اللامركزية بوابة سوريا الجديدة

أكد سياسي أن اللامركزية الديمقراطية في سوريا ستسهم في تقليص هيمنة السلطة، وهي كفيلة بتقليل دوافع الصراع الداخلي وتعزيز الاستقرار السياسي والاجتماعي، مشيراً إلى أن نموذج الإدارة الذاتية يشكل أساس الحل السياسي الشامل في سوريا، منوهاً بأن ما يعيق الحل في سوريا هو التدخلات الخارجية وعلى رأسها تركيا.

اللامركزية بوابة سوريا الجديدة
الإثنين 3 تشرين الثاني, 2025   04:25
الحسكة
بوطان حسين

تجري بين الإدارة الذاتية لإقليم شمال وشرق سوريا والحكومة السورية الانتقالية مفاوضات حول عدة نقاط منها شكل الحكم في سوريا، حيث تتمسك الأخيرة بنظام الحكم المركزي الذي تسبب في دمار سوريا بشكل كامل وقتل وتشريد مواطنيها، فيما ترى الإدارة الذاتية أن اللامركزية السياسية ضمان حقيقي لحقوق كل المكونات ويمنع اندلاع صراعات داخلية.

وفي هذا السياق، ينظر السياسي جان مراد إلى الحراك السياسي في سوريا بقدر كبير من الحذر والتحفظ، ليس من باب التشاؤم أو الرفض المسبق لأي مسار حواري، بل معتبراً أن طريق التسويات في سوريا محفوف بالتحديات المختلفة وبتناقضات عميقة تتجاوز قدرة السوريين أنفسهم على تجاوزها.

وأكد أن الدعوة إلى المفاوضات في الظاهر هي خطوة مشجعة وضرورية، وأكثر ما يعزز مصداقيتها أنها من طرف الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا التي تسعى لإسكات صوت البندقية وإعادة بناء الثقة السورية – السورية.

وأشار إلى أن عوامل انعدام التوازن والثقة بين الإدارة الذاتية والحكومة السورية الانتقالية ما تزال قائمة بقوة في عمق هذه الدعوات إلى الحوار والمفاوضات، وأعاد السبب في ذلك إلى أن الإرادة الخارجية ما تزال تتغلغل في تفاصيل المشهد في دمشق حتى النخاع، ناقلة المخاوف التركية ومستقوية بها ضد السوريين.

وعدّ مراد أن الحكومة الانتقالية بلا إرادة، ولا يمكن جرّ طرف بلا إرادة إلى بناء مشروع وطني شامل، على الرغم من المحاولات التي تبذلها الإدارة الذاتية في تحقيق ذلك، وقال: "تركيا تعرقل أي تسوية وطنية لا تضمن لها دوراً في الأمن والاقتصاد السوريين".

وأضاف: "تركيا التي تحاول أن تتحول إلى قوة وصاية غير رسمية داخل العملية السياسية السورية تعيد إنتاج التبعية في ثوب جديد".

ويرى مراد أن سوريا ليست كياناً مستقلاً يتفاوض مع ذاته، بل خريطة من النفوذ المتشابكة بين الدول الإقليمية والدولية: تركيا وروسيا وإيران وأمريكا.

وأشار إلى أن المنطقة بأسرها تشهد إعادة رسم للهويات السياسية في ظل التحولات العالمية المتسارعة، ليقف المشهد السوري عند مفترق طرق، مؤكداً أن الكُرد يمكن أن يلعبوا دوراً محورياً في صياغة نموذج سياسي جديد إذا أحسنوا قراءة المشهد.

وعدّ مراد أن المفاوضات بين الإدارة الذاتية والحكومة السورية الانتقالية تبقى خطوة ضرورية، وإن كانت في مسار طويل ومعقد نحو بناء تفاهمات وطنية حقيقية، إن وُجدت عبر الزمن الإرادة السياسية والوعي المتراكم والإدراك المتزايد بأن الحل لا يمكن أن يكون إلا سورياً تعددياً ديمقراطياً.

وقال: "فلا بد من تعريف العلاقة بين المركز والإدارات الأخرى، وبين السلطة والمجتمع، على أساس المشاركة والتوازن والشراكة الحقيقية بين جميع مكوناتها، لا بالإقصاء والوصاية والهيمنة".

