لماذا لا يتم فرض حظر جوي على شمال وشرق سوريا ؟

يطالب أبناء شمال وشرق سوريا، منذ أعوام، بضرورة فرض حظر جوي أمام الطائرات التركية التي تقتل الشعب السوري، إلا أن مجلس الأمن والقوى الدولية، وكعادتها، لم تصغ لتلك المطالب. ويؤكد الكاتب والباحث السياسي حسين عمر أن الدول الإقليمية ربطت إنهاء المقتلة السورية بتحقيق أهدافها ومصالحها؛ لذلك لا يتم الإصغاء إلى الشعب.

لماذا لا يتم فرض حظر جوي على شمال وشرق سوريا ؟
الجمعة 8 تموز, 2022   00:28
مركز الأخبار- أكرم بركات   

يُعد حظر الطيران أحد أشكال العقوبات التي يفرضها مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، والذي يتألف من 15 دولة، منها الأعضاء الدائمون وغير الدائمين، والدول دائمة العضوية هي خمسة دول وهي: (الصين، وفرنسا، والاتحاد الروسي، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة) ويتم الحظر بتصويت أغلبية الأعضاء، إذا لم تستخدم أي من الدول دائمة العضوية حق النقض (الفيتو).

فرض حالة حظر الطيران في السياق العسكري، يتم عبر تصميم منطقة حظر الطيران لمنع الطائرات من دخول المجال الجوي المحظور، لمنع الهجمات الجوية، ويتم ذلك عسكرياً أو باستخدام نظام مراقبة أو تنفيذ ضربات استباقية ضد الأنظمة الدفاعية في المنطقة، كما يمكن إسقاط الطائرات التي تدخل إلى المنطقة المحظورة أيضاً.

نماذج حالة فرض حظر الطيران

وفرض حالة حظر الطيران في ليبيا لم تكن الأولى، بل طُبّق لأول مرة بداية التسعينات من القرن الماضي بعد انتهاء حرب الخليج الثانية عام 1991، حيث شاركت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وتركيا في فرض حظر جوي على جنوب كردستان بذريعة منع نظام صدام حسين من شنّ هجمات كيميائية. وانتهى الحظر مع بداية الغزو الأميركي للعراق عام 2003. كما أصدر مجلس الأمن الدولي قراراً مشابهاً في أيار 1992 بفرض حظر جوي في يوغسلافيا خلال حرب البوسنة والهرسك والتي استمرت من آذار/ مارس 1992 حتى نوفمبر 1995. واستعين بحظر الطيران في ليبيا بداية التسعينات بعد اتهام مواطنين ليبيين بالمشاركة في تفجير طائرة أميركية فيما عرف بقضية لوكربي.

وعقب اندلاع الأزمة السورية، واحتلال العديد من المناطق السورية، بدءاً من جرابلس وإدلب وإعزاز والباب وصولاً إلى عفرين وكري سبي وسري كانيه، طالبت مكونات وأحزاب سياسية وتنظيمات اجتماعية ومدنية بضرورة فرض حظر جوي على شمال وشرق سوريا، وأولى تلك المطالب كانت عقب شن جيش الاحتلال التركي هجوماً على مقر القيادة العامة لوحدات حماية الشعب والمرأة في قرية قره جوخ التابعة لمنطقة ديرك في إقليم الجزيرة في 25 نيسان 2017، وأدى إلى استشهاد عدد من أعضاء وقياديي الوحدات التي كانت تحارب مرتزقة داعش في عمق مدينة الرقة، إلا أن المجتمع الدولي ومجلس الأمن لم يحركا ساكناً.

وطالب مرة ثانية أبناء شمال وشرق سوريا المجتمع الدولي ومجلس الأمن بضرورة فرض حظر الطيران عقب اتفاقية مقايضة تمت بين تركيا وروسيا التي فتحت الأجواء أمام تركيا لشن عدوان ضد عفرين في 20 كانون الثاني 2018، وللمرة الثالثة في 9 تشرين الأول عام 2019 أثناء شن الجيش التركي هجمات ضد كري سبي وسري كانيه، وتتالت مطالب أبناء شمال وشرق سوريا دون تحرك دولي.

وبعد احتلال تركيا لكل من عفرين وسري كانيه وكري سبي شن وبشكل مكثف هجمات عبر الطائرات المسيّرة والحربية ضد عموم سكان شمال وشرق سوريا، من الإداريين والسياسيين والوجهاء والوطنيين، واستشهد على إثرها العشرات من أبناء المنطقة وقياديي وأعضاء قوات سوريا الديمقراطية، كأمثال الشهيد يوسف كلو وحفيديه  ونائب الرئاسة المشتركة للإدارة الذاتية فرهاد شبلي في منطقة كلار في باشور في 17 حزيران الفائت، والقيادية في قوات سوريا الديمقراطية مزكين كوباني التي استشهدت جراء هجوم بطائرة مسيّرة تركية في الثاني من شهر تموز الجاري.

ففي 28 حزيران، طالبت 33 حزباً وقوة سياسية في شمال وشرق سوريا التحالف الدولي لمحاربة داعش والاتحاد الروسي بفرض حظر جوي على شمال وشرق سوريا؛ لمنع الجرائم التركية. عقب تهديدات أطلقها رئيس دولة الاحتلال التركي أردوغان في 27 حزيران الفائت، عشية انعقاد قمة حلف الشمال الأطلسي في العاصمة الإسبانية مدريد. كما تم تسليم طلب رسمي بذلك لمكتب الأمم المتحدة في مدينة قامشلو.

