أزمة الاستملاك في سوريا.. قرارات عمرها عقود وحقوق عقارية عالقة

يتداخل ملف الاستملاك في دمشق وريفها بين تشريعات تعود إلى عقود سابقة ومشاريع تنظيمية وعمرانية واستثمارية، وسط خلافات بشأن المنفعة العامة وعدالة التعويض ومصير العقارات التي لم تُنفذ المشاريع المخصصة لها أو تغيرت غايات استخدامها، فيما تتمسك الحكومة بقانونية القرارات وتؤكد حق المتضررين في الاعتراض والمراجعة.

أزمة الاستملاك في سوريا.. قرارات عمرها عقود وحقوق عقارية عالقة
أزمة الاستملاك في سوريا.. قرارات عمرها عقود وحقوق عقارية عالقة
أزمة الاستملاك في سوريا.. قرارات عمرها عقود وحقوق عقارية عالقة
أزمة الاستملاك في سوريا.. قرارات عمرها عقود وحقوق عقارية عالقة
أزمة الاستملاك في سوريا.. قرارات عمرها عقود وحقوق عقارية عالقة
الجمعة 16 تشرين الأول, 2026   03:15
دمشق

 يشكل الاستملاك أحد أكثر الملفات العقارية تعقيداً في سوريا، لتشابك أبعاده القانونية والاقتصادية والعمرانية، وارتباطه بحق الملكية الخاصة، ومشاريع البنية التحتية والتنظيم الحضري، فضلاً عن آثار سنوات الحرب وما رافقها من فقدان وثائق ونزاعات على الملكية وتغيرات واسعة في قيمة العقارات.

ولا يقتصر الخلاف على مشروعية استملاك الأراضي لتنفيذ مشاريع عامة، بل يمتد إلى تحديد مفهوم المنفعة العامة وحدودها، ومدى الالتزام بالغاية التي صدر القرار من أجلها، وعدالة التعويضات التي قُدرت قبل سنوات طويلة، ومصير العقارات التي يقول أصحابها إنهم لم يقبضوا أثمانها أو لم يستفيدوا من التعويضات المقررة لهم.

ويبرز هذا الملف في مناطق متعددة من دمشق وريفها، من بينها ماروتا سيتي وباسيليا سيتي، ورئة دمشق على أوتوستراد العدوي، ومحيط نبع الفيجة، وقدسيا ودمر ومعضمية الشام والبجاع ومحيط مطار المزة، لكن هذه المناطق لا تخضع جميعها لنظام قانوني واحد، إذ تختلف طبيعة القرارات بين الاستملاك المباشر والتنظيم العمراني وتخصيص الأراضي للمشاريع العامة.

الاستملاك في القانون السوري.. متى يجوز نزع الملكية؟

ينظم قانون الاستملاك والذي يعود للنظام البعثي، ذو الرقم 20 لعام 1983، المعدل بالمرسوم التشريعي رقم 44 لعام 2004، إجراءات نزع الملكية الخاصة لتحقيق المنفعة العامة مقابل تعويض، وفق شروط وإجراءات قانونية محددة.

ويتيح الإطار القانوني استملاك العقارات اللازمة لمشاريع الطرق والمدارس والمستشفيات وشبكات المياه والصرف الصحي والمرافق العامة وغيرها من المشاريع الخدمية والتنموية، غير أن وجود مشروع عمراني أو اقتصادي لا يكفي وحده لتحديد طبيعته القانونية، إذ يتطلب الأمر التحقق من القرار الذي استند إليه، والجهة التي أصدرته، والغرض المحدد فيه، والإجراءات التي اتُبعت لتنفيذه.

وبحسب القانوني أحمد معلا، فإن الاستملاك إجراء لا يتوقف بالضرورة على موافقة المالك، لكنه لا يعفي الجهة المستملكة من الالتزام بالإجراءات القانونية، كما يتيح لصاحب العقار الاعتراض واللجوء إلى القضاء وفق الأصول المعتمدة.

ووفقه، تتولى لجان مختصة تقدير التعويضات، وفق الآلية القانونية المطبقة على كل حالة، مشيراً إلى أن هنا تظهر إحدى أبرز نقاط الخلاف، إذ قد يُحتسب التعويض استناداً إلى قيمة العقار في تاريخ محدد مرتبط بإجراءات الاستملاك، بينما تتغير قيمته السوقية بصورة كبيرة خلال السنوات اللاحقة.

