باحثة مصرية: تقاعس تركيا عن مبادرة أوجلان يعرقل مسار السلام

ترى الباحثة فريناز عطية أن تقاعس تركيا في اتخاذ خطوات مقابل مبادرة القائد عبد الله أوجلان تدفع لتعثر مسار السلام، مستفيدةً من التوترات الإقليمية والدولية لكسب الوقت وتعزيز هيمنتها على الكرد. وتؤكد أن على أنقرة إبداء حسن النية عبر الإفراج عنه، إلى جانب إصلاحات دستورية تضمن الاعتراف بالحقوق الثقافية والسياسية للكرد.

باحثة مصرية: تقاعس تركيا عن مبادرة أوجلان يعرقل مسار السلام
الجمعة 15 مايو, 2026   02:30
مركز الأخبار

في ظل تعثّر مسار "السلام والمجتمع الديمقراطي" في تركيا، وتزايد التساؤلات حول مستقبل الحل السياسي للقضية الكردية، أجرت وكالتنا لقاءً مع الباحثة المصرية فريناز عطية، لقراءتها لأسباب الجمود الراهن ودلالات "الحق في الأمل" وفرص استئناف الحوار بين أنقرة والكرد.

ترى الدكتورة في العلوم السياسية والباحثة المصرية فريناز عطية، أن حصول عبد الله أوجلان على "الحق في الأمل" يعد أمراً مهماً جداً ونقطة أساسية لاستئناف عملية السلام في الشرق الأوسط، وليس فقط في تركيا وجارتها سوريا، على اعتباره يمثل رمزاً للقضية الكردية ومخاطبها الرئيسي.

وأضافت أن الإفراج عنه ضرورة، خاصة أنه أطلق مبادرة ودعا الكرد إلى الالتزام بها لتعزيز الأخوة والسلام بينهم وبين تركيا، إلا أن أنقرة لم تقدم أي خطوة في المقابل، ولم تقم حتى بالإفراج عنه، رغم عدم وجود مبرر لاستمرار اعتقاله أو فرض العزلة عليه، لا من الناحية السياسية ولا القانونية.

وأشارت إلى أن المبررات السياسية التي كانت قائمة سابقاً مرتبطة بالنزاع بين تركيا وحزب العمال الكردستاني والوجود المسلح في بعض المناطق، إلا أن هذه النقاط انتهت مع المبادرة التي أعلنها خلال شباط العام الفائت، والتي تضمنت تخلي الكرد عن العمل المسلح مقابل السلام والاستجابة لنداء الأخوة.

وترى أن عدم تجاوب تركيا مع هذه المبادرة يمثل تقاعساً يثير تساؤلات وشكوكاً حول مدى وجود إرادة سياسية حقيقية لدى الدولة التركية للتعامل مع الكرد على قدم المساواة واحترام حقوقهم وثقافتهم كمواطنين.

وتؤكد أن تحقيق الحرية الجسدية للقائد عبد الله أوجلان سيكون خطوة جوهرية لتعزيز فرص السلام والحل الديمقراطي، لأنه يشكل تثبيتاً عملياً للمبادرة التي أطلقها والتي هدفت إلى فتح مسار جديد بين تركيا والكرد.

وتوضح أن هذه الخطوة ستعكس حسن نية من الجانب التركي، وتؤدي إلى تتويج عملية السلام، بينما يؤدي التقاعس عنها إلى إعطاء انطباع سلبي وسوء نية، ويعكس غياب إرادة سياسية حقيقية، خاصة أن طرفاً يبادر نحو السلام وهو الطرف الكردي، في حين يتخذ الطرف التركي موقفاً متراجعاً ومتقاعساً.

وتشير إلى أن الخطوة الأولى التي يجب على تركيا اتخاذها تبدأ من الداخل، عبر إعادة النظر في علاقتها مع الكرد الموجودين داخل أراضيها، بحيث تتوافق حقوقهم مع الدستور بوصفه المرجعية الأساسية للتشريع. وتشدد على ضرورة تعديل المواد الدستورية المتعلقة بالعلاقة بين السلطة والكرد، وترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية دون تمييز بين القوميات، بحيث لا يُعامل الكرد كمواطنين من درجة أدنى أو يتم تهميشهم.

كما تؤكد أهمية تحقيق تنمية متوازنة في المناطق الكردية على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وإنهاء الفوارق بين هذه المناطق وغيرها داخل تركيا، باعتبار أن جميع المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات.

