الزراعات المحمية في الساحل السوري بين غلاء المستلزمات وتراجع الأسعار

تعود الزراعات المحمية في الساحل السوري إلى الواجهة مع بدء التحضير للموسم الجديد، وسط ارتفاع كبير في تكاليف مستلزمات الإنتاج وتراجع أسعار بعض المحاصيل، ما يضع المزارعين أمام مخاطر متزايدة، في وقت تمثل فيه هذه الزراعة مصدر دخل رئيسياً لعشرات آلاف الأسر، ولا سيما في محافظة طرطوس.

الزراعات المحمية في الساحل السوري بين غلاء المستلزمات وتراجع الأسعار
الزراعات المحمية في الساحل السوري بين غلاء المستلزمات وتراجع الأسعار
الزراعات المحمية في الساحل السوري بين غلاء المستلزمات وتراجع الأسعار
الزراعات المحمية في الساحل السوري بين غلاء المستلزمات وتراجع الأسعار
الزراعات المحمية في الساحل السوري بين غلاء المستلزمات وتراجع الأسعار
الزراعات المحمية في الساحل السوري بين غلاء المستلزمات وتراجع الأسعار
الزراعات المحمية في الساحل السوري بين غلاء المستلزمات وتراجع الأسعار
الزراعات المحمية في الساحل السوري بين غلاء المستلزمات وتراجع الأسعار
الأحد 27 يلول, 2026   03:40
طرطوس

شهدت الزراعات المحمية في الساحل السوري خلال السنوات الماضية تراجعاً حاداً، بالتزامن مع توجه عدد من المزارعين إلى زراعة الفواكه الاستوائية، مثل الدراغون والموز، قبل أن يعود قسم منهم إلى نصب الأقبية والهناكر واستئناف زراعة الخضار المحمية، بعد تكبد خسائر كبيرة في تجارب الزراعات الاستوائية.

يقول الخبير الزراعي نزار الجهني لمراسلي وكالة أنباء هاوار إن المزارعين واجهوا خلال العام الحالي صدمة جديدة تمثلت بالارتفاع الكبير في الأسعار والتضخم، بالتزامن مع تراجع أسعار المحاصيل وارتفاع تكاليف الإنتاج، ما زاد من المخاطر التي تواجه الزراعات المحمية.

وأوضح الجهني أن هذه الزراعة تحتاج إلى تكاليف مرتفعة، في ظل الارتفاع المستمر في أسعار النايلون والأغطية البلاستيكية والهياكل الحديدية والأسمدة والمحاليل المغذية المستوردة، فضلاً عن تعرض البيوت المحمية لمخاطر التغيرات المناخية والكوارث، ومنها موجات الصقيع والرياح الهابطة المعروفة محلياً بـ "التنين البحري"، التي يمكن أن تؤدي إلى تضرر الهياكل وخسارة المحصول.

وأشار إلى أن المشكلة لا تقتصر على ارتفاع تكاليف الإنتاج، بل تشمل أيضاً الفارق بين كلفة زراعة المحصول وقدرة المستهلك على الشراء، في ظل الحاجة إلى توسيع قنوات التسويق والتصدير لتعويض ضعف الطلب المحلي.

خسائر الزراعات الاستوائية تعيد المزارعين إلى البيوت المحمية

وقال الجهني إن المزارعين في الساحل وجدوا أنفسهم أمام خيار العودة إلى الزراعات المحمية بعد تجارب في الزراعات الاستوائية، مشيراً إلى أن بعض المزارعين تكبدوا خلال السنوات الثلاث الماضية خسائر تجاوزت، بحسب تقديره، ملياراً ونصف المليار ليرة لكل مزارع.

وتأتي هذه العودة في وقت ارتفعت فيه تكاليف مستلزمات الإنتاج بصورة كبيرة، إذ بلغ سعر 500 بذرة من الفليفلة والبندورة والخيار نحو 80 دولاراً، وسعر كيس السماد نحو 350 ألف ليرة، فيما بلغ سعر كيس سماد اليوريا 65 دولاراً، وكيس السماد العضوي 25 ألف ليرة، بينما وصلت تكلفة لفة النايلون اللازمة لبيت بلاستيكي واحد إلى نحو 4.5 ملايين ليرة، في مقابل تراجع أسعار الخضار في الأسواق.

