مثقفون: التدخلات التركية تجهض أي مشروع ديمقراطي في سوريا 

 أكد مثقفون وناشطون، أن استمرار التدخلات الإقليمية، يتجاوز الحسابات الآنية، ليطال مشروع سوريا الديمقراطية ووحدة مكوناتها، وسط مخاوف متزايدة من إجهاض أي مسار حقيقي نحو الاستقرار والسلام.

مثقفون: التدخلات التركية تجهض أي مشروع ديمقراطي في سوريا 
الأربعاء 24 كانون الأول, 2025   02:30
الحسكة
بلند حجي

حذر مثقفون وناشطون سياسيون من السياسات التركية وانعكاساتها على مستقبل سوريا، وخاصة في المرحلة الدقيقة تمرّ بها بعد سنوات طويلة من الحرب، ما يلقي بظلاله على مسار الحل السياسي ومستقبل الاستقرار.

تركيا والحلم العثماني

حيث قال عضو الهيئة الإدارية في اتحاد المثقفين في مقاطعة الجزيرة، عبد الوهاب بيراني، إن العلاقة بين تركيا وسوريا، سواء على الصعيدين السياسي أو الاقتصادي، هي علاقة قديمة ومعقّدة، بحكم الجوار الجغرافي والحدود الطويلة المشتركة بين البلدين.

وأوضح أن الخط الحدودي بين الطرفين كان دائماً مصدراً للمشكلات والقضايا العالقة، منذ بدايات القرن العشرين وحتى اليوم، لا سيما في ما يتعلّق بمسائل ترسيم الحدود التي لم تُحل بشكل جذري.

وأشار إلى أن الجذر الأساسي لجميع هذه الأزمات يعود إلى عدم حل القضية الكردية في المنطقة منذ بدايات ظهورها، مؤكداً أن تجاهل هذه القضية شكّل عاملاً رئيساً في استمرار التوتر وعدم الاستقرار.

وفي خضمّ الأزمة السورية المستمرة منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، وفي ظل الثورة التي اندلعت من أجل بناء سوريا ديمقراطية، لفت بيراني إلى أن تركيا واصلت تدخلها في الشأن السوري، سواء من خلال مناصرة النظام السابق في مراحل معينة، أو عبر دعم جماعات وفصائل إسلامية راديكالية، ما أسهم في تعقيد الأزمة وإطالة أمدها.

إجهاض النموذج الديمقراطي

وأوضح بيراني أن الخريطة السياسية التركية في سوريا باتت واضحة، حيث تقف تركيا دائماً إلى جانب مجموعات تعمل كمرتزقة لخدمة الأجندات التركية داخل الأراضي السورية.

وأضاف أن أنقرة، ورغم قدرتها نظرياً على أن تكون أحد أطراف الحل السوري، فإنها لا تستطيع بناء سلام حقيقي، بل تعمل بشكل مستمر على افتعال الأزمات وإضافة المزيد من التعقيد إلى المشهد السوري.

وبيّن أن السياسة التركية بدأت تتجه نحو فرض نوع من الهيمنة داخل سوريا، في محاولة لإعادة إحياء أمجاد عثمانية سابقة، إلا أن هذه التوجهات تصطدم بالتوازنات والتوافقات الدولية التي تحول دون تحويل سوريا إلى ما يشبه ولاية سلطانية.

وأكد أن الوضع السوري الراهن بحاجة ماسّة إلى السلام والديمقراطية، وإلى تأسيس نظام سياسي قائم على دستور علماني تعددي ديمقراطي، يهدف إلى تعزيز إرادة السلم وتنمية الاقتصاد بعد سنوات طويلة من الحرب.

كما أشار إلى وجود ملفات عالقة تزيد من تعقيد المشهد، أبرزها ملف المهجّرين، وانتشار الفقر، واستمرار وجود مناطق محتلة من قبل تركيا داخل الأراضي السورية.

وأضاف أن أنقرة تعمل على دعم فئات محددة من الحكومة المؤقتة على حساب الشعب السوري، واعتبر أن مجمل هذه السياسات تهدف إلى إجهاض النموذج الديمقراطي القائم في شمال وشرق سوريا.

تركيا والفوبيا الكردية

وختم عضو الهيئة الإدارية في اتحاد المثقفين في مقاطعة الجزيرة عبد الوهاب بيراني، حديثه بالتأكيد على أن هذا النموذج أثبت خلال السنوات الماضية للسوريين وللعالم، قدرته على ترسيخ حسن الجوار وحل القضايا الخلافية بطرق سلمية وديمقراطية، إلا أن تركيا، ما زالت تمتلك "فوبيا" عميقة تجاه مسألة التحرر الكردي وبناء الدولة الكردية، وذلك رغم الموقف الواضح للإدارة الذاتية التي تدعو إلى بناء سوريا موحدة وتعددية وديمقراطية، يشارك فيها جميع السوريين، وتكون جزءاً من إدارة البلاد ضمن إطار وطني جامع.

