كاتب سوري: تناقض صارخ بين الخطاب الرسمي التركي تجاه الكرد والممارسة العدائية

أكد الكاتب السوري ضياء إسكندر، أن السياسات التركية تجاه الكرد تعكس حجم التناقض الصارخ بين الخطاب الرسمي التركي الذي يرفع شعار "الأخوّة" وبين الممارسة العدائية على الأرض، موضحاً أنه كان الأجدر بتركيا الإصغاء لمبادرة القائد عبد الله أوجلان، وشدد على أن هناك خيارات عديدة متاحة للكرد في سوريا.

كاتب سوري: تناقض صارخ بين الخطاب الرسمي التركي تجاه الكرد والممارسة العدائية
الأربعاء 20 آب, 2025   02:30
مركز الأخبار
ميديا حنان

تتوالى سياسات الدولة التركية الازدواجية ضد الشعب الكردي، إذ تواصل خطاباتها المعادية للكرد في شمال وشرق سوريا، بينما تتحدث عن "أخوّة" مع الكرد داخل تركيا.

وعلى الرغم من مبادرة السلام والمجتمع الديمقراطي التي دعا إليها القائد عبد الله أوجلان، وتشكيل لجنة "التضامن الوطني والأخوّة والديمقراطية"، تواصل أنقرة ممارسة سياسة عدائية ممنهجة تهدف لمصادرة مصالح الكرد في المنطقة.

كما تماطل السلطات التركية في شمال كردستان بتنفيذ الاتفاقات المتعلقة بإنهاء الملاحقات الأمنية والسياسات القمعية ضد الكرد، ورفع العزلة المفروضة في إمرالي.

وعن الازدواجية في الخطاب التركي وسياساته تجاه الشعب الكردي، أجرت وكالتنا لقاءً مع الكاتب السوري ضياء إسكندر.

أشار إسكندر في مستهل حديثه، إلى السياسات التركية تجاه الكرد وازدواجيّتها في التعامل مع القضية الكردية، قائلاً إن "سياسة الدولة التركية تجاه شعب شمال وشرق سوريا، وفي مقدمتهم الكرد، تكشف عن تناقض صارخ بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية. فبينما ترفع أنقرة شعار 'الأخوّة' بين الشعبين، نرى على الأرض سياسات عدائية ممنهجة تتجسد في التهديدات العسكرية المتكررة، ودعم جماعات مسلحة لزعزعة الاستقرار، وفرض سياسات تغيير ديمغرافي، إلى جانب التضييق على الحريات".

وأوضح أن "هذا التناقض لا يُفهم إلا في سياق الرؤية الأمنية الضيقة التي تتبنّاها الدولة التركية تجاه القضية الكردية، حيث تُعامل أي تجربة ديمقراطية أو تعددية في الجوار السوري بوصفها تهديداً وجودياً، لا فرصة للتعاون أو التفاهم. فهي تخشى أن يشكّل نجاح هذه التجربة نموذجاً مُلهِماً لملايين الكرد داخل تركيا، ما يفضح هشاشة مقولة "الأخوّة" التي تروّج لها، كما أن الحديث عن الأخوّة وسط القصف والتجريف الديمغرافي ليس سوى محاولة لتجميل صورة سياسية لا تنسجم مع الواقع. فالأخوّة الحقيقية لا تُبنى على الإنكار والإقصاء، بل على الاعتراف والاحترام المتبادل، وهو ما تفتقر إليه السياسات التركية الراهنة".

ورأى إسكندر أن "إمكانية تطوير الديمقراطية في تركيا وحماية حقوق الكرد، داخل البلاد وخارجها، تظل محدودة ما دامت الذهنية الحاكمة تُقارب المسألة الكردية من منظور أمني لا حقوقي، فالديمقراطية لا تُجزّأ، ولا يمكن أن تُزهر في الداخل بينما تُقمع في الخارج. حين تُمارس الدولة سياسات عدائية تجاه شعوب الجوار، وتُشيطن أي تجربة حكم ذاتي أو تعددية ثقافية، فإن ذلك يعكس أزمة بنيوية في فهمها للديمقراطية نفسها".

وأكد أن "العدالة لا تُبنى على ازدواجية المعايير، ولا يمكن الحديث عن حماية حقوق الكرد داخل تركيا بينما يُنظر إليهم خارجها كتهديد يجب احتواؤه أو القضاء عليه. هذه المفارقة تُضعف مصداقية الخطاب الديمقراطي، وتُكرّس منطق الهيمنة بدلاً من منطق الشراكة، وأن أي مشروع ديمقراطي حقيقي في تركيا يجب أن يبدأ أولاً بإعادة تعريف العلاقة مع الكرد، ليس بوصفهم "مشكلة أمنية"، بل بوصفهم شركاء في الوطن والتاريخ والمستقبل. كما يجب أن يمتد هذا الاعتراف إلى سياسات الجوار، حيث يُصبح احترام إرادة الشعوب في سوريا والعراق جزءاً من أخلاقيات الدولة، لا استثناءً يُدار بالمدافع والطائرات".