ولفت الجهني إلى دخول بذور وأسمدة وأدوية زراعية مجهولة المصدر، بعضها مهرّب من لبنان، إلى الأسواق، مشيراً إلى أن بعض هذه المواد لا تكون مضمونة النتائج، ما يضع المزارع أمام مخاطرة موسم كامل، خصوصاً في ظل ما وصفه بضعف الرقابة على بعض هذه المواد.

من الحمضيات إلى الزراعات الاستوائية ثم العودة

ويربط الجهني التحولات التي شهدها القطاع بتراجع جدوى زراعة الحمضيات في الساحل خلال السنوات السابقة، ما دفع مزارعين إلى التخلي عن جزء من الأشجار والتوجه إلى البيوت المحمية، في ظل تدني أسعار الحمضيات وعدم إقامة معمل للعصائر في الساحل، بحسب قوله.

وأضاف أن بعض المزارعين انتقلوا لاحقاً من الزراعات المحمية إلى الزراعات الاستوائية، قبل أن تظهر، بعد سنوات من التجربة، صعوبات مرتبطة بجدوى زراعة الموز وتسويقه، الأمر الذي دفعهم مجدداً إلى الزراعات المحمية.

وقال إن ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج دفع بعض المزارعين إلى الاستدانة لتأمين احتياجات الموسم، عبر شراء المواد الزراعية بالدين وبفوائد مرتفعة، مقابل تقديم ضمانات للدائنين.

وانتقد الجهني غياب التمويل الكافي للزراعات المحمية، متسائلاً عن دور المصرف الزراعي، رغم انتشار أكثر من 100 فرع له، في ظل عدم حصول هذا القطاع، وفق قوله، على تمويل يتناسب مع حجمه واحتياجاته.

عاملون يواجهون تراجع المردود

من جانبه، قال العامل في الزراعة عمر حارث، وهو رب أسرة مهجرة من حمص ويعمل بنظام الحصة لدى إحدى العائلات في سهل عكار، إن أسرته تعمل حالياً على تجهيز البيوت البلاستيكية لزراعة الخيار، لسرعة إنتاجه، بهدف تأمين دخل يساعدها على تغطية احتياجاتها المعيشية، إلى جانب تجهيز قسم آخر لزراعة الفليفلة والبندورة.

وأوضح أن تكاليف الموسم الحالي ارتفعت عدة أضعاف مقارنة بالأعوام السابقة، مشيراً إلى أن العمل في البيوت المحمية كان يؤمن سابقاً مصروف أسرته مع فائض، بينما تراجع المردود حالياً رغم زيادة حجم العمل.

وأشار إلى أنه يحاول تنويع المحاصيل خلال الموسم لتوزيع المخاطر ومصادر الدخل، إلا أن ارتفاع أسعار المستلزمات الزراعية والمحروقات يبقى من أبرز الضغوط التي يواجهها.

ولفت إلى أن العامل الذي يتقاضى أجره بالساعة قد يحصل في نهاية العام على حصة مالية أكبر من صاحب الأرض أو المستثمر، في وضع وصفه بأنه لم يكن مألوفاً في السابق.

طرطوس في صدارة الزراعات المحمية

وتشير إحصائية وزارة الزراعة لعام 2026 إلى وجود نحو 150 ألف بيت بلاستيكي في محافظة طرطوس، يعمل فيها أكثر من 30 ألف أسرة، ويقدر إنتاجها السنوي بنحو 500 ألف طن.

وتتركز الزراعة داخل البيوت المحمية بصورة رئيسة على البندورة، تليها محاصيل الباذنجان والخيار والفليفلة والفريز والكوسا، مع اختلاف مواعيد الزراعة وفق المحصول والظروف المناخية وحركة الأسعار.