ويؤكد أنه تزداد الإشكالية في الحالات التي مر عليها عقود، ولا سيما مع ارتفاع أسعار العقارات وتراجع القوة الشرائية للعملة السورية، ما يدفع بعض أصحاب الحقوق إلى المطالبة بإعادة تقدير التعويضات، في حين تستند الجهات العامة إلى أن ارتفاع الأسعار لاحقاً لا يؤدي تلقائياً إلى إبطال القرارات السابقة أو تعديل التعويضات التي حُددت وفق القانون.

المنفعة العامة أم الخاصة؟

وكما تتمحور إحدى القضايا الأساسية في ملف الاستملاك حول العلاقة بين الغرض الذي صدر القرار من أجله والاستخدام الفعلي للعقار بعد انتقاله إلى الجهة العامة.

فقد تُخصص أرض لإنشاء طريق أو مرفق خدمي أو مشروع بنية تحتية، بينما يتأخر التنفيذ أو يتغير شكل المشروع، أو تدخل الأرض لاحقاً في مشروع عمراني أو استثماري.

وفي هذه الحالات، يبرز سؤال بشأن استمرار تحقق المنفعة العامة، وما إذا كان تغيير الاستخدام يستوجب مراجعة القرار أو ترتيب حقوق إضافية لأصحاب العقارات.

ولا يمكن اعتبار جميع الأراضي التي تدخل في مشاريع استثمارية أراضي مستملكة بصورة غير قانونية، كما لا يعني صدور قرار استملاك في السابق أن كل تصرف لاحق بالعقار محصن من المراجعة.

فالحسم يتطلب دراسة كل ملف على حدة، والتحقق من التشريع الذي يحكمه، وشروط القرار الأصلي، وطبيعة المشروع الجديد، والحقوق التي ترتبت للمالكين أو للجهات المستثمرة.

وبحسب مدير مكتب استشاري قانوني في ريف دمشق، عرف نفسه باسم، حسان أبو يعرب، فإن الاستملاك إجراء استثنائي يمس حق الملكية، ولذلك ينبغي أن يستند إلى غاية واضحة، وأن تُحدد العقارات المشمولة به بدقة، وأن يُبلّغ أصحاب الحقوق وتُتاح لهم إمكانية الاعتراض.

وأشار إلى أن تسجيل إشارة الاستملاك في الصحيفة العقارية يرتب آثاراً قانونية على التصرف بالعقار، لكنه لا يعني بحد ذاته سقوط جميع حقوق المالك أو إعفاء الجهة المستملكة من استكمال الإجراءات المطلوبة.

المرسوم 66 لعام 2012.. تنظيم منطقتين في دمشق

يُعد المرسوم التشريعي رقم 66 الصادر في 18 أيلول 2012 من أبرز التشريعات المرتبطة بالتحولات العمرانية والنزاعات العقارية في دمشق، لكنه يختلف قانونياً عن الاستملاك التقليدي.

فقد نص المرسوم على إحداث منطقتين تنظيميتين ضمن المصور العام لمدينة دمشق بهدف تطوير مناطق السكن العشوائي والمخالفات، الأولى جنوب شرق المزة ضمن المنطقتين العقاريتين للمزة وكفرسوسة، وعُرفت باسم "ماروتا سيتي"، والثانية جنوب المتحلق الجنوبي، وعُرفت باسم "باسيليا سيتي".

وتبلغ مساحة ماروتا سيتي نحو 214 هكتاراً، فيما تُقدّر مساحة باسيليا سيتي بنحو 890 هكتاراً، وفق البيانات والتقارير المتداولة عن المشروعين.

ويقوم المرسوم على تنظيم الملكيات وتوزيع الأسهم التنظيمية والمقاسم على أصحاب الحقوق وفق آلياته، مع تخصيص المساحات اللازمة للطرق والمرافق العامة، لذلك لا يصح التعامل معه باعتباره قرار استملاك تقليدياً يشمل جميع العقارات بالطريقة نفسها، إذ ترتبط حقوق المالكين فيه بنظام التنظيم والأسهم والمقاسم والإجراءات التي خضع لها كل عقار.

وبعد الاعتراضات المتعلقة بمآلات المشروعين وحقوق المالكين، أعلنت محافظة دمشق أن حصة الأهالي من المساحات الطابقية في ماروتا بلغت وسطياً 98% من أملاكهم قبل التنظيم.

وأوضحت المحافظة أن مساحة أملاك الأهالي كانت تبلغ 1,973,377 متراً مربعاً قبل التنظيم، وأصبحت 1,946,754 متراً مربعاً من المساحات الطابقية بعده، مشيرة إلى أن المساحات الخضراء تشكل 32% من ماروتا، فيما تبلغ نسبة الشوارع والمرافق العامة نحو 31%.

