لماذا لا يتمكّن محافظ الحسكة من لعب دوره كأعلى سلطة تنفيذية؟

يمكن لمحافظ الحسكة، وفق الصلاحيات النظرية المقررة له في إطار التشريعات الناظمة للإدارة المحلية، أن يؤدي دوراً محورياً من الناحيتين الإدارية والتنفيذية، إلا أن هذا الدور لا يزال بعيد المنال وفق المعطيات على الأرض. لماذا لا يتمكّن محافظ الحسكة من أداء دوره كأعلى سلطة تنفيذية؟

لماذا لا يتمكّن محافظ الحسكة من لعب دوره كأعلى سلطة تنفيذية؟
الأحد 17 مايو, 2026   02:30
مركز الأخبار

تتألّف سوريا من الناحية الإدارية من 14 محافظة، يحكم كلّ منها جهاز إداري يقوده المحافظ، وهو أعلى مسؤول تنفيذي في المحافظة، مكلف بتمثيل السلطة المركزية وإدارة شؤونها التنفيذية والخدمية.

وفق القوانين التنظيمية وإجراءات نظام الإدارة المحلية في الحكومة، يمتلك المحافظ صلاحيات تنفيذية واسعة تشمل الإشراف العام على العمل الحكومي داخل المحافظة، والمشاركة في ترشيح وتنسيق تعيين رؤساء المناطق والنواحي ومديري المديريات التابعة بالوزارات، بما يسهم في تنفيذ الخطط التنموية وضمان تقديم الخدمات للمواطنين.

وبعد 29 كانون الثاني الماضي جرى التوافق على تعيين المحافظ الجديد لمحافظة الحسكة، نور الدين أحمد، وذلك في إطار الاتفاق المبرم بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة المؤقتة في سوريا، والتي نصّت على أن يكون تعيين المحافظ من قبل قوات سوريا الديمقراطية، بمرسوم يُعتمد من قبل السلطة المركزية.

ورغم تولي المحافظ مهامه بعد صدور مرسوم عن رئيس الحكومة المؤقتة خلال يوم عطلة رسمية للمؤسسات الإدارية (يوم الجمعة) بتاريخ 13 شباط من العام الجاري، إلا أنه لم يتمكن حتى الآن من ممارسة دوره التنفيذي بالشكل الذي يمارسه المحافظون في باقي المحافظات السورية، وفق ما رصدته وكالتنا على مدار الأشهر الثلاثة الماضية.

مهام وصلاحيات المحافظ وفق أحكام الإدارة المحلية

بموجب التشريعات الخاصة بالإدارة المحلية، يُعدّ المحافظ: ممثلاً للسلطة المركزية في المحافظة، ومسؤولاً عن تنفيذ السياسات الحكومية على الأرض. ورئيساً للهيئات التنفيذية المحلية، وله دور محوري في تنظيم العمل بين المديريات الحكومية داخل المحافظة، وشريكاً مؤثراً في اقتراح وتنسيق تعيينات رؤساء المناطق والنواحي، حيث يقوم برفع المقترحات والتوصيات للجهات المختصة، ويتابع تنفيذها بالتنسيق مع الوزارات ذات العلاقة.

كما يتولى مسؤولية التنسيق بين مختلف المديريات التابعة للوزارات داخل حدود المحافظة، مثل: التربية والصحة والتموين والزراعة وغيرها، بما يضمن توافق الأداء الحكومي مع احتياجات السكان.

هذه المهام والصلاحيات تم توضيحها في نصوص النظام الداخلي لإدارة المحافظات، وكذلك في قرارات وزارة الإدارة المحلية التي جاءت بعد سقوط النظام البعثي، بهدف ما وصف في تلك الأحكام "تعزيز دور المحافظ في الإدارة المحلية واللامركزية".

محافظة الحسكة جغرافياً وإدارياً

تتكوّن محافظة الحسكة جغرافياً وإدارياً من عدة وحدات: "مناطق، ونواحي، وبلدات وقرى".

مناطق رئيسية: وهي وحدات إدارية أكبر، وعددها 5 مناطق: "الحسكة، قامشلو، ديرك، سري كانيه، الشدادي".