وتؤكد بيانات وزارة الزراعة المنشورة مطلع العام أهمية القطاع في طرطوس، إذ تشير إلى أن نحو 150 ألف بيت محمي تتركز بشكل رئيس في طرطوس وبانياس، وتوفر مصدر دخل لأكثر من 30 ألف عائلة، فيما يغطي إنتاجها حاجة السوق المحلية ويحقق فائضاً للتصدير.

وتُظهر بيانات زراعية منشورة لدى الوزارة سابقاً أن طرطوس تستحوذ على النسبة الأكبر من البيوت المحمية المستثمرة في سوريا، بنحو 84 بالمئة، تليها اللاذقية بنحو 9 بالمئة، فيما تتوزع النسبة المتبقية على محافظات أخرى.

وتبلغ نسبة البيوت المزروعة بالبندورة نحو 56 بالمئة من إجمالي البيوت المحمية، يليها الخيار بنحو 11.5 بالمئة والباذنجان 10 بالمئة، والفريز والفليفلة بنحو 8 بالمئة لكل منهما.

وفي اللاذقية، تمثل الزراعات المحمية أيضاً نشاطاً رئيساً في عدد من المناطق، إذ تضم قرية عرب الملك في ريف جبلة وحدها نحو 777 بيتاً بلاستيكياً، تزرع بالبندورة والفليفلة والكوسا والباذنجان، إضافة إلى الدراغون والموز.

وأشارت مديرية زراعة جبلة إلى أن ارتفاع أسعار الأسمدة والمبيدات والبلاستيك وتراجع أسعار المنتجات مقارنة بتكاليفها من أبرز تحديات القطاع.

مخاطر مناخية وتعويضات محدودة

ولا تقتصر المخاطر على ارتفاع التكاليف والأسعار، إذ تعرضت بيوت محمية في طرطوس خلال العام الحالي لأضرار بسبب ظواهر مناخية قاسية.

ففي كانون الثاني الماضي، تضرر 19 بيتاً محمياً مزروعاً بالبندورة جراء تنين بحري ضرب منطقتي يحمور وسهل يحمور الغربي، وفق مديرية زراعة طرطوس.

وفي آذار، وافق صندوق التخفيف من آثار الجفاف والكوارث الطبيعية على تعويض 21 مزارعاً تضررت بيوتهم المحمية جراء الظاهرة نفسها في قرى الجماسة وعرب الشاطئ والخرابة وسمكة ودير الحجر ويحمور، حيث بلغ عدد البيوت المتضررة 66 بيتاً على مساحة 26 دونماً.

كما اتخذت شركة كهرباء طرطوس في كانون الثاني إجراءات لتأمين ساعات وصل إضافية للمناطق التي تضم بيوتاً محمية، بهدف تمكين المزارعين من حماية مزروعاتهم من الصقيع.

الحكومة تبحث التسويق والتمويل

وفي أحدث التحركات الحكومية المرتبطة بالقطاع، ناقشت وزارة الزراعة ومحافظة طرطوس في آب الماضي واقع القطاع الزراعي، ووضعتا خطة لتوفير تقنيات زراعية حديثة وفتح أسواق تصديرية جديدة أمام المنتجات المحلية.

وشملت الملفات التي طرحتها المحافظة خلال الاجتماع مشكلة تسويق إنتاج البيوت المحمية وحماية المنتج المحلي وتنظيم استيراد المنتجات الزراعية خلال فترات ذروة الإنتاج، بهدف حماية المزارعين وتحقيق استقرار الأسواق.

كما أعلنت وزارة الزراعة عن التنسيق مع وزارة المالية لتطوير عمل المصرف الزراعي وتحويله إلى بنك زراعي متخصص، إلى جانب التواصل مع الصندوق السعودي للتنمية لتمويل مشاريع زراعية، والبدء بإعداد دراسة لنظام للتأمين الزراعي.

