية في هذا الملف هي امتداد مباشر للحسابات الأمنية والانتخابية الداخلية، من خلال تصدير إخفاقاتها، واستغلال ورقة اللاجئين، وترويج ملف ادعائها بالارتباط العضوي بين حزب العمال الكردستاني والإدارة الذاتية؛ فكلما تفاقمت أزماتها السياسية أو الاقتصادية في الداخل، تلجأ إلى تصدير الأزمة عبر بوابة الشمال السوري، إما بعمليات عسكرية تدميرية لبعض مناطق روج افا، أو التهديد بمثل هذه العمليات واحتلال أراضي كردية تحت دعوى خلق «منطقة آمنة»؛ وذلك ليس لإسكات الرأي العام التركي فحسب، وإنما لإلزامه أيضاً بالالتفاف حول الراية الوطنية، وتأجيل النقاشات الداخلية حول الإخفاقات الاقتصادية تحت شعار وفزّاعة ما تدعيه الحكومة التركية بـ «الأمن القومي ومحاربة الإرهاب»".

ويضيف أن حالة الاستقطاب السياسي في الداخل التركي تنطلق من "ملفين كبيرين معقدين، الأول: مستقبل العلاقة الدستورية مع الكرد. والآخر: الديناميكيات الميدانية والسياسية المتسارعة في سوريا تحت قيادة حكومتها المؤقتة، وخطورة ذلك في تحويل الملف الكردي من قضية حقوقية بنيوية إلى مجرد مناورة أو تكتيك انتخابي، وهو ما يؤدي إلى تعاظم جسر اللا ثقة واستحالة الحل الجذري بالحوار السلمي، وهذا يجعل علاقة الحكومة بالقوى الكردية محكومة بـ «إدارة الأزمة» استغلالاً لها لا حلها."

ويتابع أن التطورات الميدانية الأخيرة في سوريا، بما في ذلك التفاهمات والتحولات الجارية في مناطق شمال وشرق البلاد، أوجدت واقعاً جديداً تتعامل معه أنقرة بحذر، مع إبقاء خيار التدخل العسكري مطروحاً كلما اقتضت حساباتها السياسية الداخلية ذلك.

ويرى زايد أن تركيا ما تزال متمسكة بهدف الحد من نفوذ الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا وتعزيز حضورها في المناطق التي تصفها بـ "الآمنة"، سواء في إطار اعتبارات أمنية أو ضمن مساعيها لمعالجة الضغوط السياسية المرتبطة بملف اللاجئين، فضلاً عن سعيها لمنع أي تواصل جغرافي بين المناطق الكردية في سوريا وتركيا.

ثلاثة سيناريوهات لمستقبل القضية الكردية في تركيا

وعن مستقبل القضية الكردية في ظل التطورات الحالية يشير الأكاديمي والمختص في شؤون الكرد وشرق الأوسط: "منذ أعلن السيد أوجلان عن مبادرته للسلام وكرد تركيا يقدمون بلا مقابل من جانب الحكومة التركية، يسميه البعض مماطلة ولكني أعتقد أنه تكتيك براجماتي كما أوضحتُ. ومستقبل القضية الكردية في تركيا في ظل التطورات الحالية المتسارعة والمتقاطعة لايزال يتأرجح بين طموحات تسوية تاريخية وعقبات الواقع السياسي المعقد. فرغم الإعلانات التاريخية المتبادلة ونداءات نزع السلاح التي أشرنا إليها، إلا أن المشهد دخل حالة من «التجميد الفعلي» بسبب غياب الإصلاحات القانونية، واستمرارية الملاحقات القضائية التي طالت حتى المعارضة التركية الرئيسية كحزب الشعب الجمهوري".

ويطرح الأكاديمي والدكتور في جامعة القاهرة بمصر والمختص في الشؤون الكردية والشرق الأوسط محمود زايد، ثلاث سيناريوهات متوقعة للمرحلة المقبلة وهي:

"الأول: سيناريو استمرارية جمود القضية ومحاولات إدارة الأزمة: يعني بقاء مسار السلام معلقاً أو مجمداً، دون انهيار كامل ودون انتقال إلى تقنين أو تشريع في البرلمان. أي تستمر القضية على وضعها الحالي.

الثاني: سيناريو الانتكاسة والعودة إلى التصعيد الشامل: بانهيار التفاهمات الضمنية تماماً، والعودة إلى المربع الأمني المعتاد، وذلك في حالتين، الأولى: إذا شعر المسؤولون الكرد في تركيا بإحباط ويأس من وعود الإصلاح الحكومية (التي تبددت مهلها الزمنية). والأخرى: إذا رأت الحكومة أن الورقة الكردية لم تعد تحقق لها مكاسبها الدستورية أو الانتخابية مما يدفعها مجددا إلى الاتجار بالتصعيد العسكري في الداخل أو عبر الحدود.

الثالث: الاتجاه إلى صفقة وتسوية دستورية كبرى، وهو سيناريو تفاؤلي نسب تحققه ضعيفة، وذلك في حال استئناف عملية السلام وتفعيلها عبر تشريع حزمة إصلاحات قانونية تتضمن إدماج المقاتلين الذين يلقون السلاح، والاعتراف بحقوق ثقافية معينة، مقابل دعم كردي حاسم للتعديلات الدستورية العادلة أو التي تطلبها الحكومة، ويصطدم هذا السيناريو بالرفض القومي الصارم داخل تحالف الحكومة، وبأزمة الثقة العميقة الناتجة عن الحملة القضائية الأخيرة ضد القوى الديمقراطية والمعارضة في تركيا".

وفي تقييمه لنتائج الانتخابات المقبلة، يقول زايد إنه "لا يتوقع مقاربة إيجابيّة ملموسة في الانتخابات المقبلة؛ فإذا أفرزت تكرار هيمنة النظام الحالي، فستظل القضية الكردية مجرد أداة تكتيكية تهندس الحكومة بها المشهد مسبقاً، عبر عزل الخصوم الأقوياء مثل أكرم إمام أوغلو، واستمرار اعتقال أوجلان، وتفتيت أي تحالف بين الكرد والمعارضة التركية، مما يعني استمرار التعقيد وغياب الحل الجذري".

ويضيف أنه إذا أفرزت الانتخابات المقبلة صعوداً للمعارضة التقليدية، فربما "تكون هناك مقاربة في إطار مؤسسي تعددي ديمقراطي مؤقت، خاصة أن حزب (DEM) أظهر تضامناً مع قادة المعارضة ضد القرارات القضائية الأخيرة. لكنه يشير إلى أن إرث القومية التركية داخل هذه الأحزاب سيجعل تقديم تنازلات بنيوية، كاللامركزية، أمراً معقداً ومحفوفاً بالدواعي الأمنية والشوفينية، حتى في حال وصول المعارضة إلى السلطة".

ويختتم زايد حديثه بالقول إن كل ما ذهب إليه لا ينفك عن التطورات المتلاحقة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط، مؤكداً أن مستقبل المنطقة لن يكون كما كان قبل الحرب الروسية الأوكرانية والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، في ظل المعادلات الجديدة التي تفرضها القوى الكبرى في العالم. ويرى أن مساحة الكرد في الوضع الجديد ستكون بقدر ما يملكونه من أوراق وتفاهمات.

د. محمود زايد – أستاذ جامعي مصري متخصص في شؤون الكرد والشرق أوسط

(م ح/ أم)

ANHA