سوريا سوق مقايضات المصالح الروسية -التركية

مقايضات بين الروس وتركيا على حساب ما يسمى مجموعات المعارضة، والشعب السوري، التي أدت إلى احتلال تركيا للأراضي السورية، وعفرين كانت جزءً من هذه المقايضات حيث تحولت من منطقة الآمنة إلى إحدى المناطق الدموية.

سوريا سوق مقايضات المصالح الروسية -التركية
الأحد 8 نيسان, 2018   01:30

آزاد سفو- هوكر نجار/مركز الأخبار

المقايضة الأولى/ حلب:

يعدّ تاريخ 31 من كانون الأول/ديسمبر توقيتاً ذا أهمية كبيرة للسوريين، ويعد هذا التاريخ الذي لا يمكن للسوريين نسيانه تاريخاً أسوداً للشعب السوري الذي بدأت في وقتها حكومة الاحتلال التركي والناظم الروسي على بيع سوريا لبعضهما البعض. فروسيا المعادية للحركات الإسلامية الراديكالية وتركيا التي يترأسها حزب العدالة والتنمية والمنبثق من حزب الفضيلة الإسلامي والذي يراوغ في خلق ضبابية أمام الرأي العام العالمي والإقليمي حول موقفه الإسلامي حولوا من الجغرافية السورية ساحة لتسوية الحسابات وبيع المناطق السورية لبعضهما البعض تماشياً مع مصالحهم الشخصية على حساب الدم السوري.

اتفق الطرف الروسي الذي يقود النظام السوري حالياً ودولة الاحتلال التركي التي تترأس الإرهاب على صفقة حلب كخطوة أولى لبداية عرض سوريا إلى صفقات للبيع، فأنتج التقارب الروسيّ بعد مصالحة بين بوتين وأردوغان عقب إسقاط طائرة روسية من قبل سلاح الجو التركي في الـ 24 من تشرين الثاني/نوفمبر من العام 2015، صفقة جديدة، بموافقة ضمنية من دمشق، تتضمّن إتاحة الدخول التركي كآخر محارب دولي ضدّ مرتزقة داعش ضمن ريف حلب الشمالي الشرقي.

تركيا التي تقود رأس الإرهاب كان من السهل أن تقود حرباً ضد المجموعات المرتزقة لأن تلك المجموعات كانت تعمل تحت إمرة الاستخبارات التركية وبقيادة مباشرة من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فتدخلت تركيا إلى بعض المناطق السورية بكل سهولة عبر تغيير الرايات واللباس وكانت الباب وجرابلس وأعزاز شاهدة على ذلك.

وأولى الخطوات التي بادرت فيها الحكومة التركية لإرضاء الروس بعد أن أسقطت طائرتها وأخذ الموافقة من الروس للدخول إلى الشمال السوري، سلمت مدينة حلب إلى قوات النظام بعد أن طالبت الحكومة التركية من المرتزقة الذين يسمون أنفسهم بالـ "جيش الحر" وعبر اتفاقية غير علنية بالخروج من حلب دون أي مقاومة.

ولشرعنة دخولها إلى الشمال السوري بعد أن انسحبت المجموعات المرتزقة من حلب، قامت الدولة التركية وبالتنسيق مع الروس بعملية صبغ وتغيير الرايات وتشكيل مجموعة مرتزقة أخرى تسمى بـ "درع الفرات"، واحتلت تركيا بمساعدة هؤلاء المرتزقة  مساحة تقدر بـ 2200 كلم مربع من الأراضي السورية في شمال شرق حلب، حيث كانت العملية التركية على أطراف حلب عبارة عن تغيير رايات مرتزقة داعش إلى رايات مرتزقة درع الفرات.

المستفيد الأول من هذه الصفقة كانت روسيا، حيث أنها تسعى إلى النيل من فصائل ما تسمى بـ "جيش الحر" في حلب وتتحكم فيهم عند رغبتها في السيطرة على أي منطقة وبمساعدة الاحتلال التركي في خطوة لإنهاء هذه المجموعات.

 المقايضة الثانية/ آستانا:

عاودت تركيا هذه المرة وعبر اتفاق ثلاثي بينها وبين النظامين الروسي والإيراني في آستانا والتي لم يستفد منها الإيرانيون شيئاً يذكر، حيث اتفق الأطراف الثلاثة على إعلان مناطق تسمى “تخفيف تصعيد العمليات القتالية” في أيار/مايو من العام 2017 على كامل الجغرافيا السورية، فيما أتاحت أستانا الرابعة المجال لحرب على الفصيل الأكبر في سوريا ألا وهو مرتزقة داعش الإرهابي، ليزف النظام الانتصار تلو الآخر في البادية السورية عن طريق الاتفاق الذي أبرم بين النظام الروسي والتركي، حيث طلبت تركيا بدورها من مرتزقة داعش تسليم تلك المناطق لقوات النظام دون مقاومة، ولينتهي المطاف بتحقيق أولى أهداف أطراف الاتفاق الثلاثة.

