​​​​​​​باحث في القضايا الدولية: التطورات الأوكرانية تتجه إلى السيناريو السوري والأفغاني

أكد الباحث والخبير المختص في القضايا الدولية، خالد مصطفى، إن أهداف روسيا بعد تحركها عسكرياً في أوكرانيا تغيرت عن ما قبل التحرك، وأشار إلى أن موسكو متجهزه للعقوبات حيث أنشأت نظام مالي خاص بها، ورأى بأن الأمور تتجه إلى ما يشبه السيناريو السوري والأفغاني عبر تشكيل الفيلق الدولي وانضمام "إسلاميين متشددين" له.

​​​​​​​باحث في القضايا الدولية: التطورات الأوكرانية تتجه إلى السيناريو السوري والأفغاني
الثلاثاء 8 آذار, 2022   00:35
مركز الأخبار - يحيى الحبيب

تواصل روسيا تحركها العسكري في أوكرانيا على الرغم من الضغوط الغربية عليها، وأفادت وسائل إعلامية بأن العاصمة الأوكرانية كييف محاصرة بالكامل من كافة الجهات، مشيرة إلى وجود محاولات روسية لدخول العاصمة الأوكرانية من المنطقة الشمالية، وسط قصف روسي عنيف على أربين بضواحي كييف، فيما تتواصل عمليات الإجلاء.

وذكرت صحيفة "واشنطن بوست" أن الولايات المتحدة وحلفاءها يستعدون لحكومة أوكرانية في المنفى، وأنهم يزودون أوكرانيا بأسلحة ومعدات قد تكون حاسمة في مرحلة حرب الشوارع.

وقال الكرملين في بيان، إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أبلغ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في مكالمة هاتفية، الأحد، أن روسيا لن توقف "عمليتها العسكرية" إلا إذا أوقفت أوكرانيا القتال وتمت تلبية مطالب موسكو.

وحول ذلك، أجرت وكالتنا لقاء مع الباحث والخبير المصري المختص في القضايا الدولية، الدكتور خالد مصطفى.

ما هي محاور القتال وأهميتها؟

خالد مصطفى، استهل حديثه بشرح محاور القتال وأهمية المدن الأوكرانية، قائلاً: "هاجمت روسيا من خلال أربعة محاور استراتيجية حسب خطة عسكرية موضوعة بإحكام، المحور الأول من أقصى شمال أوكرانيا انطلاقاً من حدود بيلاروسيا وهذا ما أدى لتطويق العاصمة كييف وساهم في المساعدة بإجراء عمليات إنزال جوي أدت لتقدم القوات في خطى ثابتة نحو تطويق العاصمة الأوكرانية".

أما المحور الثاني بحسب مصطفى وهو "الشمالي الشرقي للبلاد وهو المحور الحيوي الذي أحكمت من خلاله القوات الروسية محاصرة مدينة كبيرة مثل خاركيف وهي ثاني أكبر مدينة استراتيجية وأسهم هذا الحصار بخلق ممرات أمنة من الممكن أن تتحرك فيها القوات الروسية ما بين مداخل خاركيف حتى العاصمة كييف".

وبالنسبة للمحور الثالث كان وفق مصطفى من "ناحية الشرق خاصة من إقليم دونباس الذي يضم الجمهوريتين المستقلتين ويوجد هناك مفاعل تشرنوبل وأكبر محطة مياه في أوروبا وأيضا يضم أكبر مخزن استراتيجي للفحم في العالم ومنطقة دونباس كانت أكبر منطقة للصناعات الثقيلة قبل انهيار الاتحاد السوفيتي وهذا المحور مهم جدا ومن خلاله استطاع الجيش الروسي أن يوصل الامدادات إلى الانفصاليين المقيمين في الإقليم والذي يزحفون بصفة مستمرة نحو الشمال الأوكراني".

أما المحور الرابع والأخير فهو "المحور الجنوبي الممتد شمالاً من شبه جزيرة القرم ووصولاً إلى المناطق الواقعة على نهر دنيبر وفي مقدمتها بالطبع مدينة خيرسون التي باتت تحت سيطرة القوات الروسية ومدينة خيرسون لها موقع استراتيجي على الخريطة الأوكرانية والأوروبية لأن بها أكبر منطقة لبناء وصناعة السفن في أوروبا الشرقية بالكامل وفيها أيضا الخط الوحيد الذي يمد شبه جزيرة القرم بالمياه الصالحة للشرب والصالحة للزراعة وهي المنطقة الأكثر أهمية في الصراع الروسي – الأوكراني".

