ذكرى اعتقال مؤسس مشروع "الأمة الديمقراطية" وأهمية إحياء العرب والكرد لهذا المشروع - فريناز عطية

ذكرى اعتقال مؤسس مشروع "الأمة الديمقراطية" وأهمية إحياء العرب والكرد لهذا المشروع - فريناز عطية
الأحد 5 شباط, 2023   21:36

أيام قليلة، ونحي ذكرى طالما اعتصرت قلوب الكرد وقلوب كل محبي السلام والعدالة والديمقراطية؛ وهي الذكرى 24 لاختطاف السيد عبدالله أوجلان؛ رمز القضية الكردية وصاحب المشروع الأكبر للسلم والتعايش في الشرق الأوسط والعالم ككل دون مبالغة المتمثل بمشروع "الأمة الديمقراطية"، حيث اُختطف من كينيا على يد الاستخبارات التركية بمعاونة الجانب الأميركي ومن ثم إرساله إلى تركيا واعتقاله في جزيرة إمرالي تحت وطأة العزلة المحكمة في محاولة؛ لكسر القضية الكردية وطمس ملامحها والقضاء على أنصارها، وكذلك محاصرة أفكار السيد أوجلان وقتلها داخل أسوار إمرالي وأد حركة النضال الكردي ضد إرهاب الدولة التركية، التي لاتزال تتعقب الكرد بالقمع والاضطهاد وتدمير بيوتهم وقتلهم؛ بحجة تعقب الإرهابيين والحفاظ على أمن وسلامة الحدود التركية.

 ويذكر أن المشكلة الكردية تعود إلى أولى أيام قيام الجمهورية التركية الحديثة عام 1923، ومنذ ذلك التاريخ عانى الكرد من التهميش من قبل الحكومات المتعاقبة في تركيا، حتى وصل حزب العدالة والتنمية إلى الحكم نهاية عام 2002 وهو يضم أكثر من 80 نائباً كردياً، وعمل الحزب على طرح القضية الكردية للمناقشة في محاولة للبحث عن حل لمشكلة، استنزفت كثيراً من دماء الشعب التركي وأمواله خلال أكثر من ربع قرن، وأعلنت حكومة الحزب عام 2009 مبادرة ديموقراطية؛ للانفتاح على الأقليات في البلاد، الهدف الأساسي فيها قومية الكرد التي يبلغ تعدادها أكثر من 15 مليون، ولكن المبادرة كانت شكلية وفاشلة؛ لأنها لم تحقق دمجاً حقيقياً للكرد وظلوا مستهجنين ومهمشين من قبل الدولة التركية، بل أن الأمر ازداد سوءاً وأصبحت النظرة الموجهة للكرد هي نظرة التشكيك في نواياهم بشكل دائم وفي ولائهم، واعتبارهم ليسوا إلا مواطنين من المستوى الثاني، وازداد الأمر سوءاً حيث أصبحوا يعاملونهم على أنهم شوكة في ظهر المجتمع التركي ومصدر دائم للقلاقل والاضطرابات الأمنية والعمليات الإرهابية.

وهنا تكمن الحقيقة في محاولة تركيا الدؤوبة التنكيل بالكرد حتى لا يطالبون بحقوقهم المشروعة وفي رغبة منها؛ لإنهاء القضية الكردية وتصفيرها لصالح الأطماع والمصالح التركية السياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط، وذلك للأسف؛ بدعم من عدد من الدول الغربية والإقليمية ذات مصلحة ملحة في استمرار مظلومية الكرد وإنهاء طموحاتهم في العيش بحرية وسلام على قدم المساواة مع غيرهم من القوميات في أوطان آمنة.

 ويتضح ذلك جلياً في سلوك الدولة التركية، تجاه الكرد في شمال وشرق سوريا وشمال العراق في ضرب المدنيين وتشريدهم وملاحقتهم وسط صمت دولي وعربي وإقليمي تام إلى جانب ما ترتكبه تركيا من توسع على حساب الكرد في شمال سوريا واحتلال مناطق بعينها كعفرين ومحاولة انتزاعها من الوطن الأم وتجريفها ونهب خيراتها وثرواتها وطمس ثقافتها وسرقة آثارها وممارسة العنف والتهجير القسري والتغيير الديموغرافي ضد أهلها الكرد.

ومن هذا المنطلق، نجد أننا بصدد مشروع تركي توسعي ينتهز انشغال العالم بأزمات بعينها كالأزمة الأوكرانية وتداعياتها السياسية والدور البراغماتي الذي تسعى تركيا للعبه بين أطياف الأزمة لتخرج بما تستطيع أن تجنيه من مصالح سياسية واقتصادية؛ لتغيير الأوضاع الجيوسياسية على أرض الواقع لصالحها، ومما يفرض على الجانبين العربي والكردي نوعاً من التضامن والتعاون للوقوف في وجه المشروع التوسعي التركي ومحاولة التصدي له، وفهم مقصد القضية الكردية وتجريدها مما لحق بها من شبهات ودعاوى إرهابية وانفصالية من الجانب التركي؛ لخلق حاجز نفسي وأمني وفزاعة كردية؛ لتهديد الشعوب العربية بحيث يرون في الكرد مصدر تهديد لقوميتهم العربية، وهذا على نقيض الواقع فالكرد إضافة للوطن العربي الذي يعيشون فيه وليسوا خصماً منه.

 لذا لا بد من فهمهم لقضيتهم بدقة ودراستهم للواقع السياسي الذي يعيشونه وأن يفهموا ذاتهم والمقدرات التي يمتلكونها وينبغي أن يدرك العرب والكرد أن مصيرهم مشترك ولديهم قيم وتاريخ ومقدرات وثروات مشتركة وأوطان مشتركة لا بد أن يحموها ويدافعوا عنها في إطار" الأمة الديمقراطية"؛ وهو المشروع الذي طرحه السيد أوجلان، وليس من خلال المفهوم الضيق "للدولة القومية"، فمشروع الأمة الديمقراطية؛ يخدم البلاد من الناحية الاقتصادية بحيث يعمل على دعم اللا مركزية ويعزز من القدرة الاقتصادية للمحليات وهو ما نحتاجه في بلادنا وواقعنا المعاصر، لا سيما في الدول العربية التي أرهقت هياكلها الاقتصادية الأزمات.

 ومن جانب آخر، فإن نموذج الأمة الديمقراطية؛ يوفر نموذجاً ناجعاً في التصدي للعصبيات والنعرات الطائفية، ويقدم صورة مشعة للديمقراطية والمواطنة والتعايش السلمي الذي يفضي للاستقرار، كما أنه يعزز من حرية المرأة ومكانتها ويعزز من تمكينها الاجتماعي والسياسي و الاقتصادي وهذا مطلب رئيسي تحتاج أن تدعمه المجتمعات العربية والشرق أوسطية وتحتاجه، وهنا يتجلى بشدة للعيان أن مصلحة العرب والكرد تتداخل وتتقاطع ولا تتعارض!

الناشطة السياسية المصرية والدكتورة في العلوم السياسية، فريناز عطية