نحّالو حماة يدقون ناقوس الخطر.. دعمٌ أو انهيار القطاع

يعاني مربو النحل في حماة من خسائر متزايدة بفعل ارتفاع التكاليف وغياب الدعم والتسعير العادل وضعف الرقابة، مطالبين بتدخل عاجل يشمل دعم المحروقات والأعلاف وتعويض المتضررين وتشديد الرقابة على الغش والأدوية المهربة وتوفير قروض ومخابر تحليل لضمان استمرار المهنة.

نحّالو حماة يدقون ناقوس الخطر.. دعمٌ أو انهيار القطاع
الأربعاء 29 نيسان, 2026   04:25
حماة

يتزايد قلق مربي النحل في محافظة حماة من تراجع قطاع العسل وارتفاع الخسائر في ظل تحديات معيشية واقتصادية وبيئية متراكمة، وسط شكاوى من غياب الدعم الحكومي الفعلي، ما يهدد مصدر رزق مئات الأسر ويضع مستقبل هذه المهنة أمام مخاطر جدية.

وفي بلدة عين حلاقيم بريف حماة الغربي، يواجه نحو 151 نحالاً صعوبات متزايدة تهدد استمرار عملهم، رغم امتلاكهم 15,810 خلية نحل تشكل وفق تقديرات محلية ما يقارب 50% من نشاط تربية النحل في المنطقة.

ويؤكد مربون أن المهنة التي بدأت في البلدة عام 1989 تطورت تدريجياً من الأساليب التقليدية إلى الخلايا الحديثة بجهود فردية، إلا أن المواسم الأخيرة باتت أكثر قسوة نتيجة ارتفاع التكاليف وتراجع القدرة على الاستمرار.

ويقول أحد المربين من المنطقة، فضّل التعريف عن نفسه بـ(وائل.ك)، إنهم يواجهون "ارتفاعاً كبيراً في تكاليف الإنتاج والنقل بسبب تراجع قيمة الليرة وغلاء المحروقات"، مشيراً إلى غياب تسعيرة رسمية عادلة تضمن هامش ربح يحمي المنتج المحلي من تقلبات السوق.

وأضاف متسائلاً: "كيف يمكن منافسة العسل المستورد أو الصناعي الذي يغرق الأسواق دون رقابة كافية؟".

وفي ريف مصياف، تحدث مربون من بلدة البيضا عن خسائر كبيرة خلال العام الماضي، حيث أشار (وليد.ا) و(الياس.ا) إلى نفوق أكثر من 100 خلية نحل، وذكروا أن الأمر لا يرتبط فقط بالظروف الجوية، بل أيضاً بغياب خطط واضحة لمواجهة الجفاف وتأمين مراعي بديلة أو أعلاف مدعومة، إضافة إلى انتشار الأدوية المهربة في الأسواق نتيجة ضعف الرقابة، ما أدى إلى تفاقم المشكلات الصحية التي تصيب المناحل.

وفي منطقة وادي العيون، طالب مربون بتدخل عاجل يشمل تعويضات عن الخلايا النافقة وقروض ميسّرة، إلى جانب إنشاء مخابر متخصصة لتحليل العسل والحد من الغش التجاري، ووقف تداول سلالات هجينة "غير موثوقة" تُباع في الأسواق دون إجراءات تنظيمية واضحة.

من جهتها، قالت مديرية زراعة حماة إن الموسم الحالي تأخر بسبب الظروف الجوية، وأشار رئيس شعبة النحل والحرير في المديرية المهندس مؤيد جرجنازي إلى وجود برامج إرشادية ومخبر للكشف عن الأمراض، إلا أن مربين يرون أن هذه الإجراءات لا تزال محدودة مقارنة بحجم الأزمة، مؤكدين أن المختبرات الحالية لا تغطي احتياجات آلاف الخلايا، وأن الإرشادات تبقى غير كافية دون دعم مادي مباشر.

