تعثر مسار التطبيع المصري - التركي.. خلاف مؤقت أم عودة لمرحلة القطيعة

تواجه مساعي الدولة التركية الفاشية لتطبيع علاقاتها مع مصر العديد من الصعوبات والمعوقات في ظل رفض القاهرة التقارب معها دون وجود تغيير حقيقي في سياسات الأخيرة وممارساتها بليبيا التي تعتبرها مصر تهديد واضح لأمنها القومي، فهل وصلت هذه المساعي إلى طريق مسدود؟

تعثر مسار التطبيع المصري - التركي.. خلاف مؤقت أم عودة لمرحلة القطيعة
الجمعة 11 تشرين الثاني, 2022   01:40
القاهرة - محسن المصري

وعلى الرغم من قيام دولة الاحتلال التركي بالكثير من المبادرات لتطبيع العلاقات بين البلدين، لعل أبرزها وقف عدد من القنوات الإخوانية التي كانت تهاجم الدولة المصرية من تركيا، فضلاً عن التضييق على قادة وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين ودفعهم للخروج من تركيا، إلا أن ذلك لم يكن مقنعاً للقاهرة بشكل كامل في ظل استمرار السياسات التركية في ليبيا دون تغيير.

وقف مباحثات التطبيع

وأعلن وزير الخارجية المصري سامح شكري، الجمعة 28 تشرين الأول/أكتوبر عن توقف الجلسات الاستكشافية المشتركة بين بلاده وتركيا بعد انعقاد جولتين منها، معللاً ذلك بأنه "لم يطرأ تغيير على ممارسات الجانب التركي في ليبيا".

الموقف المصري جاء رداً على توقيع دولة الاحتلال التركي مذكرة تفاهم جديدة في طرابلس مع حكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها برئاسة عبد الحميد الدبيبة بشأن التنقيب عن الغاز والنفط في مياه البحر المتوسط وهي الاتفاقية التي أثارت غضب مصر واليونان.

وكانت دولة الاحتلال التركي قد سعت مؤخراً لترميم علاقاتها مع عدد من الدول العربية وفي مقدمتها مصر بعد مرحلة من الصراع والقطيعة بين البلدين بسبب الموقف التركي من سقوط حكم الإخوان في مصر، ودعمه الجماعة التي أعلنتها السلطات المصرية تنظيماً إرهابياً.

وسبق أن أعلن رئيس دولة الاحتلال التركي، رجب طيب أردوغان، أنه لا مانع من إقامة اتصالات ولقاءات على مستوى رفيع مع مصر، معتبراً أن لقاءات تحسين العلاقات مع مصر مستمرة، ولا عوائق كبيرة تمنع ذلك.

ويرى مراقبون أن دولة الاحتلال التركي تريد التقارب مع القاهرة دون أي التزام أو توقف عن سياسات تعارضها القاهرة خاصة في الملف الليبي الذي يمثل أهمية خاصة للنظام المصري.

وبحسب خبراء، فإن استمرار سياسات دولة الاحتلال التركي في ليبيا دون مراعاة لموقف دول الجوار الليبي وفي مقدمتهم مصر قد يعيد العلاقات بين أنقرة والقاهرة لمرحلة القطيعة.

ويرى آخرون أن التصريحات الرسمية المصرية مجرد محاولة للضغط على دولة الاحتلال التركي لتحقيق بعض المكاسب في الملف الليبي وأن الأمر ليس إلا مجرد خلاف مؤقت سرعان ما يزول نظراً لحاجة القاهرة وأنقرة لبعض.

مؤشرات على عودة القطيعة

https://www.hawarnews.com/ar/uploads/files/2022/11/10/165236_iyad-almjaly.png

خبير العلاقات الدولية بجامعة مؤتة الأردنية، الدكتور إياد المجالي، يرى أنه" مع تنامي تقاطع وتهديد المصالح بين أنقرة والقاهرة سواء كان في شرق المتوسط أو في ليبيا تحديداً فإن نقاط التوافق تتلاشى أمام استراتيجية أنقرة في التعاطي مع ملفات اقتصادية وأمنية وسياسية مشتركة مع القاهرة، وهو الأمر الذي يقضي إلى إيقاف حركة التطبيع التي بدأت مع نظام أردوغان بعد قطيعة وتوتر بين البلدين دامت لعقد من الزمن".

وأوضح المجالي لوكالتنا، أن "مبررات المصالح ودوافع التعاون بين القاهرة وأنقرة طغت في حقبة البحث عن تطبيع، يعيد مسار هذه العلاقات إلى جادة الصواب؛ لخلق آفاق اقتصادية وتعاون مشترك لتعود إلى التباطؤ في وتيرة هذا التطبيع استجابة لنقاط الخلاف العميقة في الملفات المشتركة على المسرح الليبي والتدخل التركي في المشهد السياسي الليبي خاصة مع تسارع الأحداث في ليبيا على المستوى السياسي والعسكري والاقتصادي".

ليبيا بين التدخل التركي والمصري

وأشار إلى أن "التدخل التركي في ليبيا قد شكل حضوراً مفخخاً للأوضاع الأمنية والسياسية في الأزمة التي تزداد تعقيداً مع تنامي الدعم التركي للانشقاق والتعقيد بين أطراف المعادلة السياسية الليبية".

