العلاقات الأمريكية- التركية من الذروة الى المنحدر.. سوريا تغلق طرق التهدئة 1

تشهد العلاقات الأمريكية التركية هشاشة غير مسبوقة في الآونة  الأخيرة وصلت بهما الى حد الانقطاع وفرض الضرائب والعقوبات على بعضهم البعض والغاء تأشيرات السفر بشكل مؤقت، والعمل في الطرف الأخر بعيداَ عن الحلف المنضوية فيه القوتان حيث كان لهذه الصراعات والانقطاعات والهشاشة في العلاقات اسباب وتراكمات منذ 15 عشر عاماً مضت أوصلت بهما الى هذا الطريق المسدود.

العلاقات الأمريكية- التركية من الذروة الى المنحدر.. سوريا تغلق طرق التهدئة 1
الثلاثاء 25 يلول, 2018   01:15

آلان روج\ مركز الأخبار

في هذا الملف حول العلاقات الأمريكية – التركية المؤلف من جزئيين سوف نفتح صفحات من تاريخ العلاقات بين الدولتين وتصادمهما في أمور تخص المنطقة لا سيما بعد بزوغ ربيع الشعوب في المنطقة وتأزم الوضع في كل من سوريا والعراق وخطر النفوذ الايراني في المنطقة وملفه النووي. الى جانب القضية الكردية التي تركز تركيا عليها في عداءه للشعب الكردي في كل محفل وقرار و تحرك دولي.

محطات في تاريخ العلاقات الأمريكية – التركية

يعود تاريخ العلاقات بين البلدين الى القرن الثامن عشر ابان السلطنة العثمانية حيث أقتصر التواصل حول سبل الاستثمارات ومد سكك الحديد والتنقيب عن المعادن الى جانب تنشيط المراسلات فيما بينهم لينخرط البعثات الامريكية بشكل نشط في المجتمع التركي آنذاك.

خلال الحرب العالمية الأولى والتي أخذت فيها أمريكا موقفاً حيادياً في بدايتها، فقد أعلنت دخول الحرب الى جانب جبهة الحلفاء ضد ألمانيا والنمسا، لكن لم يشمل اعلانه هذا كل من الدولة العثمانية وبلغاريا اللتان كانتا ضمن تحالف المركز مع ألمانيا، بل حافظت أمريكا على تحالفها وحاولت عقد صلح منفرد معها.

واستمر تحالفهما بعد هزيمة الدولة العثمانية ودخول مرحلة الجمهورية التي قادته اتاتورك حيث عقدت عدة اتفاقات ونص قوانين للإعارة والتأجير من قبل أمريكا قامت بموجبها بتقديم معونات عسكرية وصناعية وغذائية لتركيا بتكاليف مالية خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها بحكم المصالح المشتركة في ردع تهديدات الاتحاد السوفياتي.

كانت تركيا نقطة تمركز استراتيجي واحتواء للقوى الغربية ضد الاتحاد السوفيتي وسد منيع أمام الخطر الشيوعي خلال الحرب الباردة، فكانت العلاقة بين البلدين هي تبعية تركيا لسياسات الغرب أكثر ن التحالف في البداية، وانضمت فيما بعد الى حلف الشمال الاطلسي ( الناتو) عام 1952 كضمانة أقوى في لعب دور الشراكة السياسية والعسكرية والاستخباراتية في مسائل تخص دول الحلف.

وبالرغم من الأزمة الدبلوماسية التي حصلت بين البلدين في مسائلة الصواريخ الكوبية 1962م والأزمة القبرصية في 1964، وخروقات الدولة التركية خارج سرب الحلف عند تدخلها العسكري في قبرص 1974 التي أدت الى فرض حظر على بيع السلاح لركيا، الا انها أعيد التوازن نظراً لمصلحة الغرب في ابقاءه الى طرفه و حاجته اليها في استراتيجيتها بغرب اسيا و الشرق الاوسط عموماً.

دائما ما كانت تركيا تستفيد من التوجهات الغربية في المنطقة ففي اعقاب التغيير في ايران ووصول الاسلاميين الى الحكم واجتياح السوفييت لأفغانستان في نهاية السبعينات من القرن الفائت، عقدت اتفاقيات عسكرية واقتصادية بين تركيا والغرب سنة 1980 وتم كنت تركيا من الحصول على ترسانة عسكرية ضخمة.

بعد حل انهيار الاتحاد السوفياتي دخلت العلاقات الأمريكية التركية في منعطف جديد حيث سعت أمريكا الى تطوير هذه العلاقة الى استراتيجية سياسية واقتصادية ورأت أمريكا أن تركيا يمكن أن تخدم مصالحها و تلعب دور محوري في الشرق الأوسط.