وتستند المحافظة إلى هذه الأرقام في تأكيدها أن التنظيم حافظ على حقوق المالكين ورفع القيمة العقارية للأملاك، إلا أن تقييم النتائج بالنسبة إلى كل مالك يبقى مرتبطاً بحصته الفعلية، والمقاسم التي خُصصت له، وحقوقه في التعويض أو السكن البديل، ومدى التزام الجهات المعنية بالتنفيذ.

رئة دمشق.. استملاك يعود إلى سبعينيات القرن الماضي

تختلف قضية رئة دمشق، الواقعة على أوتوستراد العدوي، عن ملف التنظيم العمراني في "ماروتا وباسيليا"، إذ ترتبط بقرارات استملاك تعود، وفق الوثائق الحكومية إلى عام 1972، ثم بإجراءات وتشريعات لاحقة.

ويقول أصحاب المطالبات إن الخلاف يتعلق بأراضٍ استُملكت منذ عقود، وإن بعضهم لم يخلِ العقارات حتى اليوم، بينما تشير الرواية المقابلة للحكومة إلى أن أثمان الأراضي دُفعت لأصحابها وفق الأسعار الرائجة وقت الاستملاك.

وتتمثل الإشكالية بين الطرفين، في تحديد ما إذا كان التعويض قد دُفع فعلياً إلى صاحبه أو ورثته، وما إذا كان هناك نزاع بشأن قيمة المبلغ أو إجراءات إيداعه، إضافة إلى التحقق من استمرار الغرض الذي استُملكت الأرض من أجله.

وفي الحالات التي يثبت فيها دفع التعويض واستكمال الإجراءات القانونية، فذلك وفق خبراء قانونيين لا يؤدي ارتفاع قيمة العقار بعد سنوات طويلة، بحد ذاته، إلى نشوء حق تلقائي في تعويض إضافي.

أما الحالات التي لم يُدفع فيها التعويض، وفق الجهات ذاتها، أو شاب إجراءاتها خلل قانوني، فتتطلب مراجعة مستقلة للوثائق والقرارات ذات الصلة.

محيط نبع الفيجة.. حماية المياه وحقوق أصحاب الأراضي

صدر القانون رقم 1 لعام 2018 بشأن استملاك العقارات اللازمة لتحديد حرم نبع عين الفيجة ومحيطه، بما يشمل الحرمين المباشر وغير المباشر وحرم النفق المائي، بهدف حماية مصدر رئيسي لمياه الشرب في دمشق من التلوث.

وتقوم الغاية المعلنة لهذا النوع من الإجراءات على حماية المورد المائي وضمان سلامته، لكن تحديد الحقوق المترتبة على أصحاب الأراضي يتطلب معرفة العقارات المشمولة بالقرار، والقيود المفروضة عليها، والتعويضات المقررة، والإجراءات التي اتُبعت بشأن كل ملكية.

وتبرز في هذا السياق أهمية التمييز بين الاستملاك الكامل للعقار وبين القيود القانونية المفروضة على استخدام الأراضي الواقعة ضمن مناطق الحماية، لأن لكل حالة آثاراً مختلفة على حق الملكية والتعويض وإمكان التصرف بالعقار.

قدسيا ودمر ومعضمية الشام والبجاع ومحيط مطار المزة

تشمل الملفات العقارية المتداولة أيضاً مناطق قدسيا وضاحيتها ودمر ومعضمية الشام والصبورة والبجاع ومحيط مطار المزة، حيث تتفاوت طبيعة القرارات بين الاستملاك لأغراض عامة، والتوسع العمراني، وتنظيم الأراضي، والمشاريع السكنية والاستثمارية.

وفي محيط مطار المزة، يشير أصحاب الاراضي إلى أن الاستملاك بدأ في مراحل تاريخية سابقة، ثم توسعت رقعته خلال فترات مختلفة، بما فيها سنوات الحرب.

ويطالب هؤلاء بإعادة تحديد العقارات المشمولة بالقرارات والتحقق من حقوق المالكين، ولا سيما في الحالات التي لم تتضح فيها حدود الاستملاك أو وضع التعويض.

لكن تحديد المساحات الدقيقة وعدد العقارات والمالكين المتضررين في هذه المناطق يتطلب سجلات عقارية وخرائط رسمية لكل مشروع، ولا يمكن جمعها في رقم إجمالي واحد دون التحقق من عدم تداخل القرارات أو احتساب العقار نفسه ضمن أكثر من ملف.

