محلل سياسي من السويداء: مستقبل سوريا مرهون بالديمقراطية والحوكمة اللامركزية

أكد كاتب ومحلل سياسي من السويداء، أن دمقرطة سوريا تمثل المدخل الأساسي لتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي، مشدداً على أن غياب نظام ديمقراطي قائم على التعددية وتداول السلطة سيبقي البلاد عرضة للأزمات. ويرى أن المرحلة الراهنة تتطلب إعادة النظر في شكل إدارة الدولة، عبر تبنّي اللامركزية وتعزيز دور المجتمعات المحلية في صنع القرار.

محلل سياسي من السويداء: مستقبل سوريا مرهون بالديمقراطية والحوكمة اللامركزية
الأحد 26 نيسان, 2026   06:40
السويداء

أجرت وكالتنا لقاءً مع الكاتب والمحلل السياسي من السويداء جمال درويش، تناول فيه مستقبل سوريا السياسي في ظل التحولات الراهنة، مع تركيز أساسي على ضرورة دمقرطة الدولة كشرط لتحقيق الاستقرار، كما ناقش أهمية اعتماد اللامركزية الإدارية والسياسية كصيغة لإدارة البلاد، ودورها في تمكين المجتمعات المحلية وتعزيز المشاركة في صنع القرار.

واستهل الكاتب والمحلل السياسي جمال درويش حديثه حول التجربة السورية، مقارناً بين مسارات الثورات التاريخية، مشيراً إلى أن "الثورة الفرنسية التي احتاجت نحو قرن من الزمن حتى تستقر، رغم نجاحها الميداني، لكنها فشلت في إرساء مبادئ الحرية والعدالة لفترة طويلة قبل أن تحقق أهدافها لاحقاً".

وأوضح درويش أن إسقاط هذه التجربة على الحالة السورية يُظهر أن الثورة السورية نجحت في تحييد "الطاغية"، لكنها في المقابل فشلت في ترسيخ مبادئ الحرية والعدالة والوحدة الوطنية، ورأى أن من أبرز أسباب هذا الفشل صعود جماعات متشددة تبنّت مشروعاً إسلامياً متطرفاً يتناقض مع جوهر الثورة السورية، ما جعل تحقيق أهدافها أكثر صعوبة.

وأشار إلى أن الخيارات المتاحة أمام السوريين اليوم تنطلق من ضرورة التوافق على عقد اجتماعي جديد، يقوم على ضمانات دستورية وتداول السلطة والتعددية السياسية، بما يقود إلى دولة ديمقراطية حقيقية.

ولفت إلى أن الشعب السوري الذي خرج عام 2011 كان يطمح إلى دولة قانون وعدالة، إلا أن حجم التضحيات التي قدمها خلال أكثر من 14 عاماً لم يقابله حتى الآن حجم منجزات مماثل، باستثناء سقوط النظام السابق وظهور سلطة بديلة وصفها بأنها لا تؤمن ببناء دولة حديثة بقدر ما تسعى إلى "دولة وظيفية تابعة".

وفيما يتعلق بنموذج الحكم، عبّر درويش عن تأييده الصريح لنقل صلاحيات حقيقية إلى المناطق ضمن إطار اللامركزية الإدارية، معتبراً أن هذا الشكل من الحوكمة هو الأمثل لتمكين المجتمعات المحلية من إدارة شؤونها.

 وأوضح أن اللامركزية لا تعني فقط إعادة توزيع الصلاحيات، بل تسهم في تحقيق العدالة والكفاءة، وتطوير الأداء الإداري، وزيادة الشفافية والمساءلة، إضافة إلى تخفيف العبء عن الإدارة المركزية في دمشق.

كما ذكر أن هذا النموذج يعزز المشاركة المجتمعية ويجعل المواطن شريكاً فعلياً في صنع القرار السياسي، مشيراً إلى أن اللامركزية تُعتمد اليوم في العديد من الدول الديمقراطية حول العالم.

وفي سياق متصل، شدد درويش على أنه لا يمكن تحقيق استقرار سياسي أو اجتماعي في سوريا دون مشاركة جميع المكونات في العملية السياسية، رافضاً الطروحات التي ترى اللامركزية مدخلاً لتقسيم الدولة. واعتبر أن هذه المخاوف تُستخدم أحياناً من قبل السلطات لاحتكار القرار، في حين أن المركزية المفرطة تدفع المجتمعات للعيش قسراً ضمن نظام واحد تحت ضغط الأجهزة الأمنية، بينما يمنح النظام اللامركزي أو الفيدرالي فرصة حقيقية للمشاركة في القرار.

وأكد أن تمكين الإدارات المحلية يعزز الوحدة الوطنية على أساس العدالة والمشاركة، ويقلل من المخاوف الوجودية لدى مختلف المكونات، لافتاً إلى أن السنوات الأخيرة في سوريا شهدت تصاعداً في التوترات والاصطدامات المجتمعية في مناطق عدة مثل الساحل والسويداء وشرق الفرات، ما رفع منسوب الخوف والقلق لدى المواطنين.

وفي تقييمه لأسباب تراكم الأزمات، أشار درويش إلى أن مركزية القرار تُعد عاملاً رئيساً في تعميق هذه الأزمات، موضحاً أن السلطة المركزية غير قادرة على الإحاطة بكل مشكلات المناطق، بينما تكون المجالس المحلية أو الإدارات الإدارية أكثر قدرة على فهم احتياجاتها وحل مشكلاتها وفق مبدأ "أهل مكة أدرى بشعابها".

وفيما يخص مستقبل وحدة سوريا، شدد على أن الحفاظ على الوحدة لا يقتصر على الشكل الإداري فقط، بل يتطلب تجريم الخطاب الطائفي، وتعزيز السلم الأهلي، وضمان مشاركة جميع المكونات في أي عملية سياسية. وحذّر من أن استمرار الإقصاء سيؤدي إلى إنتاج مركزية أكثر تطرفاً، وهو ما لم يعد السوريون يقبلون به.

واختتم الكاتب والمحلل السياسي جمال درويش، بالتأكيد على أن اللامركزية السياسية والإدارية تمثل ضمانة أساسية لإنهاء الإقصاء وبناء دولة جامعة، تقوم على انتخاب مجالس المحافظات والبلدات والوحدات الإدارية، مع بقاء الصلاحيات السيادية بيد المركز، مقابل منح صلاحيات واسعة في الملفات الخدمية والاقتصادية والإدارية والأمنية للمناطق، بما يرسخ نموذجاً تشاركياً في إدارة الدولة.

(م ح)

ANHA