بعد عامين.. سري كانيه وكري سبي -1

بعد عامين.. سري كانيه وكري سبي -1
الثلاثاء 5 تشرين الأول, 2021   00:22
مركز الاخبار- ميديا حنّان

هجوم الحداثة الرأسمالية على الحداثة الديمقراطية

مر عامان على احتلال تركيا ومرتزقتها لمدينتي سري كانيه وكري سبي، لم تكن تركيا تبحث عن فرصة لاحتلال مساحة جغرافية صغيرة بقدر ما كانت تسعى، ومن ورائها القوى المهيمنة، لضرب الإدارة الذاتية والقضاء على تطلعات الحرية.

يصادف في الـ 9 من تشرين الأول/أكتوبر الجاري، الذكرى السنوية الثانية لهجمات دولة الاحتلال التركي على المنطقة الممتدة من مدينة سري كاني حتى كري سبي/تل أبيض واحتلالهما.

وفي هذا الملف الذي يتضمن 3 أجزاء سنتحدث من خلاله عن التطورات التي سبقت الهجمات التركية على سري كانية وكري سبي وذرائعا المكشوفة لإكمال عملية احتلال الأراضي السورية، بالإضافة إلى ممارسات الاحتلال ومرتزقة بحق أهالي المناطق المحتلة وأساليب التغيير الديمغرافي والتهجير القسري، كما سنتطرق إلى استمرار الأطماع التركية وما هو المطلوب من السوريين لمواجهة ذلك.

تركيا وأطماعها العثمانية في سوريا

منذ بداية الأزمة السورية، تدخل النظام التركي بشكل فاضح في سوريا كما في بقية البلدان العربية التي شهدت ثورات ربيع الشعوب، وذلك لإسقاط حكومة دمشق وإيصال جماعات الإسلام السياسي إلى السلطة وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين.

وشكلت تركيا نقطة التقاء المرتزقة من مختلف أنحاء العالم ونقطة عبورهم إلى كل من سوريا والعراق التي نشطت فيها الجماعات المحسوبة على "القاعدة" وتنظيمات الإسلام السياسي.

وزاد الدور التركي كنقطة تجميع ونقل الإرهابيين العالميين مع سيطرة داعش على مساحات شاسعة من العراق وسوريا وإعلان ما يسمى "دولة الخلافة".

وأشار العديد من المحللين بأن أردوغان كان يسعى لتمكين داعش من السيطرة على المناطق التي ما زال يسعى لضمها إلى تركيا للوصول إلى حدود ما يطلق الاتراك عليه حدود الميثاق الملي، ولذلك كان أردوغان وأنصاره يروجون في المجتمع الإسلامي على أن أردوغان خليفة المسلمين.

ولكن مقاومة الشعب الكردي أفشلت هذا المخطط، فقوات الدفاع الشعبي الكردستاني (الكريلا) توجهت إلى شنكال التي ارتكب فيها داعش المجازر بعد هروب مسلحي الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي تواطئ مع تركيا لتنفيذ مخططها هذا. وكذلك قطعت قوات الكريلا الطريق أمام داعش للوصول إلى مخمور وغيرها من مناطق جنوب كردستان، وبالتالي أوقفت زحف داعش الذي حصل على دعم إقليمي ودولي غير مباشر في البداية.

ومن جانبها قاتلت وحدات حماية الشعب والمرأة، داعش في روج آفا وشمال وشرق سوريا، واستطاعت إلحاق الهزيمة به، حيث تعتبر معركة كوباني (15 أيلول 2014– 26 كانون الثاني 2015) نقطة بداية هزيمة داعش وفشل المخطط التركي.

بعد فشل الأدوات.. تدخل تركي مباشر

بعد أن فشلت تركيا في تطبيق مخططها عبر داعش وغيرها من المجموعات المرتزقة والإرهابية، وخصوصا بعد انتهاء ما تسمى المعارضة تدخلت هي بنفسها.

وبدأت تركيا باحتلال المناطق السورية بدءًا من جرابلس والباب وإعزاز صيف عام 2016، وذلك في صفقة أجرتها تركيا مع روسيا على حساب ما تسمى المعارضة وهذا ما أقر به وزير الخارجية التركي السابق أحمد داوود أوغلو والذي قال بأن ثمن احتلال هذه المناطق كان الانسحاب من حلب وتسليمها إلى قوات حكومة دمشق وروسيا.

ولاستكمال هذا المخطط دخلت تركيا في تحالف مع روسيا وإيران تحت مسمى "مسار أستانا" اعتبارًا من بداية عام 2017، وبدأت بسحب مرتزقتها من المناطق السورية المختلفة وتجميعهم في إدلب خدمة لمخططها الهادف إلى احتلال المناطق الحدودية من سوريا والتي يقطنها غالبية كردية.