حجج واهية

من جانبه، قال عضو اتحاد المثقفين في مقاطعة الجزيرة، أزهر أحمد، إن ما يلفت الانتباه في المرحلة الراهنة هو التدخل التركي السافر في الأزمة السورية، مؤكداً أن هذا التدخل اتخذ طابعاً سلبياً منذ بداياته، وتجلّى بشكل واضح عبر دعم جماعات مرتزقة، إضافة إلى قوى إرهابية مثل "داعش".

وأوضح أحمد أن التدخل التركي لم يتوقف عند هذا الحد، بل استمر حتى بعد سقوط نظام الأسد، حيث ما زالت أنقرة، تعيق إمكانية جلوس السوريين إلى طاولة واحدة للحوار، وتنظر إلى سوريا وكأنها ولاية تابعة لها، في إطار طموحات تستند إلى ما يُعرف بـ "الميثاق الملي"، إلى جانب السعي لإحياء اتفاقيات أضنة.

وأشار عضو اتحاد المثقفين إلى أن تركيا تواصل تبرير تدخلها تحت ذرائع "حماية الأمن القومي" ومحاربة حزب العمال الكردستاني، واصفاً هذه الحجج بأنها واهية ولا تعكس حقيقة ما يجري على الأرض.

ولفت إلى أنه، وبعد مرور عام على التحولات السياسية، لا يزال الحوار السوري ـ السوري بعيد المنال، كما أن عوامل الاستقرار لم تتحقق حتى الآن بسبب التدخل التركي.

تغيير الذهنية

وأضاف أحمد أنه في حال لم تُغيّر الحكومة الحالية في دمشق ذهنيتها وطريقة إدارتها للمرحلة، فإنها لن تكون قادرة على الصمود، وستواجه تحديات كبرى من قبل المشاريع المجتمعية والمقاومات الموجودة والمرجوة لشعوب المنطقة بمختلف مكوناتها. وشدّد على ضرورة الجلوس إلى طاولة الحوار، والابتعاد عن الارتهان للسياسات التركية.

وأكد في ختام حديثه، أن على الجهات الحاكمة التخلي عن عقلية الحكم السائدة في إدلب، ونسيان ماضيها، مشيراً إلى أن العديد من مفاصلها العسكرية والاقتصادية ما زالت تحمل ذهنية داعش.

ودعا إلى تغيير هذه العقلية بشكل جذري، والتفكير بعقل وطني سوري جامع، يضع مصلحة سوريا وجميع مكوناتها في مقدمة الأولويات.

حقائق لا يمكن إخفاؤها

بدورها، أشارت الإدارية في مجلس المرأة في حركة المجتمع الديمقراطي، نوشان فرحو، إلى أن التهديدات التركية للمنطقة ليست وليدة المرحلة الراهنة، بل تعود إلى جذور تاريخية، مؤكدة أن تركيا لطالما هددت هذه المنطقة، لا سيما بعد انطلاق ثورة روج آفا ومشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية.

وأوضحت نوشان أن ثورة روج آفا أسهمت في إعادة إحياء الهوية الكردية، ولكن بعقلية ديمقراطية مستمدة من فلسفة القائد عبد الله أوجلان، مشيرة إلى أن هذا المشروع شكّل مصدر قلق لتركيا التي عارضته منذ بداياته.

وأضافت أن هذا الرفض تُرجم على الأرض، عبر احتلال العديد من المناطق وارتكاب مجازر متكررة، إلى جانب الهجمات المستمرة على مناطق شمال وشرق سوريا، إلا أن ذلك، لم يمنع استمرار التقدم في المشروع الديمقراطي.

وفيما يتعلق بالمرحلة السياسية الراهنة، قالت نوشان فرحو إنه بعد سقوط نظام الأسد وتولي سلطة جديدة بقيادة أحمد الشرع، ما زالت تحركات الحكومة الانتقالية واجتماعاتها مع قوات سوريا الديمقراطية تتم، بتوجيهات وتعليمات تركية مباشرة.

وأكدت أن هناك حقائق لا يمكن إخفاؤها، تتمثل في امتلاك أحمد الشرع خلفية مرتبطة بداعش، معتبرة أن معظم عناصر التنظيم تلقوا تدريباتهم داخل الأراضي التركية.

اختلافات جوهرية

وأضافت الإدارية في مجلس المرأة أن تأثيرات هذه السياسات تمتد إلى الجوانب الفكرية والسياسية، مشيرة إلى وجود اختلاف جوهري في المفاهيم والرؤى.

وأوضحت أن الإدارة الذاتية تنطلق من فلسفة ديمقراطية ترى في شعوب المنطقة "مكونات للشعب السوري"، في حين تصف الحكومة الانتقالية وتركيا هذه الشعوب بـ "الأقليات".

وأكدت نوشان فرحو في ختام حديثها، أن الإدارة الذاتية تعتمد على تنوع الشعوب كأساس لإدارة المنطقة، بينما لا تزال الحكومة الانتقالية وتركيا متمسكتين بنهج المركزية، وهو ما يتعارض مع متطلبات بناء سوريا ديمقراطية تعددية.

(ح)

ANHA