وأضاف مصطفى: "لا زالت حتى هذه اللحظة عمليات الكر والفر من مدينة إلى أخرى حتى وصولاً للمدينة الاستراتيجية الأهم التي تسعى روسيا للسيطرة عليها خلال الأيام القادمة وهي مدينة أوديسا وقد مكن هذا التقدم القوات الروسية عبر المحاور الأربعة من قطع جميع الامدادات البحرية للجيش الأوكراني جنوباً بعد إحكام القبضة على كل منافذ البحر الأسود وبحر أزوف وكل هذه المحاور الأربعة تهدف إلى فرض طوق حديدي على العاصمة كييف وشل حركة القوات الأوكرانية وإرهاقها وقطع الامدادات عنها وفتح الممرات الأمنة والمعابر التي سوف ترسل روسيا منها الامدادات خلال اقتحام العاصمة كييف".

أهداف روسيا

وحول أهداف التحرك العسكري الروسي في أوكرانيا، قال مصطفى: "أهداف روسيا قبل (الغزو) تختلف عن أهدافها ما بعد (الغزو)، قبل (الغزو) كان لها مطلبين مهمين هما حيادية أوكرانيا وانتزاع الأسلحة من على الحدود الأوكرانية - الروسية لأنه كانت هناك منصات صواريخ ومعدات عسكرية ثقيلة وما يقرب من 80 ألف جندي مرابطون على الحدود الأوكرانية – الروسية وكانوا يسببون قلقاً لموسكو حسب رؤية الرئيس الروسي".

أما عن أهدافها بعد ذلك، قال مصطفى: "الأمر اختلف تماماً، روسيا تريد حالياً أولاً السيطرة الكاملة على الأراضي الأوكرانية، تغيير الحكومة وتعيين حكومة موالية لروسيا. تقسيم أوكرانيا بات من ضمن الأولويات الروسية في هذه المرحلة وأيضاً تريد أن تعترف أوكرانيا بشبه جزيرة القرم التي احتلتها عام 2014".

رعاية غير قوية للتفاوض والحسم قد يقلب الطاولة

وحول عملية التفاوض، قال مصطفى: "أي حرب في العالم تنتهي أما بالحسم أو التفاوض أو بالحسم والتفاوض بوقت واحد، حتى هذه اللحظة لم تحسم الأمور في أوكرانيا، ثانياً إن عملية التفاوض هي الحل الوحيد في هذه المرحلة لإنهاء هذه المشكلة لكن التفاوض برعاية بيلاروسيا الدولة التي تخشاها بالأساس أوكرانيا لن يجدي نفعاً، يجب أن يكون التفاوض على مستوى عال جداً، يجب أن يكون تحت مظلة الأمم المتحدة وأن يشارك به حتى أعضاء من روسيا والولايات المتحدة الأميركية وجانب من الاتحاد الأوروبي ويكون التفاوض برعاية دولية يتم مناقشة شروط كل طرف قبل الدخول إلى المفاوضات لكن المفاوضات الجارية هي أن المفاوضين الأوكرانيين يذهبون إلى التفاوض ولديهم تعليمات صعبة من الجانب الأميركي برفض كل الشروط الروسية وروسيا محددة في شروط التفاوض الخاصة".

وأضاف: "حتى هذه اللحظة جميع مسارات التفاوض باءت بالفشل، عملية التفاوض سوف تستغرق وقتاً طويلاً وأغلب المباحثات والمداولات من الممكن أن تؤدي إلى الفشل، فعملية الحسم حتى هذه اللحظة هي العملية الوحيدة التي قد تقلب الطاولة أمام الجميع ولم يتبقى من المدن الاستراتيجية المهمة إلا كييف إذا سيطرت عليها القوات الروسية أعتقد أنها سوف ستكون بداية لعملية تفاوض حاسمة وطويلة وأعتقد أن أميركا في هذا الوقت من الممكن أن تقول للرئيس الأوكراني أجلس على طاولة المفاوضات وأنقذ نفسك وما تبقى من شعبك".

روسيا متجهزه للعقوبات

وحول موضوع العقوبات المفروضة على روسيا، قال مصطفى: "الغرب متوتر لأن موضوع القتال مع روسيا موضوع صعب للغاية، وبالتالي شهدنا سيل من العقوبات التي صدرت من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول العالم. كل ساعة كانت هناك عقوبات جديدة لم يتبقى من العقوبات سوى أن تحاول واشنطن أن تصدر عقوبات على الهواء الذي يتنفسه الروس".

وأوضح أن "روسيا منذ 2014 أنشأت نظام مالي مختص بها استعداداً لخروجها من منظومة سويفت العالمية، الصين كذلك أنشأت نفس النظام المالي الموازي وروسيا تأمل أنها لن تخرج من المنظومة المالية العالمية لأنها لازالت تعتبر نفسها شريكاً أساسياً لكل دول الاتحاد الأوروبي، لكن بايدن يعلم تماماً أنه لو خرجت روسيا من منصة سويفت العالمية سوف ترتمي في أحضان التنين الصيني، وبالتالي سوف يشكلان قوة مالية كبرى من الممكن أن تقضي على هيمنة الدولار خلال المرحلة المقبلة لذلك بايدن لا يريد أن يخرج روسيا نهائياً من هذه المنظومة".

