اللامركزية سبيل لضمان حقوق جميع المكونات

طالب مثقفين وحقوقيين باعتماد نظام لا مركزي ديمقراطي في سوريا، مؤكدين أنه السبيل لضمان حقوق جميع المكونات وتحقيق العدالة والمواطنة، داعين إلى صياغة "دستور" يؤسس لانتقال ديمقراطي حقيقي، ويمنع عودة الاستبداد عبر توزيع عادل للسلطات بين مختلف المناطق.

اللامركزية سبيل لضمان حقوق جميع المكونات
الجمعة 31 تشرين الأول, 2025   05:05
الحسكة
بلند حجي

تتصاعد المطالب الشعبية والسياسية في سوريا لاعتماد نظام لا مركزي ديمقراطي كنظام حكم يضمن مشاركة جميع المكونات في إدارة البلاد ويمنع عودة الاستبداد، ويرى مثقفين وحقوقيين وأن المرحلة المقبلة تتطلب حواراً وطنياً شاملاً ودستوراً جديداً يؤكد على التنوع والعدالة والمواطنة، ويؤسس لـ انتقال ديمقراطي حقيقي قائم على اللامركزية وتداول السلطة بدلاً من التفرد والإقصاء.

وفي هذا الإطار، أجرت وكالتنا عدداً من اللقاءات مع مثقفين وحقوقيين في مدينة الحسكة، بهدف استطلاع آرائهم حول المرحلة الراهنة في سوريا، وموقفهم من التحولات السياسية والمطالب الشعبية الداعية إلى اللامركزية والانتقال الديمقراطي.

اللامركزية طريق سوريا الموحدة

وفي السياق، أشار عضو اتحاد مثقفي مقاطعة الجزيرة، محمد بشير، إلى أنه رغم الوعود بإصلاحات دستورية وانتخابات جديدة، إلا أن ما شهدناه في اجتماعات دمشق والإعلان الدستوري واختيار أعضاء البرلمان كان أقرب إلى إعادة إنتاج المركزية الصارمة: لونٌ واحد وعلمٌ واحد وفكرٌ واحد، على شاكلة النظام البائد تقريباً، مع اختلاف طفيف في المظاهر.

وأضاف إن اللامركزية في الوقت الراهن حلٌّ سياسي واجتماعي مستدام لوطن يمتلك فسيفساءَ واسعة من القوميات والطوائف، وأكد أن "إلغاء التعدد وفرض المركزية بالقوة في الماضي هو ما فجّر التوترات وأوصل البلاد إلى الثورة وما تلاها من انهيار شامل للنظام السابق".

وشدد بشير على أنه "لا يمكن لسوريا أن تعيد إنتاج التجربة نفسها، فقد أثبتت الأحداث، لا سيما في الساحل ومناطق الدروز وغيرها، أن المركزية ليست الحل، أمّا دواء سوريا فهو نظام لامركزي ديمقراطي، يعترف بجميع المكوّنات ويمنحها حق إدارة شؤونها ضمن دولة واحدة موحّدة".

واختتم بشير حديثه بالقول: "يخطئ من يربط اللامركزية والانفصال، فمعظم الدول المتقدمة في العالم تعتمد الفيدرالية أو أشكالاً موسّعة من اللامركزية، وقد أثبتت هذه النماذج فاعليتها، وتخلق استقراراً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً دائماً".

اللامركزية كضرورة وطنية ليست خياراً سياسياً

ومن جانبه، يرى الكاتب والناقد عبد الوهاب بيراني أن "الحديث عن اللامركزية في سوريا يبقى غير مكتمل في ظل غياب دستور يؤسّس بشكل واضح لنظام لا مركزي حقيقي"، مؤكداً "أن الأنظمة القومية والأحادية التي حكمت البلاد على مدار مئة عام اعتمدت جميعها المركزية الشديدة، ما أدى إلى تهميش البنية الثقافية والاجتماعية واللغوية المتعددة في سوريا".

وأشار بيراني إلى أن المجتمع السوري يتميز بتنوع قومي وديني وطائفي ولغوي فريد، قائم على تركيبة جغرافية وإثنية ودينية غنية، تُعد ركيزة أساسية لهوية سوريا الثقافية، وأكد أن استمرار النظام المركزي بقوانينه وإدارته يؤدي حتماً إلى الفشل، بينما يشكل النظام اللامركزي النهج الأمثل للحكم؛ لأنه يضمن حياة سياسية وثقافية مستقرة لكل السوريين.

وأضاف بيراني: "إن المركزية خلال العقود الماضية اعتمدت على الأجهزة العسكرية والاستخباراتية في إدارة الدولة، ما جعل البلاد أشبه بـ "سجن كبير"، في المقابل، يتيح النظام اللامركزي، تحقيق الثقة المتبادلة والأمن والتنمية الاقتصادية، عبر إنهاء سياسات التهميش وتحقيق العدالة بين جميع المناطق دون استثناء".

وفي الجانب الأمني، أكد بيراني أن وجود قوات محلية شعبية من أبناء كل منطقة لتولي مهام الحماية، يشكل ضمانة حقيقية لأمن واستقرار المجتمع، ويعزز الشعور بالانتماء والمسؤولية المشتركة.

واختتم عبد الوهاب بيراني حديثه بالتأكيد على أن اللامركزية هي الخيار الأكثر حيوية والمدعوم من مختلف شرائح الشعب السوري، لأنها وحدها الكفيلة بضمان حقوق جميع المكوّنات، وفتح الأبواب أمام بناء سوريا ديمقراطية تعددية.

اللامركزية خيار حتمي لضمان الحقوق

وبدورها، أكدت عضوة مكتب القانون في المجلس الاجتماعي الأرمني، زينب محمد، أن اللامركزية باتت ضرورة في المرحلة الحالية التي تمر بها سوريا، مشيرة إلى أن الشعب السوري يعيش تحت القمع وحرمان الحقوق منذ أكثر من 50 عاماً، وليس فقط خلال السنوات الـ 14 الأخيرة. وقالت إن حقوق السوريين كانت دائماً مسلوبة، وإن الوقت قد حان لإقامة نظام جديد "يحتوي الجميع" تحت سلطة واحدة، مع منح كل منطقة صلاحية إدارة شؤونها بنفسها.

وأوضحت زينب أن الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا تدير شؤون المنطقة منذ بداية الثورة، وقدّمت الكثير لشعبها، مؤكدة أن أهالي المنطقة يطالبون أيضاً باللامركزية وبكامل حقوقهم السياسية والاجتماعية، حتى لا تذهب دماء الشهداء الذين قدّموا التضحيات دفاعاً عن هذه الأرض هباءً.

وأضافت أن المرحلة الحالية تتطلب أن يعرف كل شخص حقوقه بعيداً عن القمع والخوف اللذين كانا سائدين في زمن النظام البائد، مشددة على ضرورة أن يعيش كل مواطن بكرامة، ويتمكن من التعبير عن رأيه دون خشية التعرّض للملاحقة أو التهديد واعتبرت أن هذه الأسباب مجتمعة تجعل من اللامركزية خياراً لا بديل عنه.

وانتقدت زينب محمد في ختام حديثها، الإعلان الدستوري الذي وضعتْه الحكومة الانتقالية في سوريا، مشيرة إلى وجود الكثير من الحقوق التي تم تمييعها أو إخفاؤها، وقالت: "نحن نرى ضرورة تغيير الدستور والاعتراف بحقوق الكرد ومناطق شمال وشرق سوريا عموماً".

(ح)

ANHA