هل يعود لبنان إلى "حضن حكومة دمشق" مجددًا؟

بعد تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة، أصبح ملف العلاقة بين لبنان وحكومة دمشق أكثر حساسية، خاصة أن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ليس بعيدًا عن دمشق، بل جاء دخوله السياسة لعلاقته بها. فهل سنرى عودة العلاقات بين الجانبين في الأيام المقبلة؟

هل يعود لبنان إلى "حضن حكومة دمشق" مجددًا؟
الجمعة 1 تشرين الأول, 2021   05:28
بيروت - زياد أبو غزالة

زيارة وحسابات سياسية، كسرت القطيعة مع دمشق، وأعادت سيناريو "العودة إلى حضن حكومة دمشق" إلى سجل العلاقة بين البلدين. 

من بوابة الإنقاذ، تسير العلاقات اللبنانية مع حكومة دمشق مجددًا في طريق الانفراجة، وترجع على ما يبدو إلى المربع الأول، حيث كانت دمشق أم الصبي والشقيقة الأكبر.

الغاز المصري كان الانطلاقة إلى حكومة دمشق، وهناك ذاب جليد الخصومة. وفد لبناني ضم نائبة الوزيرة السابقة زينة عكر، ووزير المالية غازي وزني، ووزير الطاقة ريمون غجر، والمدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم والسفير اللبناني في سورية سعد زاخيا، التقى وزير خارجية حكومة دمشق فيصل المقداد، لبحث استجرار الغاز المصري والطاقة الكهربائية من مصر والأردن إلى لبنان مرورًا بالأراضي السورية.

الأمين العام للمجلس الأعلى اللبناني السوري نصري خوري أكد أن الزيارة هي الأولى لوفد رسمي لبناني منذ 2011، مشيرًا إلى وجود اتفاقية سابقة بموضوع استجرار الغاز والكهرباء من مصر والأردن مرورًا بسورية، إلى لبنان، لكن الجانب المصري توقف عن إمداد لبنان بالغاز ولهذا يجري العمل على إعادة تفعيلها.

زيارة الوفد الوزاري الأخيرة ختمت عقدًا كاملًا من القطيعة بين بيروت ودمشق، بمسار نحو التطبيع مع حكومة دمشق، تماشيًا مع التطورات الإقليمية والدولية الراهنة. في ظل ضوء أميركي أخضر لتعبيد الطريق مجددًا إلى دمشق، يؤكد حدوث تغييرات واضحة في تعاطي البيت الأبيض مع الملف اللبناني بعد وصول جو بايدن إلى سدة الرئاسة.

لم يقتصر الأمر على زيارة الوفد الوزاري، فمن الجبل كانت رسالة الترحيب بحكومة دمشق. مع زيارة وفد درزي رفيع المستوى إلى دمشق ولقاء الأسد. الوفد كان بزعامة رئيس الحزب الديموقراطي اللبناني النائب طلال أرسلان، وضم شخصيات درزية مهمة على رأسها وئام وهاب، والشيخ ناصر الدين الغريب والوزير السابق صالح الغريب وطارق الداود، ووزراء حاليين وسابقين، وأكثر من 40 فعالية بلدية ورسمية مع حشد من مشايخ الطائفة الدرزية، عزز بطاقات ائتمانه لدى الأسد خلال الزيارة عبر المديح للبلاط الرئاسي، الذي رد بدوره على الخطوة بكثير من الاستعراض السياسي، أراد أن يقول فيه: إن حكومته المتآكلة ما تزال وجهة الطائفة التوحيدية في سورية ولبنان.

في ظل الانهيار.. "العهد القوي" يتقوّى بالأسد

ما كانت زيارة الوفد الوزاري إلى دمشق ستتم؛ لولا رفع واشنطن الغطاء عنها، ولا يختلف اثنان في هذه الحقيقة. خصوصًا أنها جاءت في إطار تسهيل استيراد الغاز والطاقة الكهربائية من مصر والأردن عبر سورية للبنان، فكانت الإشارة من الإدارة الأميركية.

ومن نقطة الحاجة الحياتية المُلحّة، يحاول العهد الحالي ومعه فريق الثامن من آذار استغلال التطورات اللافتة لأخذ الأمور إلى الضفة الأخرى، وإعادة تعويم العلاقات بين بيروت ودمشق في قارب سياسي بحت.