وتضيف أن التغيير الدستوري سينعكس لاحقاً على القوانين المنظمة لمختلف مجالات الحياة، بما في ذلك الاعتراف باللغة الكردية داخل المناطق الكردية، واحترام العادات والتقاليد، وضمان التعليم والخدمات في جميع المجالات.

وعلى المستوى الخارجي، ترى الدكتورة فريناز عطية ضرورة أن تعزز تركيا علاقاتها مع الكرد في المناطق المجاورة، وخاصة في سوريا، مشيرة إلى أن أنقرة استغلت حالة الاضطراب خلال "الربيع العربي" بشكل سلبي في المناطق الكردية، ما أدى إلى تشويه صورتها لدى جيل كامل من الكرد السوريين.

وتدعو إلى انسحاب تركي فعلي من المناطق التي تسيطر عليها في سوريا، خصوصاً ذات الغالبية الكردية، مع الاعتراف الكامل بحقوق الكرد داخل تركيا وخارجها.

كما تشير الدكتورة في العلوم السياسية والباحثة المصرية فريناز عطية إلى أن مشروع "السلام والمجتمع الديمقراطي" يواجه تحديات عديدة في المرحلة المقبلة، في ظل التوترات الإقليمية في الشرق الأوسط، وانشغال القوى الدولية بقضايا كبرى مثل الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية، ما يؤدي إلى تراجع الاهتمام بملفات أخرى مهمة، ومنها القضية الكردية والمبادرة التركية الكردية.

وتوضح أن هذا الانشغال يشتت الانتباه ويعطل مسار السلام الذي بدأته مبادرة القائد عبد الله أوجلان، وأن تركيا تستفيد من هذا الوضع عبر المراوغة وكسب الوقت دون التزام حقيقي بالمسار السياسي.

وترى أن هذه الأجواء غير إيجابية لمسار السلام، بل تسهم في عرقلته، حيث تعمل تركيا على استغلال الظروف الإقليمية والدولية لتعزيز هيمنتها على الكرد.

كما تضيف أن الأزمات الاقتصادية والأمنية العالمية، والانشغال بقضايا الطاقة والنفط ومضيق هرمز، كلها عوامل تزيد من تعقيد المشهد وتؤثر على فرص تقدم عملية السلام.

وتؤكد أن هذه المبادرة، رغم التحديات التي تواجهها، تفتح في الوقت نفسه فرصاً مهمة يجب استثمارها من جميع الأطراف الداعمة للسلام بين تركيا والكرد.

دور النخب والفاعلين الثقافيين في دعم مسار السلام

وتشير الدكتورة فريناز عطية ضرورة توحيد الجهود بين النخب والشخصيات الأكاديمية والثقافية والرموز الداعمة لحقوق الكرد داخل تركيا، إضافة إلى الداعمين الدوليين، من أجل الدفع نحو إصلاحات تشريعية تضمن حقوق المواطنة الكاملة للكرد.

وتشير إلى وجود اختلافات داخل الشارع التركي وكذلك داخل النخب بشأن الموقف من القضية الكردية، ما يجعل من الضروري توظيف هذه الأصوات لدعم مسار السلام.

كما تذكر عدداً من المبادرات الدولية الداعمة، موضحة هناك أيضاً جهود مبذولة جيدة جداً، كما توجد مبادرات ومشاريع تتشكل باستمرار، من بينها مبادرة عربية لدعم حرية القائد عبد الله أوجلان، ومبادرة "نون" الخاصة بالمرأة لدعم حريته الجسدية، إضافة إلى مبادرات أوروبية وغيرها على مستوى العالم.

مضيفة أنه لا بد من تكثيف جهود هذه المبادرات وتنظيم عملها حتى لا يحدث أي تداخل أو ضعف في التنسيق، مع ضرورة الحشد لها والدعاية لقضية المفكر عبد الله أوجلان والقضية الكردية، وتوضيح موقف تركيا، وتوعية العالم بما يجري، والتأكيد على ضرورة حصول الشعب الكردي على حقوقه في الدول التي يوجد فيها.

وأشارت إلى أنه لا بد من تغيير الصورة الذهنية التي روجت لها تركيا عن الكرد، والتي تصفهم بـ"الإرهاب" و"الانفصال" وإثارة عدم الاستقرار والقلاقل في الدول التي يعيشون فيها.

ولفتت إلى ضرورة القيام بعمل إعلامي وثقافي، عبر توظيف القوة الناعمة، لتعزيز هذا التغيير في الصورة، وتقديم رواية أكثر توازناً وعدلاً.

الدكتورة فريناز عطية: باحثة مصرية، حاصلة على دكتوراه الفلسفة في العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.

(م ح/أم)

ANHA