​​​​​​​صراع الهيمنة بين واشنطن وموسكو وبكين - كيفارا شيخ نور

​​​​​​​صراع الهيمنة بين واشنطن وموسكو وبكين - كيفارا شيخ نور
الثلاثاء 22 آذار, 2022   00:21

انطلاقاً من القول المأثور بأن "كل عشب ينمو على جذره"، لم ولن تفلح لا المنظمات الأممية ولا الهيئات الدولية ولا الدول المهينة عليها السابقة واللاحقة (الولايات المتحدة وروسيا والصين) في تحقيق الاستقرار والسلام في العالم. فالنظم المهيمنة تفاقم المشاكل وتنشر الحروب والفقر والجوع والتقسيم رغبة منها في الإخضاع والسيطرة على العالم والتحكم به.

وتقوم هذه القوى المهيمنة بدايةً على الدخول في تنافس كبير فيما بينها، وما يلبث أن يتحول هذا التنافس إلى صراع ومن ثم إلى حروب ضارية فيما بينها، والحرب العالمية الأولى والثانية هي أكبر مثال على ذلك، ومع ذلك فهي تقوم مع مرور الوقت وحفاظاً على سلطتها، بالتجمع مع مراكز السلطات الأخرى على أن تتجمع تحت سيادة مركز السلطة الأقوى في النهاية.

إن الصراعات التي ظهرت مؤخراً بين الولايات المتحدة والصين وروسيا هو ليس بالصراع بين الخير والشر بل هو صراع بينها حول قيادة هذا العالم، ونتيجة هذا الصراع خلقت أزمات أمنية واجتماعية وثقافية واقتصادية في العالم، ولذلك من المستحيل أن يستطيع أي طرف من هؤلاء فرض الحل، لأن القوة المهيمنة (بطبيعتها) بعيدة كل البعد عن ذهنية الحل لأن مهمتها بالأساس وبالدرجة الأولى هي اختلق المشاكل ونشر سياسة "فرق تسد".

اختلقت الحرب العالمية الأولى والثانية والحرب الباردة بين القطبين (الأميركي والسوفييتي) مشكلات كثيرة، وذلك مع تعاظم مشكلات النظام المهيمن، وما بين الولايات المتحدة وروسيا أطلت الصين كقوة اقتصادية وسياسية وعسكرية جديدة وترغب في ترسيخ نفسها كقوة مهيمنة جديدة بأدوات غير عسكرية هذه المرة.

ولكن القاسم المشترك للقوى الثلاث، امتلاكها لنفس الأسلحة وهي ثلاث أيضاً: الجنوح الدائم نحو الربح الأعظمي على حساب إفقار الشعوب والتي كونته بغية التحكم أيديولوجياً بالمجتمع والطبيعة، وترتيب السلطة في هيئة دول قومية على حساب الأمم الديمقراطية أي انكار السياسة. وثالثها الصناعوية على حساب البيئة المحيطة بنا.

وتعاني الحداثة الرأسمالية وأدواتها (الثلاث) الآنفة الذكر من أزمة عميقة في معظم أرجاء المعمورة، وذلك لأن الرأسمالية بحسب القائد عبد الله أوجلان، قد "عدت على مرّ التاريخ البشري شذوذاً اجتماعياً أرعناً، وتضاد مع مسار التدفق العام للإنسانية وانشقاقاً عن الديالكتيك الكوني للطبيعة".

علينا أن ندرك وعلى الدوام أنه لمجرد ذكر كلمة الرأسمالية فعلينا أن نعرف بأن هناك أزمة، ولكي تتخلص هي من هذه الأزمة تقوم بتصديرها عبر نشر الفوضى "الخلاقة" واختلاق الأزمات الأمنية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، ومن ثم إدارة هذه الفوضى كي لا تخرج الأمور عن السيطرة، فهدفها الأساسي من ذلك هو الابقاء على هيمنتها على العالم.

ويعلم القاصي والداني أن حل الأزمات المنتشرة هو فيما طرحه القائد عبد الله أوجلان، عبر الاعتماد على إرادة الإنسان الحر (مادياً ومعنوياً) الذي بدوره يبني مجتمعاً حراً، والذي كانت عليه البشرية قبل بناء الدولة، حيث وصف القائد أوجلان في مرافعته (من دولة الكهنة السومريون نحو الحضارة الديمقراطية) الدول بأنها "هي شكل من أشكال الهيمنة التي قامت فوق ثمار الكدح الإنساني المتغير". 

أحد أسباب الأزمة هو النظام الموجود الممتد منذ عهد سومر إلى يومنا هذا، حيث إن القاسم المشترك منذ ذلك العهد إلى الصراع الدائر اليوم بين واشنطن وموسكو وبكين هو سعي كل منها وبطريقتها الخاصة نحو الهيمنة عبر ضرب منظومة القيم المجتمعية.

الهيمنة الأميركية

كشفت وثيقةُ الدليل الاستراتيجي المؤقت للأمن القومي الأميركي في الثالث من آذار 2021، عن وجود تحول في الاستراتيجية الأميركية، والتي يعتبرها المحللون تعبيراً حقيقياً عن تراجع مكانة واشنطن من على سُلَّم القوى الدولية، حيث يشير المحللون إلى أن الولايات المتحدة ستنتقل من قطب مهيمن إلى قطب رئيس من أقطاب النظام الدولي، نتيجة لبروز قوى دولية رئيسة مناوئة للسياسات الأميركية والهيمنة الغربية، كالصين، وروسيا.