وبدأت مديرية زراعة طرطوس في 17 أيلول متابعة تجهيز البيوت المحمية في منطقة سهل عكار للموسم الجديد، وقال مدير الزراعة محمد عدنان أحمد إن المتابعة تشمل الخدمات الزراعية ومكافحة الآفات وصولاً إلى إنتاج المحصول وتوضيبه ونقله إلى الأسواق.

الزراعات المحمية بين أهمية الإنتاج ومخاطر السوق

ويرى الخبير الاقتصادي عامر منير أن أهمية الزراعات المحمية تكمن في إنتاج الخضار خارج موسمها التقليدي، وترشيد استهلاك المياه من خلال أنظمة الري المنظم، وتأمين مصدر دخل لعشرات آلاف الأسر الريفية، إضافة إلى رفع إنتاجية وحدة المساحة مقارنة بالزراعة المكشوفة.

وأشار إلى أن هذه الزراعات تتميز بسرعة دوران رأس المال وإمكانية تحقيق دخل موسمي متكرر، كما أن إنتاج المحاصيل خارج موسمها التقليدي يمكن أن يوفر أسعاراً أعلى، ولا سيما للبندورة والخيار خلال فترات شح العرض.

وفي المقابل، يرى أن ارتفاع أسعار المدخلات وتذبذب أسعار المنتجات في السوق المحلية يقللان من هامش الربح ويزيدان المخاطر التي يتحملها المزارع، ما يجعل التسويق والتصدير والتمويل الزراعي عوامل أساسية لاستمرار هذا النوع من الزراعة.

وتعمل وزارة الزراعة على طرح التعاونيات الزراعية لجمع الحيازات الصغيرة وتسويق الإنتاج، من خلال تقديم الدعم للمزارعين وجمع المحاصيل، إلا أن ذلك يثير مخاوف لدى بعض الفلاحين من استغلال حاجتهم إلى تمويل الموسم، ومن بيع المحصول خارج البلاد بأسعار لا تعكس كلفة إنتاجه، ولا سيما في الأسواق الخليجية.

وبحسب المكتب الإقليمي لاتحاد المصدّرين العرب، تصدر سوريا يومياً نحو 30 براداً من الخضار والفواكه إلى دول الخليج، ولا سيما الإمارات والسعودية والكويت، بكمية تصل الى 20 ألف طن.

الفلاح بين كلفة الإنتاج وسعر البيع

ويواجه مزارعو الساحل، وفق إفادات نقلها مراسلو وكالة أنباء هاوار، معادلة صعبة تتمثل في ارتفاع كلفة تجهيز البيوت المحمية وشراء البذار والأسمدة والأدوية والنايلون، مقابل أسعار بيع لا تواكب هذه الزيادة في كثير من الأحيان.

ويضاف إلى ذلك ضعف القدرة على مواجهة الكوارث الطبيعية، ومخاطر استخدام مستلزمات مجهولة المصدر، وتذبذب أسواق التصدير، فضلاً عن الحاجة إلى تمويل الموسم قبل بدء الإنتاج.

وفي ظل هذه الظروف، يطالب المزارعون بتأمين مستلزمات إنتاج بأسعار مناسبة، وتشديد الرقابة على البذار والأسمدة والأدوية الزراعية، وتوسيع قنوات التسويق والتصدير، وتوفير تمويل زراعي وتأمين فعّال ضد الكوارث، إلى جانب تنظيم السوق بما يحد من الفوارق الكبيرة بين السعر الذي يحصل عليه المنتج والسعر الذي يدفعه المستهلك.

ويُظهر واقع الزراعات المحمية في الساحل السوري وفق المعطيات، أن ارتفاع الإنتاج وحده لا يكفي لضمان استقرار القطاع، إذ يبقى المزارع مرتبطاً بتكاليف المدخلات، وتقلبات الأسعار، والظروف المناخية، وقدرته على الوصول إلى الأسواق المحلية والخارجية، وهي ملفات تضع الموسم الجديد أمام اختبار اقتصادي يتجاوز مجرد تأمين المحصول.

(أم)

ANHA