وعبر صفقة مع روسيا، احتلت تركيا مقاطعة عفرين في الـ 18 من آذار عام 2018، مقابل إخراج مرتزقتها من غوطة دمشق وريف حمص وأجزاء من حماة.

حجج تركيا لاحتلال المنطقة

وبعد أن قضت قوات سوريا الديمقراطية على داعش جغرافيًّا في آذار عام 2019، بدأت التهديدات التركية مجددًا لمناطق شمال وشرق سوريا.

وبعد مباحثات بين تركيا وأمريكا لمدة ثلاثة أيام، تم الإعلان في 7 آب عام 2019 عن التوصل إلى اتفاقية بتشكيل ما يسمى "المنطقة الأمنية".

ونص التفاهم على إنشاء منطقة أمنية، وتشكيل غرفة عمليات مشتركة بين الطرفين، وتسيير دوريات مشتركة "أمريكية – تركية"، في المنطقة الممتدة من مدينة سري كانيه وكري سبي بعمق يصل من 5 إلى 9 كم في بعض الأحيان، لتدخل حيز التنفيذ في الـ 8 من أيلول 2019 عبر تسيير أول دورية مشتركة بين الطرفين في الريف الشمالي الشرقي لمدينة كري سبي بواسطة 12 آلية عسكرية أمريكية وتركية.

وتزامنًا مع الدوريات المستمرة بين طرفي الاتفاق، سحبت قوات سوريا الديمقراطية أسلحتها كافة، ومقاتليها من المنطقة الحدودية، وهذا ما أكده التحالف الدولي، وبدأت المجالس العسكرية المحلية التي تشكلت حينها بردم الخنادق، والسواتر الترابية، وإزالة المتاريس العسكرية.

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السابق في 6 تشرين الأول 2019 سحب القوات الأمريكية من سوريا، ما أثار ردود أفعال منددة ضمن الإدارة الأميركية وأقدم العديد من المسؤولين على الاستقالة.

واستغل الاحتلال التركي هذا القرار، وشن هجومًا واسع النطاق في الـ 9 من تشرين الأول 2019 على مناطق متفرقة من شمال وشرق سوريا، استخدمت فيها الطائرات، المدافع، الدبابات، وكل ما تمتلكه من آليات عسكرية متطورة، معتمدة على مرتزقة من بيهم جبهة النصرة وداعش الذين تخفوا تحت اسم "الجيش الوطني السوري" مدعومين بالجيش التركي للتوغل برًّا.

وبعد مقاومة بطولية استمرت 14 يومًا من قبل قوات سوريا الديمقراطية استخدم فيها الاحتلال التركي الأسلحة الكيماوية المحرمة دوليًا واحتلت مدينه سري كانيه، وكري سبي.

تاريخ واحد للحقد التركي على الكرد

وتسعى الدولة التركية لإعطاء صدى كبير لجرائمها التي ترتكبها بحق الكرد وشعوب المنطقة بشكل عام وذلك من اختيار أيام تعتبرها تاريخية.

واختار اردوغان يوم 24 من آب 2016 لاحتلال جرابلس والتي انطلق منها لاحتلال المزيد من الأراضي السورية، ويصادف هذا اليوم تاريخ معركة "مرج دابق" 1516التي شكلت بداية هيمنة السلطنة العثمانية على الشرق الأوسط وأجزاء واسعة من أوروبا.

وجاء اختيار أردوغان يوم الهجوم على سري كانيه وكري سبي ضمن هذه الأفكار العثمانية حيث تم اختيار يوم 9 تشرين الأول والذي يصادف هذا اليوم من عام 1998 بدء المؤامرة الدولية التي استهدفت القائد عبد الله اوجلان وشاركت فيها القوى المهيمنة في الحداثة الرأسمالية، وتم فيها إخراج القائد من سوريا حتى تم تسليمه لتركيا في 15 شباط عام 1999، وبهذا ارادت تركيا ضرب مشروع الأمة الديمقراطية الذي وضع القائد أوجلان أسسه، وبدأت شعوب شمال وشرق سوريا تطبيقه على أرض الواقع.

لماذا سري كانيه؟

الرئيسة المشتركة لحركة المجتمع الديمقراطي زلال جكر، تحدثت حول ذلك قائلة: "عندما تشن دولة ما هجومًا على منطقة ما، فتختار التواريخ المحددة أو يومًا يرتبط بالمجتمع الذي يحاول استهدافه، فالهجمات على منطقة جرابلس صادفت ذكرى معركة مرج دابق عندما هاجم السلطان العثماني على منطقة حلب والجميع يعلم ذلك، واختياره ليوم 9 تشرين الأول لشن هجماته على منطقتي كري سبي وسري كانيه هو مخطط مدبر".