وبحسب بيانات محلية، يبلغ عدد مربي النحل في محافظة حماة نحو 1,675 نحالاً بإجمالي 65,458 خلية، غير أن مربين يحذرون من أن هذه الأرقام قد تتراجع بشكل كبير في حال استمرار الأزمات الحالية دون حلول ملموسة.

ويجمع مربو النحل على جملة مطالب يرونها أساسية لإنقاذ القطاع، أبرزها اعتماد تسعيرة عادلة ومنصفة للعسل المحلي، وتوفير دعم للمحروقات والأعلاف بأسعار مخفضة، وتعويض المتضررين من نفوق الخلايا بسبب الجفاف والأمراض، إضافة إلى تشديد الرقابة على الأدوية المهربة والعسل المغشوش الذي يشكل منافسة مباشرة للمنتج المحلي.

كما يدعو النحالون إلى إنشاء مختبرات تحليل مجهزة في كل محافظة بدلاً من الاعتماد على مخبر مركزي واحد، إلى جانب تقديم قروض ميسّرة دون فوائد أو شروط تعجيزية، بهدف الحفاظ على هذا القطاع الزراعي الذي يُعد أحد مصادر الدخل الأساسية في العديد من المناطق الريفية.

خطة دعم دون تنفيذ

وخلال عامي 2025 و2026، شهد ملف تربية النحل بعض التحركات الرسمية، إذ أعلنت وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي في تشرين الأول 2025 عن إطلاق خطة لدعم قطاع النحل وتحسين السلالات وزيادة الإنتاج، تضمنت تعزيز خدمات الإرشاد، وتحسين المراعي، ودعم عمليات التسويق عبر المعارض والفعاليات، إضافة إلى تشجيع زراعة النباتات الرحيقية، لكن بقيت دون تنفيذ.

كما شهدت بعض المناطق إقامة فعاليات بمبادرات فردية مثل "مهرجان العسل السوري 2025" بهدف الترويج للمنتج المحلي، غير أن مربين رأوا أن هذه الخطوات لا تزال غير كافية لمعالجة المشكلات الأساسية المرتبطة بالتكاليف والتسويق والرقابة والدعم المباشر.

واقع القطاع قبل سقوط النظام السابق

وخلال السنوات التي سبقت سقوط النظام السوري السابق، بقي قطاع تربية النحل ضمن القطاعات الزراعية التي تُدار غالباً عبر إجراءات موسمية محدودة، تمثلت بإقامة فعاليات ومعارض محلية أو إطلاق تصريحات رسمية حول أهمية العسل ودور النحالين في الأمن الغذائي، دون أن ينعكس ذلك بشكل ملموس على شكل دعم مستدام أو سياسات حماية اقتصادية واضحة.

ويشير مربون إلى أن الجهات المعنية آنذاك كانت تعتمد على الخطاب الإعلامي والإرشادي أكثر من اعتمادها على برامج دعم فعلي، في ظل غياب تسعير رسمي منصف، وضعف الرقابة على العسل المغشوش والأدوية المهربة، إضافة إلى محدودية القروض الزراعية المخصصة لهذا القطاع، ما جعل النحالين يعتمدون في معظم الأحيان على إمكانياتهم الذاتية لمواجهة تقلبات السوق والأمراض والجفاف.

ورغم وجود مديريات مختصة وشُعب للنحل في بعض المحافظات، إلا أن كثيراً من النحالين اعتبروا أن الدور الرسمي ظل أقرب إلى الإدارة الورقية والتنظيم الإداري، دون تقديم منظومة دعم حقيقية تشمل المحروقات والأعلاف والتعويضات أو توفير مخابر تحليل كافية تغطي احتياجات المربين على نطاق واسع.

وفي ظل استمرار التحديات الحالية، يطرح النحالون سؤالاً مفتوحاً حول مستقبل المهنة: هل ستشهد المرحلة المقبلة خطوات عملية تتجاوز التصريحات والخطط المعلنة، وتترجم إلى دعم مباشر يحمي ما تبقى من قطاع العسل في سوريا؟

(أم)

ANHA