المواجهة ستكون صعبة

وحول اندلاع المواجهة بين الطرفين، رأى مصطفى أن "المواجهة ستكون صعبة إنما بداية المواجهة لو قبل الاتحاد الأوروبي انضمام أوكرانيا رسمياً إلى حلف الشمال الأطلسي (الناتو) سيكون ولد الشرارة الأولى لاندلاع المواجهة، وإذا أرسلت الولايات المتحدة الأميركية أو بريطانيا أو دول الاتحاد الأوروبي جنود على الأرض لمواجهة روسيا داخل الحدود الأوكرانية، أعتقد أنها ستكون البداية الأولى أو الشرارة الأولى لبداية الحرب العالمية الثالثة وأنا أعلم تماماً أو مدرك تماماً أن الإدارة الأميركية والاتحاد الاوروبي وبريطانيا لا يسعون إلى المواجهة المباشرة مع روسيا داخل الحدود الأوكرانية لكن للأسف أوكرانيا وقعت كفخ أو كفأر صغير ما بين العمالقة الكبار".

وأضاف: "الرئيس الأوكراني لم يدرك تماماً أن أوكرانيا أطيح بها إلى المجهول بسبب تعلقه بالإدارة الأميركية والسبب هو الوهم الذي يعيش داخل مخبئه حالياً في أوكرانيا".

تركيا تلعب على منتصف الحبل

وحول موقف تركيا، رأى مصطفى أنها "تلعب دائماً على الحبل من المنتصف، دائماً تمسك الأمور من منتصفها فهي ليست مع وليست ضد، هي مع مصالحها الشخصية، الرئيس التركي عودنا دائماً أنه مع مصلحته الشخصية ومع مصلحة تركيا وهو ينقض على فريسته عندما تؤول الأمور وإن كان هناك شيئاً في الخفاء وهو قلباً وقالباً أعتقد ضد الولايات المتحدة الأميركية لكنه لم يظهر ولن يظهر ولاءه وهو قلباً وقالباً مع النظام الروسي، لكنني أصفه بالحرباء فهو يتلون مع كل موقف سياسي".

وأضاف: "تركيا بالفعل أغلقت مضيقي البوسفور والدردنيل في وجه روسيا حتى لا تعبر السفن الروسية إلى الأراضي الأوكرانية وهذا ما فهمناه نحن والعالم جميعاً، لكن المعنى الحقيقي أو السبب الحقيقي لإغلاق المضيقين ليست فقط في وجه السفن الحربية الروسية بل في وجه كل السفن الحربية العالمية لمختلف الدول، لكن على المستوى الروسي إغلاق المضيقين لن تتأثر روسيا بهما مطلقاً لأن كل العتاد الروسي والمعدات والصواريخ كلها موجود سواء على الحدود الروسية الأوكرانية أو داخل الأراضي الأوكرانية".

وأردف: "إذن التصرف التركي في الظاهر لمصلحة العالم ومصلحة دول التحالف ولمصلحة أوكرانيا أيضاً لكن في الخفاء هو لمصلحة روسيا بنسبة مليون في المئة لكن أردوغان عودنا دائماً أنه يسعى وراء مصالحه الشخصية فقط وأن لم تكن له مصلحة شخصية بينية أو تحتية ما بينه وبين الإدارة الروسية لم يكن سيقدم على هذا التصرف، لأنه في بداية الأمر رفض إغلاق المضيقين وأعتقد أنه تمت مشاورات بينه وما بين الروسي في الخفاء، مشاورات لا يعلمها أحد، وبالتالي أعتقد بناءً على ذلك أصدرت  بياناً بإغلاق المضيقين، وإغلاق المضيقين حتى هذه اللحظة في مصلحة روسيا وليست ضدها".

كيف سيتأثر العالم

وحول تأثر العالم بهذه التطورات، قال مصطفى: "بالفعل سوف تتأثر المنطقة بالكامل بهذه الحرب، وإن طال أمد الحرب سوف يزيد التأثير بصورة مرعبة، لأن روسيا لديها تعاقدات في مجال النفط والطاقة مع ليبيا ومع السعودية وحتى قطر والبحرين والكويت ولديها بعض المشروعات الاستثمارية الكبيرة في العديد من الدول الأفريقية والمنطقة الصناعية الكبرى التي سوف تبنى وتؤسس شرق قناة السويس في مصر، وهناك صفقات اسلحة تم إبرامها مع العديد من الدول العربية التي رغبت في تنويع مصادر السلاح خلال المرحلة الماضية حتى لا تستمر هيمنة السلاح الأميركي مسيطرة على الشرق الأوسط، فعدم وجود روسيا في المنطقة العربية سوف يكون له أثر بالغ على الاقتصاد العربي".