وأكد جان مراد أنه إذا ما كُتبت لسوريا الجديدة الولادة، فلن تُبنى على مركزية الماضي والحاضر، وأن المدخل الطبيعي لأي مشروع إنقاذ وطني هو الديمقراطية واللامركزية التي تشكل ضرورة تاريخية تُمليها طبيعة المجتمع السوري ذاته.

وشدد على أنه لا يمكن بناء أي دولة مستقرة في سوريا دون أن يشعر كل مكون اجتماعي سوري بمشاركة فعلية في القرار السياسي والإداري والاقتصادي.

وقال: "بصفتي كردياً، فإن حقوقي لا تُختصر في كلمات منمّقة ولا في شعارات جوفاء، لا في ‘فسيفساء’ الأسد ولا في شعارات ‘الشرع’ اليوم. حقوقي جوهر إنساني لا تمنحه الأنظمة أو تتصدق به ولا تُلخَّص بخطاباتها".

ويرى مراد أن التحول الديمقراطي يمكن أن يكون أداة لتصحيح العلاقة المختلة بين الدولة والمجتمع، وإعادة بناء الثقة المفقودة بين الأطراف المختلفة، بما يتيح تمثيلاً حقيقياً للكرد والعرب والسريان والآشوريين وسائر المكونات.

وحول كيفية مساهمة النظام اللامركزي في تقليص الهيمنة الأمنية والعسكرية على الحياة المدنية في سوريا، أشار جان مراد إلى أن تبنّي نظام لامركزي فعلي، يمكن أن يسهم في تقليص تلك الهيمنة عبر نقل الصلاحيات والموارد إلى الإدارات المحلية وتمكين المجتمعات من إدارة شؤونها اليومية بمعزل عن التسلط.

منوهاً إلى أن المركزية الشديدة التي مارسها نظام البعث خلال العقود الماضية هي السبب الواضح لما آلت إليه البلاد اليوم.

وأكد أن جوهر أي إصلاح سياسي حقيقي هو أن تتحول مؤسسات الدولة من أدوات سيطرة وعسكرة إلى أدوات خدمية وتنمية، مشيراً إلى أن السلطات الحالية تعمل على تضخيم الأجهزة الأمنية والعسكرية على حساب المؤسسات المدنية، وذلك لا يبشر بالخير.

ورأى أن النموذج اللامركزي الذي يتيح لكل منطقة أن تُعبّر عن خصوصيتها الثقافية والاجتماعية، يقلل من دوافع الصراع المحلي ويعزز الاستقرار السياسي والاجتماعي، فاللامركزية إعادة توزيع للعقد الاجتماعي على نحو أكثر عدلاً.

وأكد أن النموذج الذي طوّرته الإدارة الذاتية يمكن أن يشكّل قاعدة للنقاش حول صيغة سورية جديدة تحفظ وحدة البلاد وتنوعها في آن واحد.

وأشار إلى أن استمرار منطق الإقصاء يجعل من أي حوار هشاً ومعرضاً للانهيار، وهو ما يسبب ضعف الثقة المتبادلة بين الأطراف، بالإضافة إلى غياب المؤسسات الوطنية المستقلة، ما يجعل تنفيذ الإصلاحات صعباً، وكذلك الانقسامات الداخلية الحادة، سواء بين القوى السياسية أو الفصائل العسكرية تعيق أي تحول ديمقراطي حقيقي في ظل التدخلات الخارجية التي حوّلت البلاد إلى ساحة صراع إقليمي ودولي.

وعدّ السياسي جان مراد تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا نموذجاً فريداً يُجسد فكرة "سوريا المصغّرة"، حيث تتعايش مكونات متعددة من العرب والكرد والسريان وغيرهم ضمن إطار ديمقراطي وتشاركية شعبية، وقال مختتماً حديثه: "تعميم هذا النموذج على كامل سوريا يمكن أن يشكّل أساساً لحل سياسي شامل، يقوم على اللامركزية الديمقراطية واحترام التنوع وتوزيع السلطة بشكل عادل يضمن وحدة البلاد واستقرارها".

(ح)

ANHA