سياسي سوري: سوريا بحاجة إلى تغيير جذري وجبهة ديمقراطية وطنية

يرى باحث سياسي سوري أن الاتفاق بين الإدارة الذاتية والحكومة المؤقتة، مرحلي وهشّ، وقد يفتح المجال للعمل السياسي دون أن يقود إلى حلّ شامل. ويؤكد أن سوريا تحتاج إلى تغيير جذري في سياسات السلطة وبناء جبهة ديمقراطية وطنية جامعة تقود انتقالاً سياسياً يحقق التعددية والمشاركة.

سياسي سوري: سوريا بحاجة إلى تغيير جذري وجبهة ديمقراطية وطنية
الأربعاء 4 شباط, 2026   06:45
مركز الأخبار

يرى الباحث السياسي السوري، غياث نعيسة، أن "الاتفاق الأخير بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة المؤقتة، لم يأتِ نتيجة حوار وطني حرّ، بل جاء عقب هجوم عسكري همجي للفصائل التابعة للسلطة بغطاء أمريكي، وذلك بعد لقاء باريس في بداية الشهر الماضي، حيث قدّمت فيه سلطة دمشق تنازلات سيادية جوهرية مقابل توفير غطاء لها، ولتركيا، في هجومها على الإدارة الذاتية والشعب الكردي".

ويؤكد نعيسة أن "العوامل التي أوقفت هذا الهجوم، وأدت إلى إبرام الاتفاق لم تكن النوايا الحسنة للسلطة أو للدول الراعية لها، بل إن ما فرض وقف الهجوم ثم التوقيع على الاتفاق هو أولاً المقاومة الباسلة لقوات سوريا الديمقراطية وصمودها، الذي ترافق مع نهوض شعبي كردي واسع النطاق واستثنائي، دفاعاً عن الإدارة الذاتية وروج آفا، بالإضافة إلى التحركات التضامنية مع روج آفا في مختلف أنحاء العالم، وموقف إقليم كردستان العراق الحازم والداعم للشعب الكردي في سوريا".

وعود غير مضمونة وسجلّ حافل بالإخلال بالتعهدات

ومن هذا المنظور، يعتبر نعيسة أن "وعود الحكومة المؤقتة والمرسوم رقم 13 تبقى وعوداً غير مضمونة، خصوصاً أن السلطة أخلّت منذ تسلمها الحكم قبل نحو عام، بكل تعهداتها ووعودها، لا سيما ما يتعلق بمكونات وتعددية الشعب السوري وحقوقها".

وقف الهجوم فرصة للعمل السياسي الوطني

في المقابل، يرى أن وقف الهجوم وحمّام الدم بحد ذاته، يشكل أمراً إيجابياً يفسح المجال للعمل السياسي على الصعيد الوطني لمحاولة إخراج البلاد من أزمة مستفحلة.

ويشير إلى أن انتزاع عدد من حقوق الشعب الكردي ومكتسبات الإدارة الذاتية وتجربة التعايش القومي والديني التي وسمتها، يجعل منها عامل ارتكاز لأي مشروع وطني عابر للأديان والطوائف والأعراق، ويضع على عاتقه مهمة الخروج من الأزمة وبناء سوريا جمهورية ديمقراطية لامركزية وتعددية لكل أبنائها وبناتها.

الحاجة إلى مراجعة الاستراتيجيات وبناء أدوات جديدة

ويؤكد نعيسة أن هذا المسار يتطلب بداية إعادة تقييم استراتيجيات العمل الوطني والديمقراطي السابقة، واستخلاص الدروس بإيجابياتها وسلبياتها من التجارب السابقة، للاستفادة من الإيجابيات والتخلص من السلبيات، وابتداع آليات عمل تشاركية جديدة ومطابقة للواقع.

وبما أن الاتفاق المذكور "مرحلي ومؤقت كما يبدو، فإن التحدي الأكبر المطروح يتمثل في كيفية الانتقال من اللحظة الراهنة، التي تتسم بالارتباك وتوازن القلق، إلى لحظة أخذ المبادرة الواعية للبدء ببناء مشروع سياسي واجتماعي وطني وديمقراطي شامل، قادر على حشد الطاقات للتغيير الديمقراطي المطلوب، بحسب نعيسة.

هشاشة الاعتراف بالقضية الكردية

ويشير إلى أنه وإن كان الاتفاق يقرّ، ولو بشكل موارب نسبياً، بواقع وخصوصية القضية الكردية ومناطق شمال شرق سوريا ودورها في تشكيل سوريا الجديدة، إلا أن هذا الإقرار يبقى هشاً جداً.