وتضم هذه المناطق نواحي تُعد وحدات إدارية أصغر، تخضع للتقسيمات الإدارية للمحافظة، وتتوزع جغرافياً بحسب الكثافة السكانية والاحتياجات الخدمية، ويبلغ عددها في محافظة الحسكة 19 ناحية.

وتُسيَّر شؤون المحافظة عبر مديريات مرتبطة بالوزارات المركزية، مثل مديرية التربية ومديرية الصحة ومديرية الزراعة وغيرها، والتي تعمل نظرياً ضمن إطار خطط الوزارات وتحت إشراف وتنسيق المحافظة، بما يضمن تنفيذ السياسات على أرض الواقع.

الواقع في الحسكة.. تقييد لدور المحافظ

ورغم ما يتمتع به المحافظ من مهام وصلاحيات مؤثرة في بقية المحافظات السورية، يواجه محافظ الحسكة منذ تعيينه قيوداً على ممارسة هذه المهام والدور، لا سيما فيما يتعلق بتعيين مديري المناطق والنواحي والمديريات التابعة للوزارات.

ورصدت وكالتنا أمثلة على ذلك، منها تعيين مدير منطقة سري كانيه، وتكرار الأمر نفسه في منطقة الشدادي وريفها، إضافة إلى افتتاح معبر تل كوجر دون حضور المحافظ، وغياب ظهوره في منطقتي سري كانيه والشدادي خلال الفعاليات الرسمية.

كما رصدت وكالتنا أن تعيين بعض مديري المديريات التابعة للوزارات، مثل مدير الصحة، جرى دون أن يمارس المحافظ دوره التقييمي أو التوجيهي في صياغة الترشيحات أو مراجعة الأداء.

الأسباب المطروحة وقرائنها

وفق مصادر مطلعة على مجريات تنفيذ بنود اتفاقية الـ 29 من كانون الثاني بين قوات سوريا الديمقراطية والجهات الحكومية المعنية بتنفيذ الاتفاق، فإن هذه المعطيات تُعزى إلى تفاهمات سياسية غير معلنة مرتبطة بالواقع الأمني والإداري في المنطقة، حيث تشير المصادر إلى أن الحكومة واللجان المختصة بملف الاندماج التابعة لها هي التي تعتمد هذا النهج في إدارة بعض الملفات، عبر إبقاء جزء من القرارات خارج الإطار التقليدي لصلاحيات المحافظ المعمول بها في باقي المحافظات السورية.

وبحسب المصادر نفسها، فإن عدداً من الإجراءات الإدارية يُربط بالظروف الميدانية والتطورات على الأرض، وهو ما يُستخدم لتبرير عدم اعتماد بعض المقترحات التي يرفعها المحافظ، أو لتقليص مساحة دوره التنفيذي مقارنة بما هو معمول به في المحافظات الأخرى.

وأشارت بعض المصادر داخل المديريات إلى أن بعض المديريات تتواصل مباشرة مع الوزارة، دون اعتماد التنسيق مع لجان المحافظة المعنية بالتنسيق بين المديريات.

كما تؤكد المصادر أن هذا النمط من الإدارة يعود إلى ربط بعض الملفات الإدارية باعتبارات سياسية وإجرائية تتولاها اللجان المعنية بملف الاندماج والمكلّفة من الحكومة، ومن بينها ما شهده ملف القضاء وفتح المعابر، الأمر الذي شكّل عائقاً أمام استكمال إجراءات إدارية أخرى ضمن مؤسسات وملفات مختلفة، ما انعكس على مستوى التنسيق الإداري وحدود الصلاحيات الممنوحة فعلياً داخل المحافظة.

مقارنة مع المحافظات الأخرى

فيما في محافظات مثل إدلب وحماة وحلب ودمشق، يمارس المحافظون مهامهم بشكل واسع، من اقتراح وتنسيق تعيينات رؤساء المناطق والنواحي، إلى التنسيق مع الوزارات لتنفيذ خطط التنمية والخدمات. وتُعد هذه الإجراءات جزءاً من الآليات التنظيمية المعتمدة في نظام الإدارة المحلية السورية.

أما في الحسكة، فإن استمرار تجاوز دور المحافظ في هذه الملفات يثير تساؤلات حول آثار ذلك على فعالية الإدارة الخدمية في المحافظة وقدرتها على تحقيق التناغم المؤسسي المطلوب بين الأجهزة التنفيذية والقرارات المركزية.

(أم)

ANHA