وحسب المجالي فإنه "على العكس من موقف وسياسة أنقرة يأتي تعاطي القاهرة مع الأزمة الليبية حيث تدعم جميع التوافقات والمبادرات التي تفضي إلى حل سياسي للأزمة بعيداً عن العنف والصراع ورفض التدخل الخارجي".

 ولفت المجالي إلى أن "الإستراتيجية المصرية تعاطت مع الأزمة الليبية وفق منظور أمني وسياسي يحول دون استمرار الصراع والفوضى والإرباك بين أطراف النزاع، سواء بين مجلس النواب المنعقد في طبرق أو المؤتمر الوطني العام في طرابلس".

ووفق المجالي فإنه "بهذا الإطار من المساعي لكلا الطرفين التركي والمصري، يتجدد الخلاف حول تمدد أنقرة وتوسعها في السيطرة على طرف سياسي داعم لحكومة الدبيبة بحثاً عن مصالح أعمق وأكثر من الثروات النفطية الليبية وفرض سطوتها على صنع القرار السياسي المؤدلج عقائدياً في ليبيا، الأمر الذي يزيد من حالة الانقسام والتفكك داخلياً".

ويرى أنه" مع تنامي حاجة كل من أنقرة والقاهرة لإعادة تطبيع العلاقات ورغبة مؤسسات صنع القرار في كلا البلدين في تحقيق ذلك يسعى الطرفان إلى إعادة مناقشة الملفات المشتركة على المستويين الداخلي والخارجي، مشيراً إلى أن ممارسات أنقره في ليبيا تعد من أكبر المعوقات التي تحد من خطوات هذا التطبيع وعودة العلاقات السياسية والاقتصادية إلى سابق عهدها وفق منظومة المصالح المشتركة".

 وشدد على أن "السياسات التركية في ليبيا دفعت القاهرة لتعليق مباحثاتها مع الجانب التركي والعودة مجدداً إلى حالة التوتر والعداء مع أنقرة وسط مؤشرات على عودة القطيعة بين الطرفين حال استمرار نظام أردوغان في دعمه لحكومة الدبيبة في ليبيا".

ويعتقد المجالي "تصريحات وزير الخارجية المصري تعتبر ضغط صريح وواضح على أنقرة من أجل العودة عن ممارساتها في ليبيا إذا أرادت عودة العلاقات مع القاهرة".

خلافات مؤقتة

https://www.hawarnews.com/ar/uploads/files/2022/11/10/165138_alaa-farwq.jpg

من جانبه، يرى الباحث المصري في العلاقات الدولية، علاء فاروق، أن "الأزمة بين مصر وتركيا حول ليبيا رد فعل لقيام تركيا بتوقيع عدد من الاتفاقيات مع حكومة عبد الحميد الدبيبة في ليبيا والتي تعتبرها القاهرة حكومة غير شرعية".

وأوضح فاروق لوكالتنا أن "تصريحات وزير الخارجية المصري حول توقف المفاوضات بين القاهرة وأنقرة لا يعني بالضرورة عودة الصدام بين الطرفين، فالأمر جزء من سياسة الضغط من أجل تحقيق أكبر قدر من المصالح بالمنطقة خاصة في الملف الليبي".

ويشير إلى أن "التصرفات المصرية المتكررة حيال حكومة الدبيبة سواء انسحاب الوفد المصري من اجتماع مجلس الجامعة العربية بالقاهرة أو المشادات بين سامح شكري ونجلاء المنقوش وزير خارجية حكومة الدبيبة خلال قمة الجزائر يعتبر أمراً طبيعياً في ظل اعتراض القاهرة على سياسات حكومة الدبيبة واتفاقياتها مع تركيا؛ كون هذا الأمر يخالف ما نصت عليه اتفاقية جنيف التي أتت بحكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي باعتبار أن الحكومة لا يحق لها توقيع اتفاقيات طويلة المدى، فضلاً عن أن القاهرة ترى أن حكومة الدبيبة انتهت مدتها قانونياً بنص اتفاقية جنيف التي حددت فترة عمل الحكومة حتى 24 كانون الأول / ديسمبر 2021 بعد إجراء الانتخابات ولكن الدبيبة يتحجج بأن الانتخابات لم تتم وبالتالي يجب أن تستمر الحكومة حتى إجراءها وهو ما تعارضه القاهرة".

وقال فاروق إن: "مصر أصبح لها موقف رسمي وصعّدت ضد حكومة الدبيبة واعترفت بشكل رسمي بحكومة فتحي باشاغا في سياق الضغط الذي تمارسه على الغرب الليبي عامة وتركيا خاصة؛ كونها من تسببت في تلك الأزمة".

وعن احتمالية عودة العداء المصري - التركي مرة أخرى على خلفية الأزمة الحالية، يشير فاروق، إلى أن "الأوضاع الدولية والإقليمية لا تسمح بأي عداء في المنطقة"، معتبراً أن "الأمر كله خلاف مؤقت جداً وضغوطات مختلفة والمصالح والتخوفات والأوضاع الاقتصادية ستجبر القاهرة وأنقرة على التفاوض لا التصادم".

(ي ح)

ANHA