مبادرة القائد عبد الله أوجلان ومسار الحل السياسي

وعن المطلوب من تركيا، قال: "كان الأجدر أن تُصغي إلى مبادرة القائد عبد الله أوجلان الداعية إلى السلام والمجتمع الديمقراطي، بوصفها فرصة تاريخية لإنهاء عقود من الصراع وفتح باب لمصالحة حقيقية مع الكرد، بدلاً من السياسات العدائية التي لم تجلب لها سوى العزلة والتوتر، فالمطلوب أولاً هو الاعتراف بحقوق الكرد في تركيا، عبر إلغاء القوانين التمييزية، وضمان التمثيل السياسي، والاعتراف بالهوية الثقافية واللغوية. لأن الديمقراطية لا يمكن أن تُصدَّر إلى الخارج وهي مهدومة في الداخل كما ينبغي لأنقرة أن تعترف بحقوق الشعوب المجاورة، وفي مقدمتهم الكرد، في تقرير مصيرهم السياسي والثقافي دون وصاية أو تدخّل. وهذا الاعتراف يعني القبول بالتنوع بوصفه مصدر قوة لا تهديد".

وأردف: "عوضاً عن منطق الهيمنة، فإن تبنّي نهج الشراكة والحوار مع القوى الديمقراطية في شمال وشرق سوريا سيكون أكثر جدوى من دعم جماعات مرتزقة أو استخدام القوة العسكرية كأداة تفاوض، ويتطلب هذا النهج أيضاً سياسة خارجية أخلاقية، ترى في استقرار الجوار مصلحة مشتركة، لا ساحة لتصفية الحسابات أو فرض النفوذ، وتبدأ الخطوة الأولى للتغيير من الداخل، بالتصالح مع المجتمع الكردي داخل تركيا الذي هو المدخل الطبيعي للتصالح مع المحيط الإقليمي، وعندما تدرك أنقرة هذه الحقيقة، يمكنها أن تتحول من دولة مأزومة إلى نموذج إقليمي ديمقراطي يُحتذى".

خيارات الشعب الكردي في سوريا

الكاتب السوري تحدث عن خيارات الشعب الكردي، قائلاً: "في ظل السياسات التركية العدائية، يمتلك الشعب الكردي في سوريا، خيارات جوهرية للدفاع عن حقوقه، أبرزها ترسيخ نموذج ديمقراطي شامل في شمال وشرق سوريا، وبناء تحالفات مع باقي المكونات، والحضور الفاعل في المحافل الدولية لتوثيق الانتهاكات والدفاع عن القضية. فالمظلومية وحدها لا تكفي، بل يجب أن تتحوّل إلى سردية قانونية وأخلاقية مؤثرة، مع تجنّب ردود الفعل غير المحسوبة التي قد تُستغل لتبرير التصعيد، كما يظل الاستثمار في الثقافة والهوية خياراً مقاوماً بصمت، لكنه عميق الأثر؛ لأن الشعوب التي تُحصّن ذاكرتها تُصعّب على الآخرين محوها، وتؤسس لقوة ناعمة مستدامة على المدى الطويل".

إسكندر ذكر أنه على الرغم من التوترات العميقة، يمكن تصور سيناريوهات لتحسين العلاقات بين تركيا والشعب الكردي في سوريا، شريطة أن تتغير بعض المعادلات الداخلية والإقليمية وتتوفر إرادة سياسية تتجاوز العقلية الأمنية، فإذا شهدت تركيا تغيراً سياسياً جوهرياً يتمثل في صعود قوى ديمقراطية تؤمن بالتعددية وحقوق الشعوب، فإن ذلك سينعكس بالطبع على سياستها الخارجية، بما في ذلك علاقتها مع الكرد؛ لأن الديمقراطية لا تبقى حبيسة الحدود، بل تُصدّر أخلاقياتها إلى الخارج.

كما يمكن أن تلعب القوى الإقليمية والدولية دور الوسيط بين تركيا والإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، خاصة إذا ارتبط ذلك بملفات أمنية مشتركة، كمكافحة الإرهاب وضبط الحدود، ما يخفف التوتر ويمهّد لتفاهمات تدريجية. وفي حال استقرت المنطقة وظهرت فرص اقتصادية مشتركة، مثل التجارة أو الطاقة أو إعادة الإعمار، فقد تُغري هذه المصالح تركيا بتبنّي سياسة أكثر براغماتية تعزز التعاون وتقلل من العدائية، من جهة أخرى، قد تؤدي الضغوط الدولية، خاصة من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، إلى تعديل سلوك تركيا وتبنّي خطاب أقل عدائية تجاه الكرد".

واختتم الكاتب السوري، ضياء إسكندر حديثه بالقول: "في النهاية، تظل هذه السيناريوهات رهينة الإرادة السياسية والقدرة على تحويل الألم التاريخي إلى فرصة لإعادة تعريف العلاقة، لا على أساس الهيمنة أو الخوف، بل على أساس الاعتراف المتبادل والعيش المشترك".

(أم)

ANHA