الإدارة الذاتية: نموذج حضاري للتشارك السياسي في مواجهة الإرهاب والاحتلال التركي

الإدارة الذاتية: نموذج حضاري للتشارك السياسي في مواجهة الإرهاب والاحتلال التركي
الخميس 30 كانون الثاني, 2025   07:20

في ظل الفوضى العارمة التي ضربت سوريا منذ عام 2011، برزت تجربة الإدارة الذاتية في شمال شرق البلاد كنموذج سياسي وإداري فريد، يسعى لتحقيق التوازن بين التنوع العرقي والديني، وبناء نظام حكم يضمن العدالة والمساواة. قادت القوى الكردية، بالتعاون مع العرب والسريان والتركمان، هذه التجربة التي اتسمت بالشمولية، لتصبح مثالاً يُحتذى به في منطقة عانت طويلاً من الاستبداد والطائفية. رغم نجاحاتها الملحوظة في مواجهة تنظيم داعش الإرهابي وتحرير مساحات واسعة من الأراضي السورية، فإن هذه التجربة تواجه تحديات مصيرية، أبرزها التدخل العسكري التركي المستمر، الذي يسعى لإفشال أي محاولة لبناء نموذج ديمقراطي يضمن التعددية ويحقق العدالة الاجتماعية.

 الإدارة الذاتية: نموذج للتشارك السياسي والتعددية

تأسست الإدارة الذاتية عام 2014 كحل عملي لإدارة المناطق التي انسحبت منها الحكومة السورية، وسط غياب أي هيكل سياسي بديل. تبنّت الإدارة مبدأ اللامركزية السياسية، مما سمح بمشاركة جميع المكونات العرقية والدينية في صنع القرار.

أسس ومبادئ الإدارة الذاتية:

1. اللامركزية: تعتمد الإدارة على توزيع السلطات بين المجالس المحلية والهيئات المركزية.

2. المساواة بين المكونات: يضمن تمثيل كل المجموعات العرقية والدينية في المؤسسات السياسية.

3. تمكين المرأة: تُعدّ حقوق المرأة ومشاركتها في القيادة من الركائز الأساسية للإدارة.

4. العدالة الاجتماعية: يتم توزيع الموارد بشكل عادل لضمان استفادة الجميع من التنمية.

الإدارة الذاتية ليست مجرد مشروع سياسي، بل هي انعكاس لرؤية تعتمد على قبول التنوع والعيش المشترك كوسيلة لبناء مجتمع مستقر ومتجانس.

 دور المرأة في الإدارة الذاتية: قيادة في الصفوف الأمامية

تمثل تجربة الإدارة الذاتية نموذجاً رائداً في تمكين المرأة، حيث تتولى المرأة أدواراً قيادية على جميع المستويات، من المجالس المحلية إلى القيادة العسكرية. تأسيس وحدات حماية المرأة YPJ كان خطوة تاريخية في تأكيد قدرة النساء على التصدي للإرهاب والإسهام في بناء مستقبل أفضل.

 إنجازات المرأة في الإدارة الذاتية

• السياسة: تشغل المرأة نصف المناصب القيادية في المجالس والمؤسسات.

• المجتمع: تقود النساء مشاريع التنمية وإعادة بناء المجتمعات المتضررة.

• العسكر: أسهمت النساء بشكل كبير في تحرير مدن مثل الرقة وكوباني.

هذا التوجه لم يكن مجرد إجراء رمزي، بل هو قناعة راسخة بأن تمكين المرأة ضروري لتحقيق العدالة والمساواة في مجتمع متعدد الثقافات والقوميات.

 محاربة الإرهاب: وحدات حماية الشعب نموذجاً

لعبت قوات وحدات حماية الشعب YPG ووحدات حماية المرأة YPJ دوراً أساسياً في تحرير شمال شرق سوريا من قبضة تنظيم داعش. بفضل تضحيات هذه القوات، تحولت المنطقة إلى مركز للاستقرار النسبي وسط الفوضى.