ووفق ميثاق الأمم المتحدة، فإن مطالب أبناء شمال وشرق سوريا محقة، حيث ينص الفصل السابع والمؤلف من 13 مادة وهي (39-40-41-42-43-44-45-46-47-48-49-50-51)، بأنه يجوز مجلس الأمن أن يتخذ عن طريق القوات الجوية والبحرية والبرية من الأعمال ما يلزم لحفظ السلم والأمن الدولي أو لإعادته إلى نصابه. ويجوز أن تتناول هذه الأعمال المظاهرات والحصر والعمليات الأخرى بطريق القوات الجوية أو البحرية أو البرية التابعة لأعضاء "الأمم المتحدة".

لماذا لا يتم فرض حظر جوي على شمال وشرق سوريا؟

القوى الدولية وحتى مجلس الأمن والأمم المتحدة تتبع ازدواجية في معاييرها، حيث تؤكد في مواثيقها أن الهدف الأساسي من تأسيس الأمم المتحدة منع الحروب، وحفظ حقوق الإنسان، وتقديم المساعدات الإنسانية، وتعزيز التنمية المستدامة، إلا أنها لا تستجيب لمطالب شعب شمال وشرق سوريا، بل تتحرك وفق المصالح الدولية ضد المصالح الشعبية؛ ففي جنوب كردستان وبعد إعلان حالة حظر شُكّل أول برلمان بين حزب الاتحاد الوطني والديمقراطي الكردستاني عام 1992، وكان أول قراره إعلان الحرب ضد حزب العمال الكردستاني الذي يمثل تطلعات الشعب الكردي والكردستاني، وتحويل الكيان الموجود في جنوب كردستان إلى كيان تابع للقوى الإقليمية والدولية كما هو الحال الآن، حيث يتحرك وفق تعليمات وأوامر دولة الاحتلال التركي التي هي عضو في حلف الناتو، التي معظم أعضاء من مؤسسي ميثاق الأمم المتحدة ومنظمة حقوق الإنسان، وأعضاء في مجلس الأمن.

ويؤكد الكاتب والباحث السياسي حسين عمر أن مطالب الشعوب لا تؤثر على القرارات الدولية، وقال: "لم تكن مطالبات الشعوب لها تأثير على القرارات الدولية، على الرغم من مشروعيتها وخاصة في الظروف والأوضاع التي نعيشها في الوطن المسمى سوريا، هذا الوطن المتشظي والذي أصبح ساحة مفتوحة للصراعات الدولية والإقليمية لرفض النظام التصالح مع الشعب، وبالتالي أدى استبداده إلى حالة من رفض ممارساته وسلوكه والهروب منه بسبب استخدامه العنف المفرض ضد من عارضه ويعارضه".

الدول الإقليمية ربطت إنهاء المقتلة السورية بتحقيق أهدافها ومصالحها

أشار حسين عمر إلى التدخلات الخارجية في سوريا، وقال: "لهذا تدخلت مجموعة من الدول الإقليمية والعالمية، وأسست على رقعة أرضها قواعد عسكرية من الصعب التكهن بتوقيت خروجها، ولوجود أربع احتلالات متناقضة المصالح ومختلفة الرؤى، هذه القوى التي ربطت إنهاء المقتلة السورية بتحقيق أهدافها ومصالحها ولهذا لا أحد يصغي إلى المطالب المشروعة للشعب السوري من أجل حمايته من الجهات التي تقتله وتحتل أراضيه وتشرده".

وسلط عمر الضوء على ازدواجية وتأثير المصالح الدولية على القرارات الأممية والدولية، وقال: "يجب التذكير هنا أن لا وجود للتشابه بين المرحلة التي فرضت فيها الحظر الجوي على جنوب كردستان وبين منطقة روج آفا، هناك كانت القوى العالمية متفاهمة على دعم الشعب العراقي ضد نظام صدام حسين، وكانت المعارضة العراقية بكل توجهاتها العربية والكردية طالبت بتطبيق الحظر لوجود أغلب كوادرها في كردستان، ولوجود اتفاق لندن بين كافة أطياف المعارضة لمحاربة النظام والاتفاق على أن يكون العراق القادم اتحاد فيدرالي، كما أن روسيا حينها كانت تحاول كسب رضى أميركا والغرب والصين، ولم تكن في وارد المعارضة، وكذلك أغلبية الدول العربية ساندت المعارضة العراقية وكانت هناك دولة وهي فرنسا تبنّت تقديم المشروع إلى مجلس الأمن وهو ما لن تقوم به بخصوص روج آفا، لأسباب كثيرة أولها إنها تعلم بأن المشروع سيصطدم بالفيتو الروسي والصيني على حد سواء هذا من الناحية القانونية".

وتابع "لكن من الناحية العملياتية تستطيع كل من روسيا وأميركا بسبب وجودهما العسكري على الأراضي السورية فرض حظر على أي طائرة تقترب من المنطقة، وهما تقومان بذلك في المناطق التي تهمهم، وخاصة أميركا التي تمنع الطائرات العسكرية السورية من الاقتراب من مناطق وجودها وخلاف ذلك تغض الطرف عن قتل المدنيين وترهيبهم بواسطة المسيّرات التركية دون أن تمنع، وروسيا أيضاً تفعل الفعل الأميركي وذلك لتطابق مصالحهما في العلاقة مع المحتل التركي. لهذا لا أعتقد أن أي حظر جوي سيتم فرضه حتى لو تم إبادة سكان شمال شرق سوريا".

(ف)

ANHA