نحو جبهة سياسية – شعبية وطنية

ويرى نعيسة أن "الخروج من متاهة اتفاق يليه حرب، كما تفعل الحكومة، يتطلب بناء شبكة جبهة سياسية – شعبية تضم التجمعات والقوى السياسية والاجتماعية الحاملة لمشروع سوريا الديمقراطية التعددية المستقلة، القائمة على المساواة والعدالة الاجتماعية. جبهة قادرة على مواجهة الجنوح التسلطي والعنفي من قبل السلطة، وقادرة على فرض تغيير ديمقراطي بالاستناد إلى العمل الجماهيري.

ويرى أن بناء مثل هذه الجبهة يشكل مقدمة لازمة للانتقال من التفاوض والحوار بالسلاح إلى التفاوض والحوار السياسي.

فشل التحالفات السابقة والحاجة لمقاربة جديدة

ويشدد نعيسة على "أن الأشكال السابقة للتحالفات أثبتت عجزها وفشلها في كل المنعطفات الحاسمة التي شهدتها البلاد، خصوصاً منذ استلام هيئة تحرير الشام للسلطة في دمشق، حيث اقتصرت نشاطاتها على إصدار البيانات وعقد المؤتمرات دون تأثير حقيقي على أرض الواقع". ولذلك، يؤكد الحاجة إلى مقاربة استراتيجية وهيكلية جديدة، مطابقة لتحولات الواقع وتستجيب لمتطلبات كفاح وحاجات ومطالب الناس.

لا حل دون تغيير جذري في سياسات السلطة

ويؤكد نعيسة أن "الاتفاقيات الجزئية أو المرحلية لا يمكن أن تؤدي إلى حل شامل وجامع يلبي مطالب كل السوريين في ظل غياب إرادة صادقة وجدية لدى الحكومة. فالأمر يتطلب تغييراً في السياسات الإقصائية لصالح مشاركة كل الأطياف السياسية والاجتماعية السورية في عملية انتقال سلمي نحو ديمقراطية تشاركية تحترم تعددية الشعب السوري".

سلطة بلا إرادة إصلاحية وأفق مفتوح على الصراع

ويشير إلى أن هذه الإرادة لا تبدو متوفرة لدى الحكومة المؤقتة في سوريا، التي اتسم عامها الأول في الحكم بالمجازر، والتفريط بسيادة البلاد، ورهنها لتوجهات الدول الكبرى والإقليمية، وبالأخص تركيا، على حساب حاجات ومصالح الشعب السوري.

ويرى أن "استفراد هيئة تحرير الشام بالسلطة وإقامتها لحكم الفرد المتلطّي بأيديولوجيا مذهبية رجعية، سيعمّق الأزمة السورية ويدفع البلاد نحو حروب داخلية وخارجية لا نهاية لها".

جبهة ديمقراطية جامعة

ويخلص نعيسة إلى أن "ضرورة بناء جبهة ديمقراطية وشعبية على الصعيد الوطني باتت ملحّة، تشمل كل القوى السياسية والاجتماعية الداعية للسلام وإعادة توحيد البلاد عبر إقامة نظام ديمقراطي تعددي، يجد فيه كل سوري مكانه في سوريا الجديدة التي توفر المساواة والعدالة والكرامة الإنسانية.

ويؤكد أن هذه الجبهة يجب أن تكون ساحة تنظيم وربط وتنسيق لنضالات السوريين والسوريات ضحايا الاضطهاد والاستبداد والاستغلال والإقصاء، من المكونات التي تتعرض للمجازر والإبادة، إلى المذاهب السنية الشامية التي تعاني الإقصاء والامتهان، والمرأة السورية التي تُنتهك حقوقها يومياً، إضافة إلى غالبية السوريين الذين يرزحون تحت الفقر والعوز، والقوى السياسية والاجتماعية الديمقراطية رغم هشاشتها.

ويشدد على أن توحيد هذه النضالات ضمن أهداف واستراتيجية مشتركة وآليات عمل تشاركية ومرتبطة بالواقع، هو المهمة الأساسية لهذه الجبهة، مع التأكيد على أن هذه المقاربة تستدعي دوراً مركزياً للإدارة الذاتية وقواها السياسية المستخلصة لدروس التجارب السابقة.

ويختم نعيسة بالقول: "هنا مربط الفرس في الوضع السوري الراهن".

(أم)

ANHA