 إنجازات عسكرية بارزة

• تحرير كوباني (2015): مثلت مقاومة كوباني رمزاً للصمود العالمي في وجه داعش. حيث قدم مشروع الإدارة الذاتية عبر المؤسسة العسكرية لأكثر من 12500 شهيد من خيرة أبناء وبنات هذه المنطقة التي تدافع وتكافح من أجل الحرية.

• تحرير الرقة (2017): كانت هذه العملية نقطة تحول في الحرب ضد الإرهاب.

• التعاون مع التحالف الدولي: أسهم الدعم اللوجستي الذي قدمه التحالف الدولي في تعزيز قدرات الوحدات العسكرية.

 الخطر التركي: تهديد التجربة الديمقراطية

على الرغم من نجاحاتها، تواجه الإدارة الذاتية تهديداً وجودياً من تركيا، الذي يستهدف الحجر والإنسان عبر إعلانها حالة حرب غير مبررة تحت ذريعة محاربة الإرهاب والتي شنت ثلاث هجمات عسكرية رئيسة لاحتلال مناطق في شمال سوريا:

في (2016) احتُلت مناطق مثل جرابلس والباب. وفي (2018) أدت إلى تهجير مئات الآلاف من سكان عفرين، وفي (2019) استهدفت مناطق رأس العين وتل أبيض.

 الجرائم التركية ومرتزقتها

• تهجير السكان: نزح عشرات الآلاف بسبب العمليات العسكرية التركية.

• التغيير الديموغرافي: تسعى تركيا إلى توطين عائلات موالية لها في المناطق المحتلة.

• العنف ضد النساء: وثقت منظمات حقوقية حالات اغتصاب وعنف جنسي ضد نساء من المنطقة.

ومحو التراث والثقافة الكردية في المدن التي دخلت إليها ومنع اللغة الكردية وملاحقة الشباب بتهمة الانضمام إلى منظمات تسميهم هي إرهابيين، في حين أن تركيا هي من تنفذ كل السلوكيات الإرهابية بحق الشعب الكردي الأعزل في شمال شرق سوريا ذات الغالبية الكردية.

 الحوار الوطني: ضرورة ملحّة لضمان الاستقرار

إن تحقيق الاستقرار في شمال وشرق سوريا يتطلب حواراً وطنياً شاملاً بين جميع المكونات السورية. يجب أن يكون هذا الحوار قائماً على الاعتراف بالتنوع القومي والديني لسوريا كبلد متعدد الثقافات، ووضع عقد اجتماعي جديد يضمن حقوق الجميع في إطار دستور يعبر عن هذا التنوع.

 عوامل النجاح في الحوار الوطني

1. قبول الآخر: بناء ثقافة سياسية قائمة على التسامح والعيش المشترك.

2. الاعتراف بالحقوق القومية: ضمان حقوق الكرد والعرب والسريان وجميع الأقليات.

3. صياغة دستور جديد: يتضمن مبادئ اللامركزية والمساواة بين الجنسين.

4. تعزيز العدالة الاجتماعية: توزيع الموارد الوطنية بشكل عادل لجميع المناطق.

 ختاماً صياغة مستقبل متعدد الثقافات

تُعد الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا نموذجاً حضارياً لإدارة التنوع وبناء مجتمع متعدد الثقافات والقوميات. في مواجهة التحديات المتزايدة، من الإرهاب إلى الاحتلال التركي، تحتاج هذه التجربة إلى دعم دولي وإقليمي لحمايتها وتطويرها. على السوريين تبني نهج الحوار الوطني كوسيلة لبناء سوريا المستقبل، سوريا التي تعترف بتنوعها وتُعزز حقوق جميع مكوناتها. إن صياغة دستور جديد يعكس هذا التعدد ويضمن العدالة والمساواة هو المفتاح لضمان استقرار دائم.

الإدارة الذاتية تمثل أملاً في بناء مجتمع عادل وديمقراطي. حمايتها ودعمها واجب على كل من يسعى لتحقيق السلام والعدالة في منطقة الشرق الأوسط.

 أزاد خليل- كاتب وباحث سياسي