خبير اقتصادي: خط كركوك–بانياس يعزز موقع سوريا والعراق ويقلص النفوذ التركي

يؤكد خبير اقتصادي إلى أن إحياء خط كركوك–بانياس سيعيد رسم جزء من خريطة الطاقة في المنطقة، بما يعزز موقع سوريا والعراق، ويحد تدريجياً من النفوذ التركي، ويقلل أهمية مضيق هرمز بالنسبة لإيران والصين.

خبير اقتصادي: خط كركوك–بانياس يعزز موقع سوريا والعراق ويقلص النفوذ التركي
الجمعة 24 تموز, 2026   03:37
مركز الاخبار
دوغان جيهان

أعاد الاتفاق الذي وقعته سوريا والعراق في واشنطن خلال الأيام الماضية، حول إحياء خط أنابيب النفط كركوك–بانياس، المشروع إلى واجهة الاهتمام الإقليمي، وسط تساؤلات حول أهدافه الاقتصادية والجيوسياسية، والجهات المستفيدة والمتضررة من إعادة تشغيله، في ظل تصاعد المخاوف من احتمال إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية.

ويرى الخبير الاقتصادي أحمد بلدا أن المشروع يتجاوز كونه إعادة تشغيل لخط نفطي متوقف منذ سنوات، ليشكل جزءاً من إعادة رسم خريطة الطاقة والتجارة في الشرق الأوسط، في إطار استراتيجية تقودها الولايات المتحدة لإنشاء ممرات برية بديلة لمضيق هرمز، وضمان استمرار تدفق النفط إلى الأسواق العالمية في حال تعطل الملاحة عبر الخليج.

وأوضح بلدا أن الطلب العالمي على النفط لا يزال مرتفعاً، وأن الخط الجديد لن يقتصر على نقل النفط العراقي، بل قد يتحول مستقبلاً إلى ممر لنفط سوريا وإقليم كردستان العراق الفيدرالي والكويت، بما يقلل الاعتماد على مضيق هرمز، ويحد من تأثير أي إغلاق محتمل له.

وأضاف أن هذه البدائل ستؤدي أيضاً إلى تراجع النفوذ الإيراني المرتبط بالمضيق، كما ستؤثر في الصين التي تعد، بحسب تقديره، أكبر المستفيدين من النفط الذي يمر عبر هرمز، وهو ما يفسر، من وجهة نظره، الاهتمام الأمريكي بإنشاء مسارات برية جديدة.

سوريا... المستفيد الأكبر

وذكر بلدا أن سوريا ستكون أبرز المستفيدين من إعادة تشغيل خط كركوك–بانياس، إذ ستحصل على رسوم عبور النفط، إلى جانب اكتسابها أهمية جيواستراتيجية أكبر بوصفها ممراً رئيساً للطاقة بين العراق والبحر الأبيض المتوسط.

وأضاف أن تشغيل الخط سيمكن سوريا مستقبلاً من تصدير نفطها عبر المسار نفسه، وربط حقولها النفطية بالشبكة الجديدة بعد إعادة تأهيلها وزيادة إنتاجها.

وأشار إلى أن المشروع سيغير أيضاً طبيعة العلاقات بين بغداد ودمشق، إذ سيصبح العراق أكثر ارتباطاً باستقرار سوريا، ولن يكون قادراً على التعامل معها بمنطق الخلافات السياسية التي سادت في مراحل سابقة، لأن استمرار تدفق النفط والتجارة سيجعل التعاون بين البلدين ضرورة اقتصادية.

كما أن تشغيل طريقي M4 وM5 سيعزز مكانة سوريا كممر للتجارة والطاقة، ويمنحها دوراً أكبر في حركة النقل الإقليمي.

وأضاف أن الاتفاقات التي أبرمتها سوريا والعراق مع شركات دولية لإعادة تأهيل الحقول النفطية والتنقيب في مناطق جديدة ستؤدي في نهاية المطاف إلى زيادة كميات النفط التي ستتجه نحو خط كركوك–بانياس، ما سيعزز التقارب الاقتصادي بين البلدين ويقوي موقعهما الإقليمي.

تركيا... خسارة الاحتكار لا خسارة الدور

ويرى بلدا أن تركيا ستكون الطرف الأكثر تأثراً بإحياء الخط، بعدما احتكر خط كركوك–جيهان لعقود تصدير النفط العراقي إلى الأسواق العالمية، وهو ما منح أنقرة نفوذاً اقتصادياً وجيوسياسياً كبيراً.

ويشير إلى أن مشروع كركوك–بانياس ليس جديداً، إذ كان مطروحاً منذ سنوات، إلا أن الخلافات بين النظامين السوري والعراقي سابقاً حالت دون تنفيذه، ما دفع إلى الاعتماد على خط كركوك–جيهان كبديل.

وأوضح أن خط جيهان شهد لاحقاً خلافات قانونية ومالية بين العراق وإقليم كردستان العراق الفيدرالي وتركيا، انتهت بتوقفه بعد لجوء بغداد إلى القضاء الدولي للمطالبة بتعويضات، قبل أن يعود الحديث اليوم عن إعادة تشغيله بالتوازي مع إحياء خط كركوك–بانياس، الذي يمثل منفذاً إضافياً للعراق نحو البحر المتوسط.