وتزداد صعوبة التحقق في الحالات التي فقدت فيها الوثائق أو تغيرت القيود العقارية أو انتقلت الملكية بالإرث أو البيع، وهو ما يجعل المطالبة بمعالجة هذه الملفات مرتبطة بقدرة المؤسسات المعنية على الوصول إلى السجلات الأصلية وتدقيقها.

التعويضات.. جوهر النزاع بين المالكين والجهات العامة

يشكل التعويض أحد المحاور الرئيسة في أزمة الاستملاك، إذ تختلف المطالبات بين من يقولون إنهم لم يقبضوا التعويض، ومن يعترضون على قيمته، ومن يطالبون باسترداد العقار بعد تأخر تنفيذ المشروع أو تغير غايته.

ويشير القانوني، حسان أبو يعرب، إلى أن تقدير التعويض ينبغي أن يراعي عناصر العقار، بما فيها الموقع والمساحة والأبنية والغراس والمنشآت، وفق الأسس والإجراءات القانونية المطبقة على كل حالة.

كما يلفت إلى أن بعض الملفات قد تثير مسألة إيداع التعويض في حساب مصرفي بدلاً من تسليمه مباشرة إلى المالك، أو وجود نزاع بشأن هوية المستحق أو ورثته، غير أن اعتبار الإيداع باطلاً أو المطالبة باسترداد العقار لا يمكن حسمهما بقاعدة عامة، بل يتوقفان على النصوص النافذة والوقائع والإجراءات التي تمت في كل ملف.

وفي الحالات التي لم يُنفذ فيها المشروع أو تغير الغرض الذي استُملكت الأرض من أجله، يقول إنه تبرز الحاجة إلى التحقق من الشروط والمهل القانونية التي قد تسمح بمراجعة القرار أو المطالبة باسترداد العقار، دون افتراض أن جميع القرارات القديمة تسقط تلقائياً أو أن جميعها غير قابلة للمراجعة.

موقف الحكومة.. قانونية القرارات ومراجعة الوثائق

وزارة الأشغال العامة والإسكان، تشير إلى أن الاستملاك إجراء قانوني لتحقيق المنفعة العامة، وليس بيعاً لأراضي المواطنين أو سلباً لحقوقهم، منوهة إلى أن معظم القرارات المتداولة قديمة وموثقة في السجلات الرسمية.

وتقول الوزارة إن تأخر تنفيذ المشاريع لا يلغي القرارات تلقائياً، وإن ارتفاع أسعار الأراضي لاحقاً لا يغير قانونيتها بحد ذاته.

وتضيف، أن المشاريع العمرانية الجديدة تستهدف توفير السكن والخدمات والبنية التحتية وفرص العمل، وأن الشراكة مع المستثمرين لا تعني التخلي عن أهداف الإسكان، لافتة إلى أن عوائد المشاريع تُخصص لدعم السكن الميسر وذوي الدخل المحدود.

وفي إطار معالجة الاعتراضات، أعلنت الجهات المعنية الحكومية والمستثمرة، التوجه إلى تشكيل مكتب مشترك بين وزارة الأشغال العامة والإسكان ومحافظة ريف دمشق لاستقبال شكاوى المواطنين ووثائقهم، ودراسة الملفات وفق الإجراءات القانونية.

ويتيح هذا المسار، من حيث المبدأ، وفق قانونيين، التحقق من قرارات الاستملاك والتعويضات والقيود العقارية، لكنه لا يعني صدور قرار عام بإلغاء الاستملاكات أو استرداد جميع الأراضي، كما لا يُعد بديلاً عن القضاء في النزاعات التي تتطلب حكماً قضائياً.

هل تحتاج سوريا إلى هيئة مستقلة لمراجعة الاستملاك؟

في ظل تعدد الجهات والقرارات واختلاف تواريخها، يطرح قانونيون سوريون يومياً مقترحات من بينها ، مقترحاً لإحداث هيئة مستقلة ومؤقتة تتولى مراجعة ملفات الاستملاك، والتحقق من أصولها القانونية، وتدقيق التعويضات التي حصل عليها أصحاب العقارات، ودراسة الحالات التي تغير فيها الغرض من الاستملاك من أجل المنفعة العامة إلى استخدام آخر.

ويستند المقترح إلى صعوبة معالجة آلاف الملفات بصورة منفصلة، ولا سيما في بلد شهد سنوات من الحرب وتغيرات واسعة في الملكية والإدارة والقيمة العقارية، ويمكن أن تتولى جهة متخصصة تصنيف الملفات وفق طبيعتها، والتمييز بين القرارات المستوفية للشروط القانونية، والحالات التي تتطلب استكمال الوثائق أو إعادة التقييم أو إحالتها إلى القضاء.

(أم)

ANHA