أما الطرف الإيراني الذي يحاول إعلان الهلال الشيعي وفتح طريق بري يربط طهران ببيروت، عبر بغداد ودمشق وكانت تستعمل حزب الله اللبناني من أجل ذلك، لكن النظام الإيراني لم يتمكن من تحقيق هدفه نظراً لأن قوات سوريا الديمقراطية وبالتعاون مع التحالف الدولي حررت العديد من تلك المناطق وأهمها الرقة، والتي كانت بمثابة الضربة القاسمة للهدف الإيراني.

المقايضة الثالثة/ عفرين – الغوطة الشرقية:

الصفقة الثالثة ليست الوجهة لمرتزقة داعش الإرهابي، ولا الحركات الراديكالية الإسلامية، فتركيا المتجهة نحو العثمانية الجديدة، لا تريد تأليب الرأي العام المحليّ عليها، بمعاداة واضحة للإسلام، إذ لا عدو إسلاميّ لتركيا بل عدوها واحد واضح كما تفيد به وهم الكرد، وحتى يكتسب الأمر صفة عابرة، فقد ألحقت كلمة “الإرهابيّ” بوحدات حماية الشعب والمرأة والإدارة الذاتية الديمقراطية التي تدير مدن الشمال السوري.

وحدات حماية الشعب والمرأة التي شهد   العالم بأكمله لهم  بأنهم وحدات قاتلت بالنيابة عن كافة دول العالم ضد الجماعات المرتزقة الإرهابية التي تتخذ من الدين الإسلامي ستاراً لتنفيذ عملياتها الإرهابية في المنطقة وكسب ود العالم الإسلامي اتهمتها تركيا بالإرهاب، فالجميع يعلم أنه لولا وحدات حماية الشعب والمرأة   لكانت تلك الجماعات الإرهابية لا زالت على أبواب تل كوجر أو عامودا أو سري كانيه وحتى كوباني وكري سبي، حيث قدمت تلك الوحدات التي اتهمتها تركيا بالإرهاب والمتشكلة من أبناء الشمال السوري الآلاف من الشهداء في سبيل الحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها.

وبعد أن فشلت كافة مساعي تركيا في إيجاد حجج للهجوم على المناطق التي حررتها وحدات حماية الشعب والمرأة، أقدمت على الاستفزاز المباشر على الحدود عن طريق استهداف مقاتلي وحدات حماية الشعب والمرأة الذين يحرسون الحدود الفاصلة بين روج آفا وباكور كردستان (شمال كردستان)، كما أفشلت وحدات حماية الشعب والمرأة كافة مساعيها من أجل السيطرة على الشمال السوري وإعادة الحقبة العثمانية الجديدة وإبراز الإخوانية الطابع الرئيسي لشعوب المنقطة وتعلن نفسها والية عليهم، فسارعت كما في السابق إلى إجراء مقايضة مع الروس ليكون لها موطئ قدم جديد في الشمال السوري.

وكانت هذه المرة مقايضة عفرين بالغوطة الشرقية، حيث أعطت روسيا الضوء الأخضر للاحتلال التركي بالهجوم على عفرين وأطلقت عملية سميت بـ “غصن الزيتون”، ومن أجل شرعنة احتلالها أبرز الاحتلال التركي عدة أمور لكسب الرأي العام وهي:

1-ربط العملية بالأمن القوميّ التركيّ والأمن الوطنيّ لإبعاد كابوس المناهضة الداخلية من القاطنين على الحدود.

2- ربط العمليّة بدوافع “إنسانية”.

3- إعلانها بأن وحدات حماية الشعب والمرأة تشكل خطراً على أمنها كونها تمتلك مشروعاً لا يتكيف مع نظامها الاحتلالي وإدارته الفاشية.

هذه العملية التركية المسمّاة “غصن الزيتون”، كان من المفترض أن تكون ضدّ هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة)، باعتبارها جماعة “إرهابية” مصنّفة على قوائم الإرهاب، والتي تعتبر فرع القاعدة في سوريا، إلا أن الدخول الأول لقوات الاحتلال التركي الاستطلاعية في النصف الأول من تشرين الأول/أكتوبر من العام 2017، تحت حماية هيئة تحرير الشام “جبهة النصرة سابقاً”، أنهى هذا التصور.

تركيا عمدت في هذه الخطوة إلى إنشاء نقاط تحت مسمى "نقاط مراقبة"، أمدّتها بالعتاد والجنود، وباتت الأرتال تتجمّع في هذه النقاط، من مناطق سيطرة الفصائل المرتزقة، أو عبر المنافذ الحدودية الشماليّة مع إدلب، أو عبر المنفذ الحدوديّ الذي يربط تركيا بريف حلب الغربي في منطقة كفرلوسين ومحيطها المجاور الرابط بين سوريا ولواء الإسكندرون، وهناك كانت التحضيرات الأولى، التي أسالت لعاب روسيا الراغبة في النيل من إرادة الكرد.