أما تركيا فأدركت جيداً أن مثل هذا التحول لن يتم دون تقوية العلاقات مع اسرائيل وجمعياتها اليهودية في أمريكا وبريطانيا، لذلك طورت من علاقاتها مع اسرائيل لا سيما في المجال الاقتصادي والاستخباراتي، خاصة في ضرب الحركات الثورية المقاومة في الدول العربية والمناطق الكردية المحتلة، الى جانب تواصلها مع الجمعيات اليهودية في الغرب وتمتين علاقاتها معها. 

ومن مجمل ما ذكر فقد كانت العلاقة بين البلدين منذ الحرب الباردة وحتى نهاية التسعينيات في أوجها فيما يخص المصالح العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، وكانت تركيا ذات ارتباط جيد مع الغرب دون التفكير في توسيع نفوذها أو التحرك في قضية ما دون الرجوع الى الحلف وكذلك تبعية تركيا للغرب على الصعيد  العسكري الى حداً ما لما لهم من اعداء ومصالح مشتركة آنذاك.

مرحلة الانحدار وتوتر العلاقات

مع وصول حزب العدالة والتنمية الى الحكم عام 2002، وذلك في عهد جورج بوش الأبن، شهدت علاقات البلدين توتراً شديداً وذلك بسبب غرور وتكبر حزب أردوغان وسعيها الى الاستقلالية والبدء في توسيع النفوذ في اطار مشروع  "العثمانية الجديدة" في غاية منه الى تغيير جذري في سياساتهم الخارجية، دون ايلاء أية أهمية أو الحذر من التصادم مع الدول الإقليمية والعالمية المهيمنة أو الوصل  الى توافق معها، لتتفرد بتحركها هذا في المنطقة. 

أولى هذه التوترات كانت عند رفض تركيا لاستخدام أمريكا أجواءها وأراضيها للدخول الى العراق لأسقاط حكم الديكتاتور صدام، ليقابل ذلك بإهمال وابتعاد من قبل الادارة الأمريكية وتعمق في الخلاف بين الطرفين.

تلته  زيارة لأردوغان الى دمشق عام 2004 وتأكيده على عدم التأييد للضغوطات الدولية وعلى رأسها واشنطن ضد سوريا من أجل سحب الأخيرة لقواتها من لبنان الأمر الذي أغضب واشنطن وزاد من هشاشة العلاقات بين البلديين. كما لعب على الحبلين في الأزمة الفلسطينية الاسرائيلية لتكثيف  الاستقطاب الاجتماعي في الداخل والبلدان العربية مع تعزيز علاقاتها التجارية والاستخباراتية مع اسرائيل.

مع استمرار أردوغان في سياسته هذه بدء باستهداف نقاط التي تعتبر صلة وصل بينها وبين أمريكا فذهب ب الأمر الى التقرب مع أيران ورفضه العمل بنظام العقوبات الذي فرضته الولايات المتحدة على أيران بل قامت عكس ذلك ومتنت من علاقتها مع أيران على الصعيد الأمني والاقتصادي والتجاري والاستثمارات في مجال الطاقة.

وذهب أردوغان الى أبعد من ذلك في تشكيل العلاقات بعيداً عن سرب الناتو والتعامل مع الغرب وأمريكا، حيث وطد العلاقة مع روسيا، المنافسة لأمريكا في المنطقة، على صعيد التعاون العسكري في القارة الأوراسية، وتقوية العلاقات الاقتصادية والتجارية بينهما مع فتح خط " السيل الأزرق" للغاز رافقته زيارات متتالية ومتبادلة بين أردوغان وبوتين ووزرائهم للبلدين.

وقد أقلق هذا التقارب في العلاقات بين الطرفين الجانب الغربي وأمريكا لأن تركيا فتحت المجال للنفوذ الروسي في منطقة الشرق والقوقاز أكثر وضربت عقوبات الغرب وأمريكا، الهادفة لسد النفوذ الروسي , وحصارها، عرض الحائط خلال العقد الأول من استلام حزب العدالة للحكم في تركيا.

من خلال تقربات الحكومة التركية مع وصول حزب أردوغان الى الحكم يظهر جلياً بأن التغيير الجذري للسياسة التركية اليوم تكمن في جعل العلاقة مع الغرب وفق مصالحها في الشرق ومحيطها البحري وما تحمله من طرق و مضائق عالمية، فتلهوا في المنطقة على هواها دون ادراك وجود مصالح وأهداف استراتيجية لتلك الدول وعلى رأسها أمريكا في المنطقة.

كما أنها قطعت الأمل من مسألة الانضمام الى الاتحاد الأوربي لما لها من ملاحظات وتحفظات على تركيا لا تستطيع الأخيرة أن تتجاوزها أو تحلها، مثل احتلالها للجزيرة القبرصية والأزمة مع اليونان في مسألة المياه الدولية، ومسألة الكرد والأرمن والسريان والأشور في البلاد، الى جانب الدكتاتورية والعنف المفرط بحق شعوب تركيا وكردستان المحتلة.

غدا : العلاقات نحو طريق مسدود بعد ربيع الشعوب والأزمة السورية