وأرجعت زلال جكر ذلك إلى "أن تركيا تعلم بأن لمنطقة سري كانيه مكانة تاريخية لنفوذ الشعب الكردي كونها كانت عاصمة الميتانيين، لذلك باختيارها لمدينة سري كانيه أرادت ضرب قيم المجتمع الكردي، كما وفي هذا التاريخ بالتحديد عام 1998 هددت تركيا بإخراج القائد عبدالله أوجلان من سوريا وقامت تركيا حينها بتوزيع مدرعاتها على الحدود السورية لبدء بشن هجوما على سوريا في حال لم تنفذ مطالبها، والقائد عبدالله اوجلان يقول لأصون صداقتي مع السوريين على مدار 20 عامًا، قررت الخروج من سوريا، وشن هجمات في نفس هذا التاريخ بعد ملاحم بطولية سطرها أبناء المنطقة منذ11 عامًا".

رسالة تركية لشعوب المنطقة

وأضافت زلال جكر "أن تركيا بشن هجماتها في هذا اليوم أرادت أن ترسل رسالة لشعوب مناطق شمال وشرق سوريا إن أردتم الانتصار في مكان ما، فسأقف في وجه انتصاراتكم، فالاحتلال التركي دائمًا حاول النيل من انتصارات الشعب الكردي. في الوقت ذاته عندما ننظر إلى توالي التواريخ في ظل ما نعيشه في حرب عالمية ثالثة وهي حرب أي دولة تستطيع تحقيق مكتسباتها، وهذه الحرب هي حرب الصفقات التجارية وهذا ما يميزها عن الحرب العالمية الأولى والثانية".

وترى أن "الحرب العالمية الثالثة تدار في مناطق الشرق الأوسط ومركزها سوريا ومنطقة روج آفا، أي نستطيع القول في أراضي ميزبوتاميا تدار هذه  الحرب، لذلك نستنتج بأن في الحرب العالمية الثالثة هي عبارة عن تصارع إيديولوجيتين وهما ايدلوجية السلطوية التي تقودها الدول الرأسمالية وإيدلوجية الأمة الديمقراطية التي يقودها فكر وفلسفة القائد عبدالله اوجلان التي تعتمد على صون وحدة الشعوب وحياة ندية حرة، فعندما ننظر إلى هذا الصراع فنرى بأن الدول المهيمنة تحاول إزالة المجتمعية بين مكونات شرق الأوسط ومن ثم فرض النظام الرأسمالي لذلك السياسة التي تطبقها تلك القوى هي سياسة فرق تسد".

وأشارت جكر إلى أن "الدول السلطوية رأت أن فكر الأمة الديمقراطية بات حاجز أمام تنفيذ مخططاتهم، فالقائد أشار في تحليلاته بأن القرن الـ21 سيصبح قرن حرية الشعوب بينما النظام الرأسمالي ينظر بأنه يجب على النظام الرأسمالي أن يكون في ذروته لذلك يعمل بشتى الوسائل على تفتيت المجتمع وتقسيمه".

تركيا تحاول اغتنام الفرصة

وأكدت زلال جكر أن "تركيا تحاول اغتنام فرصتها والاستفادة من سياسات الدول المهيمنة من خلال إحياء السلطنة العثمانية تحت ذريعة الميثاق الملي الذي يمتد من حلب إلى الموصل وثم كركوك، ومن خلال اتفاقية سايكس بيكو وتقسيم كردستان إلى قسمين ومن ثم في اتفاقية لوزان وتقسيم كردستان إلى 4 أجزاء".

واختتمت الرئيسة المشتركة لحركة المجتمع الديمقراطي زلال جكر حديثها قائلة: "أردوغان يحاول استغلال هذه السياسيات للحفاظ على عرش السلطة. تركيا تقوم باستهداف كل كردي أينما وجد وتواجد كل كردي يعد بمثابة خطر على بقاءها وإما القضاء عليه أو استخدامه عميل لمصلحتها لذلك الاحتلال التركي يشن هجمات كثيفه على مناطق كردستان بشكل عام، فهجمات الاحتلال التركي تكون مدبرة وفق خطة مدروسة في ظل المرحلة التي نمر فيها ونعلن فيها بأنه يجب القضاء على الاحتلال التركي".

(م)

ANHA

<iframe width="560" height="315" src="https://www.youtube.com/embed/IVbO31nJvQo" title="YouTube video player" frameborder="0" allow="accelerometer; autoplay; clipboard-write; encrypted-media; gyroscope; picture-in-picture" allowfullscreen></iframe>