أعطت روسيا إشارة البدء لتركيا من أجل انطلاق عمليتها عبر سحب قاعدتها العسكرية من منطقة عفرين، ونقلها إلى تل رفعت التي حررتها قوات سوريا الديمقراطية منذ مطلع عام 2016.

فكانت الخطوة الأولى من الصفقة الثالثة التي نفّذتها تركيا بحق ما تسمى بـ "المعارضة السورية" ولشرعنة تدخله هي انسحاب قوات النظام من جبهات شرق وجنوب شرق إدلب، مع الإبقاء على بعض النقاط التي كانت في يد النظام منذ بدء الأزمة السورية، فتوجهت قوات النظام بقيادة سهيل الحسن وضمن الاتفاقية التي أبرمت بين النظام السوري والاحتلال التركي إلى تخوم العاصمة دمشق، حيث غوطة دمشق الشرقية، والتي كانت تعتبر من أهم معاقل الجماعات المرتزقة وتشكل نحو 105 كلم مربع من مساحة ريف دمشق المحاذي لشرق العاصمة السورية دمشق.

تركيا صرفت كافة الشكات في سوريا مقابل احتلال عفرين

لم تشهد جبهات إدلب أي هجوماً من قبل قوات النظام بهدف التقدم، فدفعت الثمن قبلاً فسبق مقابل الدخول إلى عفرين، حيث صرِف الاحتلال التركي شيكه الأول لصالح قوات النظام من خلال إتاحة الفرصة لقوات النظام للسيطرة على أكثر من 440 قرية وبلدة في دائرة متصلة ممتدّة في جنوب حلب وشمال شرق حماة وشرق وجنوب شرق محافظة إدلب دون أي مقاومة، حيث انسحبت منها مرتزقة جبهة النصرة والفصائل العاملة معها بشكل متتالي، يشبه تهاوي مرتزقة داعش.

فيما صرِف الشيك الآخر من بنك القرى الخاضعة لسيطرة مرتزقة داعش، حيث انسحبت الأخيرة من نحو 100 قرية وبلدة في القسم الشمالي الشرقي من حماة والقسم الجنوبي الشرقي من إدلب، بممر فتحته قوات النظام، تلاه سقوط درامي مفاجئ لمرتزقة داعش في إدلب، واستسلام 500 مقاتل مع عائلاتهم إلى مرتزقة هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة) والفصائل المرتزقة الأخرى.

كما كانت من أهداف الصفقة الثالثة ضمان استقرار جبهات إدلب، مقابل توجّه أرتال النظام لإنهاء أمر الغوطة الشرقية التي يتواجد فيها كلّ من مرتزقة “جيش الإسلام” ومرتزقة ”فيلق الرحمن” ومرتزقة ”حركة أحرار الشام الإسلامية” و مرتزقة ”هيئة تحرير الشام”، وذلك مقابل توجه الاحتلال التركي إلى عفرين ودخولها دون اعتراض جوي من النظام.

الحرب الجانبية المصطنعة:

حرب إنهاء الوجود استعرت في إدلب وغرب حلب، قبيل انطلاقة عمليّة النظام، وقبيل أي تحرّك دولي يوقف القتال المتصاعد الوتيرة في الغوطة الشرقية من ريف دمشق، فكان طرفا هذه الحرب هما مرتزقة هيئة تحرير الشام التي استفزّها مقتل أحد قادتها البارزين "أبو أيمن المصري"، ومرتزقة حركة نور الدين الزنكي ومرتزقة حركة أحرار الشام الإسلامية بمشاركة مرتزقة صقور الشام وكتائب وألوية التحقت بهذا الاقتتال للجلوس على مائدة الغنائم والمكتسبات المستجدة، إذ شهدت هاتان المحافظتان معارك عنيفة انطلقت عشية يوم الـ 20 من شباط/فبراير، في تحرك استباقي تركي، لإغلاق الباب وصفقه بوجه روسيا والنظام، أمام الحل الأخير الحاضر في أي حرب ضد فصائل المحافظات الجنوبية ومحافظات وسط سورية، ألا وهو نقلهم إلى إدلب.

وفي ظل هذه التغيّرات التي فرضتها الساحة السورية المتخبّطة، فيما يبقى للدور التركيّ مشهد آخر، أصله فجع العثمانية الجديدة للسيطرة، حاكته المكائد، لينتج حرباً جديدة، يكون فيها التركي هو المتفرج بينما الصراع العربي – الكردي هو الدائر.

كما أن الأهداف الأخرى لهذه المقايضات هي جمع تلك الفصائل المرتزقة في مناطق محددة للقضاء عليها وإنهاء وجودها في الشمال السوري ومدينتي إدلب وحماة وتسليمها للنظام، بالإضافة إلى حلم تركيا في سعيها لإعادة حقبتها العثمانية وبشكل جديد في المنطقة.

 (د ج)

ANHA