ورغم ذلك، يؤكد بلدا أن خط كركوك–جيهان لن يفقد أهميته بالكامل، لأن الطلب العالمي على النفط في ازدياد، ولأن هناك خططاً لزيادة طاقته الاستيعابية أيضاً، بالتزامن مع إنشاء خطوط جديدة تنطلق من البصرة عبر سوريا، وربما عبر الأردن، إضافة إلى مشاريع لربط نفط الخليج بالبحر الأبيض المتوسط.

ويرى أن هذه المشاريع جاءت نتيجة اعتبارات جيواستراتيجية تتعلق بأمن الطاقة واحتمال تعطل الملاحة في مضيق هرمز.

وأضاف أن تركيا لن تفقد دورها بالكامل، لكنها ستفقد جزءاً من قدرتها على احتكار طرق الطاقة والتجارة، كما ستتراجع قدرتها على استخدام هذه المسارات كورقة ضغط سياسية.

ولفت إلى أن تشغيل الطرق الدولية داخل سوريا سيؤدي إلى تحول جزء من حركة التجارة التي كانت تمر عبر الأراضي التركية، وهو ما سيؤثر في مكانة تركيا بوصفها مركزاً إقليمياً للنقل والطاقة.

وأشار إلى أن أنقرة ما تزال تمتلك أوراق قوة، أبرزها نفوذها السياسي والاقتصادي داخل العراق وسوريا، إضافة إلى ملف المياه، إلا أن قدرتها على فرض شروطها ستتراجع تدريجياً مع ظهور بدائل جديدة في النقل والتجارة والطاقة.

الولايات المتحدة... إعادة تشكيل منظومة الطاقة

ويرى بلدا أن الهدف الأمريكي لا يقتصر على تأمين بديل لمضيق هرمز، بل يشمل إعادة بناء منظومة الطاقة والتجارة والتمويل في المنطقة بما يخدم المصالح الأمريكية، ويقول إن واشنطن تسعى إلى الحد من النفوذ الصيني في الشرق الأوسط عبر التحكم بمسارات تصدير النفط، ومنع وصول الجزء الأكبر منه إلى الصين، مع توجيه الصادرات نحو البحر الأبيض المتوسط والأسواق الأوروبية والأفريقية.

وأشار إلى أن الولايات المتحدة تعمل بالتوازي على توسيع حضور شركاتها النفطية والاستثمارية والمصرفية في سوريا والعراق ودول المنطقة، بما يعزز نفوذها الاقتصادي، إلى جانب تطوير ممرات جديدة للتجارة والطاقة تمتد من الخليج إلى البحر الأبيض المتوسط، وربما إلى شمال أفريقيا مستقبلاً.

وأضاف أن هذه الاستراتيجية لا تقتصر على قطاع النفط، بل تمتد أيضاً إلى الزراعة والاستثمار، مرجحاً توسع نشاط الشركات الأجنبية، بما فيها الإسرائيلية، في قطاعات الزراعة والتكنولوجيا الزراعية في شمال وشرق سوريا، باعتبار أن الأمن الغذائي بات بدوره جزءاً من التنافس الجيوسياسي.

خيارات تركيا محدودة

وحول قدرة أنقرة على مواجهة المشروع، يرى بلدا أن مشروع الطريق الذي كانت تركيا تخطط لإنشائه وصولاً إلى البصرة لا يزال يواجه صعوبات مالية، إذ يفتقر إلى التمويل اللازم رغم الدعم السياسي الذي حظي به من بعض دول الخليج.

وفي المقابل، فإن الاتفاق السوري–العراقي، إلى جانب مشاريع تطوير الطرق في دير الزور والبوكمال، سيؤدي إلى تحويل جزء من حركة التجارة بعيداً عن تركيا، خاصة إذا حظيت هذه المشاريع بتمويل أمريكي وخليجي.

ومع ذلك، يعتقد أن تركيا ستحتفظ بنفوذ مهم داخل العراق وسوريا بفضل شبكة علاقاتها السياسية والاقتصادية والأمنية، لكنه يرى أن قدرتها على فرض أجندتها كما في السابق ستتراجع مع تنوع مسارات الطاقة والتجارة في المنطقة.

ويخلص الخبير الاقتصادي أحمد بلدا إلى أن إحياء خط كركوك–بانياس يمثل أكثر من مجرد إعادة تشغيل لخط أنابيب نفطي، إذ يعكس بداية مرحلة جديدة في إعادة تشكيل التوازنات الاقتصادية والجيوسياسية في الشرق الأوسط، يكون فيها المستفيد الأكبر، وفق تقديره، سوريا والعراق والولايات المتحدة، بينما ستواجه تركيا تراجعاً تدريجياً في نفوذها المرتبط باحتكار طرق الطاقة، كما ستتأثر الصين وإيران مع انتقال جزء من تجارة النفط إلى مسارات برية بديلة لمضيق هرمز.

(أم)

ANHA