وأضاف: "بالنسبة لأوكرانيا فهي تعتبر سلة الغذاء الأولى على مستوى العالم وهي المصدر الأول للقمح، وإن لم تكن هناك بعض الدول العربية لديها المخزون الكافي سوف تتأثر خلال عدة أشهر إن لم يتم حسم هذه المشكلة عن طريق الحسم الحربي أو الحسم العسكري على كامل أراضي أوكرانيا أو من باب المفاوضات".

التطورات تتجه إلى التصعيد والمشهدين السوري والأفغاني إلى الواجهة

وحول مسار الأحداث، رأى مصطفى أن "التطورات تتجه إلى التصعيد، روسيا لن تترك أوكرانيا إلا في حالة واحدة وهي تحييد الإدارة الأوكرانية تماماً".

وأضاف: "من ضمن السيناريوهات المتوقعة هو أن يتم تكوين الفيلق الدولي. حالياً البعثات الدبلوماسية الأوكرانية تتلقى مئات الاتصالات يومياً من الإسلاميين المتشددين وهذا ما رغبت به الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، هنا في بريطانيا حوالي 30 ألف متشدد يحملون الجنسية البريطانية فلا أحد يتصور أن أوروبا وأميركا وبريطانيا سوف يرسلون أبنائهم أصحاب البشرة البيضاء وأصحاب الجنسية، بل سيرسلون الإسلاميين المتشددين الذين أثاروا الذعر في العالم حتى على المستوى الأوروبي وإن لم تحسم الأمور خلال فترة وجيزة وتنتهي العملية بسقوط كييف سوف تؤول هذه الحرب الدائرة إلى حرب شوارع من الممكن أن تطول حسب الخبراء والعسكريين إلى أكثر من عشر سنوات وسوف يتكرر المشهد السوري على سبيل المثال أو المشهد الأفغاني في حال وجود حرب شوارع ووجود المرتزقة التي تصبو لها الولايات المتحدة الأميركية، لكن مازال سيناريو المفاوضات هو السيناريو الأوضح والأقرب إلى الحقيقة لكن يجب أن يكون هناك مظلة دولية لرعاية هذه المفاوضات حتى تصل إلى النتيجة المرجوة".

وأضاف: "لا تستطيع بريطانيا إرسال قوات للمشاركة في الحرب في أوكرانيا لسببين مهمين السبب الأول أن بريطانيا خارج منظومة الاتحاد الأوروبي السبب الثاني لا تريد الإدارة البريطانية الدخول في مواجهة مباشرة مع روسيا داخل أوكرانيا وفي اليومين الماضيين كانت هناك بعض التصريحات لوزيرة الخارجية البريطانية حثت بعض المواطنين البريطانيين للمشاركة في الفيلق الدولي الذي نادى به الرئيس الأوكراني ولكن وزارة الدفاع حسمت هذا الأمر بواسطة وزير الدفاع وقادة الأفرع الرئيسية في وزارة الدفاع وقالوا لن نرسل أي جندي".

وتابع: "لكن من الممكن أن يذهب بعض البريطانيين المتشددين الذين يحملون جوازات السفر البريطانية ويلبوا دعوة الرئيس الأوكراني والمشاركة في الحرب الفوضى التي سوف تجتاح أوكرانيا في حال تكوين الفيلق الدولي الذي من المنتظر أن يضم بعض المسلمين المتشددين وعرب أوكرانيا والمسلمين الموجودين في أوروبا الشرقية إذا تم هذا بالفعل سوف يطول أمد الحرب إلى مدة لا يعلمها أحد".

ميلاد لنظام عالمي جديد

واختتم الباحث والخبير المختص في القضايا الدولية، خالد مصطفى، حديثه قائلاً: "هذه الحرب قد تكون سبباً في ميلاد نظام عالمي جديد لأن العالم يشهد تحولاً مهماً هذه الأيام والجميع أصبح مدركاً أن الإمبراطورية الأميركية لم تعد هي اللاعب الوحيد على الساحة الدولية حالياً، الحرب الموجودة حالياً والدائرة على الأراضي الأوكرانية تعتبر لحظة تاريخية ولحظة فاصلة في تاريخ البشرية على مستوى العالم ومن الممكن أن تكون هذه الحرب بصورة حقيقية سبباً قوياً لميلاد نظام عالمي جديد".

(ح)

ANHA