ففي الجانب اللبناني، وتحديدًا العهد برئاسة ميشال عون، بث عبر موفده الخاص إلى سورية الحرارة في العلاقات الثنائية. وكالعادة كان الحديث عن قضية المسيحيين في الشرق، والسوق المشرقية ودور سورية في اقتصاد لبنان، وهذا تمامًا ما يعبّر عن رؤية عون منذ توليه منصبه، بالرغبة في علاقة متزنة مع دمشق بحسب موقعها وانتشارها، فعدو الأمس صديق اليوم.

وصحيح أن عون وصهره جبران باسيل لم يسجلا زيارة رسمية إلى دمشق بعد، لكن المتغيرات الحالية في دمشق، في أعقاب الانفتاح العربي عليها، وما يسمى "القبول الغربي لحكومة الأسد"، دفعت الرجلين إلى العمل بجد للحفاظ على علاقة جيدة مع القيادة في دمشق، واستنفار كل الأجواء الإيجابية في هذه المرحلة الحساسة سياسيًّا.

والمشهد ليس بمختلف أبدًا في دمشق، التي تعيش حاليًّا على وظيفة الاستقطاب العربي والإقليمي والدولي، في إطار تعزيز دورها في لبنان بعد توسع نفوذ إيران، ومن في فلكها بشكل مباشر. فكانت الرسائل واضحة من بشار الأسد عن متانة العلاقات مع القوى اللبنانية القريبة. ولكن على الرغم من الأجواء الدافئة، ما تزال اللقاءات محصورة حتى اللحظة في مستوى وزاري ونيابي من دون أن تتمدد إلى لقاءات مع الصف الأول لحلفاء دمشق في لبنان.

حكومة ميقاتي بوابة التطبيع مع دمشق

ما يزال ملف العلاقات اللبنانية السورية على النار، ومع تشكيل حكومة جديدة برئاسة نجيب ميقاتي، يدخل الملف مرحلة أكثر حساسية، فرئيس الوزراء الحالي ليس بمعزل عن دمشق أو بعيد عنها، بل إن ولوجه عالم السياسة كان منها.

وستتحدد إطار العلاقة بين حكومة ميقاتي ودمشق، تبعًا لإجراءات الحكومة حيال قضيتين أساسيتين: النازحين، وتطبيع العلاقات على المستوى السياسي. وفيما يخص عودة النازحين إلى بلادهم، فإن الرئاسة اللبنانية تسعى إليه منذ فترة طويلة، لما فيه من أهمية فائقة، من المؤكد أنها ستعنْون الانتخابات النيابية المقبلة التي بدأ حلفاء دمشق يستعدّون لها.

أما عن تطبيع العلاقات رسميًّا مع دمشق وتعزيز اللقاءات والمباحثات بعد عشرة أعوام من الجفاء، فقد شرع الأمين العام للمجلس الأعلى اللبناني السوري نصري خوري بالترويج له تحت مسمى التكامل السياسي الذي يعبّر إلى حد بعيد وبالدرجة الأولى عن تثبيت مخططات إيران في لبنان.

وليس بعيدًا عن ذلك، العلاقات الاقتصادية التي لم تكن يومًا بعيدة عن السياسة. وهو ما يعيد مشهد توقيف الشاحنات اللبنانية في فترات متفاوتة على الحدود، ورفْع الرسوم على مرورها، وتفاؤل بعض الاقتصاديين ورجال الأعمال بإمكان أن تكون مرحلة إعمار سورية تمر عبر لبنان والاستفادة منه.

مهما يكن، الشيء الأهم في الحسبان أن الولايات المتحدة رحّبت بشكل أو بآخر بعودة العلاقات ولو بطريقة غير مباشرة، كان الهدف الأصلي منه قطع الطريق على إيران في أن تكون المنقذ للبنان، واحتواء موقفها في محاولات كسر العقوبات الأميركية المفروضة عليها في شأن تصدير النفط، وذلك عبر "حزب الله" وبواخر الوقود المستقدم إلى لبنان. ولا يغفل على أحد أن عودة اللقاءات على مستوى وزاري بين بيروت ودمشق يشكل ثغرة في جدار العقوبات المفروضة على دمشق أو ما بات يعرف بعقوبات قيصر. ومع هذه الحقائق لا بد من التريث كثيرًا قبل القفز فوق نتائج ما يجري، لا سيما أن زيارة الوفد الوزاري كانت أشد حرارة من صيف لبنان الحار من دون كهرباء.

(ح)

ANHA