كما أن الهيمنة الأميركية كقطب أوحد أصبحت في أيامها الأخيرة، وأن السياسة الأميركية يجب أن تعدل باتجاه اختلاق تحالفات جديدة حتى مع القوى الصاعدة، والهدف من ذلك كله هو إعادة التموضع لبقائها قوة عالمية فاعلة.

ودأبت واشنطن، ومنذ نشأتها، إلى فرض سيطرتها العسكرية والاقتصادية على باقي الدول، عبر فرض العقوبات الاقتصادية المؤلمة بغية إخضاع الدول غير الخاضعة لسيطرتها، ومن ثم الانتقال إلى التدخل العسكري المباشر في حال فشل خيار العقوبات، ونشر الفوضى والانسحاب وإدارة هذه الفوضى عن بعد، ولكن الآن وضمن المتغيرات الدولية وواقع النظام العالمي وتوزيع القوة الاستراتيجية الجديد، نجد أن أميركا باتت تلاحق الأحداث، ولا تصنعها كما كان الأمر في السابق، حيث تلجأ إلى الانسحاب من مناطق كثيرة، أو تبقي على عدد قليل من الجنود، وفرض سياسة العقوبات عن بعد.

الهيمنة الصينية

أما الصين فهي تسعى إلى الهيمنة الاقتصادية (غير العسكرية) على العالم، وتحاول قدر الإمكان عدم الدخول في أي صراع عسكري وعدم الوقوف إلى جانب طرف "إن أمكن" وعقد علاقات اقتصادية مع جميع الدول مهما كان توجهها، وتعتبر مبادرة الحزام والطريق الصينية أهم روافد هذه السياسية.

في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي وتفككه في أوائل تسعينيات القرن الماضي، تحول الإجماع العالمي بشأن التنمية الاقتصادية إلى ما عرف باسم "توافق واشنطن" الذي كان يدعو الدول الخارجة من النظام الشيوعي إلى التبني السريع لاقتصاد السوق والملكية الخاصة للسلع الرأسمالية.

وفي حين تبنت دول شرق أوروبا المفهوم الأميركي للتنمية، ورفضت الصين التي احتفظت بنظام حكمها "الشيوعي" هذا النموذج الأميركي. وتبنت ما يمكن القول إنه نموذجها الخاص الذي سمح بخصخصة محدودة. وعلى الرغم من نمو القطاع الخاص في الصين، فإن الشركات المملوكة للدولة سجلت نمواً كبيراً أيضاً.

وخلال السنوات الأولى من القرن العشرين حققت الصين ما يمكن اعتباره واحدة من أكبر معجزات النمو الاقتصادي في التاريخ. ومن هذه التجربة ظهر إجماع جديد يمكن أن نسميه "توافق بكين"، ولكن هل على المرء أن يختار ما بين النموذجين، فالأول يجعل الاقتصاد بيد قلة قليلة من الأغنياء الذين لا هدف لهم سوى الربح الأعظمي، والثاني يجعل الاقتصاد بيد الدولة التي يحكمها أيضاً قلة قليلة لا هم لهم سوى تحقيق الربح الأعظمي، وهذا ما أصاب الاتحاد السوفييتي وكان السبب الرئيس بانهياره عندما بنى اشتراكية شكلية فقط. 

الهيمنة الروسية

حاول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين امتصاص صدمة انهيار الاتحاد السوفييتي، عبر تطوير القطاع العسكري، وعقد علاقات مع الدول القريبة من واشنطن "الناتو" عبر شق صفوف هذا الحلف، الانتشار العسكري بعدد قليل من الجنود الرسميين واللجوء إلى المرتزقة عبر الشركات العسكرية الخاصة كـ "فاغنر".

يسعى بوتين إلى إعادة بناء دائرة النفوذ الروسي في الجمهوريات السوفيتية السابقة مثل إستونيا ولاتفيا وبيلاروسيا وجورجيا وليتوانيا وأوكرانيا ودول أخرى مثل سوريا وليبيا والسودان وأفريقيا، ويأمل الرئيس الروسي في أن يُظهر للعالم أن بلاده لا تزال قوة عظمى، وخاصة بعد التحرك العسكري الروسي في أوكرانيا، والذي دق جرس الانذار في كل دول أوروبا القريبة من روسيا.

لن نخوض في أحقية سعي كل من الصين وروسيا في مجاراة الولايات المتحدة، ولكن المهم بالنسبة لنا هو انعكاسات هذا الصراع علينا أي على الشعوب، وهو آخر ما يشغل بال الدول المهيمنة القديمة منها والجديدة.

فصراع الهيمنة بين واشنطن وموسكو وبكين، لم ولن يؤدي إلى أي تحول إيجابي في بنية النظام الدولي، بل ستزداد حدة الاستقطابات والصراعات الدولية، وكل طرف سيحاول تحريك مشغليه في العالم عبر حروب الوكالة والمرتزقة، لكن الأمر لن يصل إلى حدة الصدام المسلح فيما بينهم.