أهالي جوبر والقابون يتمسكون بحقوقهم ويرفضون مشاريع إعمار تغيّر هوية الحيين

يتمسك أهالي حيي جوبر والقابون شرق دمشق بحقوقهم العقارية وضمان عودتهم إلى منازلهم، وسط خلافات مستمرة مع محافظة دمشق بشأن حصص المالكين وتكاليف البنية التحتية وآليات التمويل، فيما تتصاعد مخاوفهم من التغيير الديمغرافي، بانتظار التوصل إلى صيغة عادلة لإعادة الإعمار تحفظ حقوقهم وهوية الحيين.

أهالي جوبر والقابون يتمسكون بحقوقهم ويرفضون مشاريع إعمار تغيّر هوية الحيين
أهالي جوبر والقابون يتمسكون بحقوقهم ويرفضون مشاريع إعمار تغيّر هوية الحيين
أهالي جوبر والقابون يتمسكون بحقوقهم ويرفضون مشاريع إعمار تغيّر هوية الحيين
الثلاثاء 13 تشرين الأول, 2026   04:45
دمشق

يواصل أهالي حيي جوبر والقابون شرق العاصمة دمشق المطالبة بإعادة إعمار مناطقهم المدمرة بما يضمن حقوق الملكية الخاصة ويتيح عودتهم إليها، معربين عن مخاوفهم من أن تؤدي بعض الطروحات الاستثمارية إلى تقليص حصصهم العقارية وتغيير النسيج الاجتماعي للحيين، في ظل استمرار الخلاف مع محافظة دمشق بشأن آلية تنفيذ المشروع ونسب توزيع الحقوق والتكاليف.

وتشير معطيات جمعتها ورصدتها وكالتنا ANHA من مصادر محلية وأعضاء في لجان الأحياء وخبراء عقاريين إلى أن الخلاف لا يتعلق برفض مبدأ إعادة الإعمار، بقدر ما يرتبط بشروطه، والجهة التي ستتحمل تكاليفه، ومدى ضمان حقوق المالكين، ودور الأهالي في اختيار الشركات المطورة وتحديد مستقبل مناطقهم.

خلاف على نسب المالكين وتكاليف الإعمار

وعرضت محافظة دمشق خلال اجتماع عُقد في 13 آذار من العام الجاري، بحضور نحو 30 شخصاً من لجان الأحياء والوجهاء والحقوقيين والمهندسين، مقترحاً لاستقدام شركات تتولى تمويل المشروع وتنفيذ البنية التحتية وإعادة الإعمار، مقابل حصولها على نسبة من المساحة الإجمالية للمشروع.

وورد خلال الاجتماع أن المساحة التي يشملها المشروع المطروح تبلغ نحو 1100 هكتار، فيما قُدرت تكلفته بنحو 21 مليار دولار، وهي تقديرات متداولة وليست كلفة نهائية معتمدة.

كما تضمن المقترح نسباً مختلفة للتعويض بحسب طبيعة الملكيات، ما أثار اعتراضات بشأن عدالة توزيع الحقوق، ولا سيما في المناطق المصنفة زراعية والمأهولة بأبنية سكنية.

وفي هذا السياق، أوضح أحد أعضاء لجنة حي القابون، محمد لدود، أن مطالب الأهالي "واضحة جداً، وتقوم على إعادة إعمار عادلة تحفظ الأرض والكرامة، واحترام حقوق الملكية الخاصة، وعدم تحميل الأهالي تكاليف البنية التحتية".

وبيّن أن الخلاف مع المستثمر الذي قدمته المحافظة يتمحور حول نسبة أصحاب الملكيات المسجلة في الطابو، ونسبة أصحاب الملكيات الزراعية، فضلاً عن تكاليف البنية التحتية التي يجري تحميلها للأهالي.

وأشار إلى أن السكان يعانون أوضاعاً معيشية صعبة منذ تدمير منازلهم، ويواصلون دفع إيجارات السكن، في ظل غياب الدعم والمساعدات، لافتاً إلى أن كل منزل يضم أكثر من أسر، فيما أزيل الحديد والركام من أجزاء واسعة من المنطقة، ولا يزال الأهالي ينتظرون مستثمراً جدياً يبدأ عملية الإعمار.

وأضاف أن المحافظة وعدت بإعلان المخطط التنظيمي للمنطقة، مؤكداً، بحسب ما نقله عن الأهالي، أن المخطط جاهز للإعلان، لكنه لم يصدر حتى الآن.

وبحسب المعطيات، يقضي أحد العروض الاستثمارية المتداولة بمنح المالكين 26 بالمئة من المشروع مقابل 74 بالمئة للمستثمر، فيما رفضت لجنة الارتباط المنبثقة عن مجلس أمناء جوبر نسبة 35 بالمئة المطروحة في مسار آخر، وطالبت بألا تقل حصة المالكين عن 50 بالمئة، وفق رؤيتها لحقوقهم وقيمة عقاراتهم.

أما في حي القابون، فقد رفض مجلس الأمناء عروض إعادة الإعمار بصيغتها المطروحة، معترضاً على نسب توزيع الحقوق وإدراج تكاليف المنشآت العامة والبنية التحتية ضمن المشروع، فضلاً عن الأعباء الإضافية المرتبطة بالمخاطر والفوائد على القروض.

وقدّر المجلس كلفة المشروع بنحو 12 مليار دولار، ورأى أن التكاليف الإضافية المحتسبة قد تصل إلى نحو 9 مليارات دولار، وفق تقديراته.

مطالب بحماية الملكية والهوية الاجتماعية

وأكد شيوخ ووجهاء الحيين، لوكالتنا، أن الوجهاء أبلغوا محافظة دمشق، عبر بيان مشترك باسم الأهالي، رفضهم لأي تغيير ديمغرافي في المنطقة، مشيراً إلى أنهم نقلوا مخاوفهم ومطالبهم إلى الجهات المعنية.

وأوضحوا أن المطالب الأساسية تشمل حماية هوية حي القابون، ومراجعة الاستملاكات القديمة، وضمان عدالة العقود، ورفض التمويل القائم على الفوائد الربوية، إلى جانب الالتزام بقاعدة «الغُنم بالغُرم»، التي تربط الاستفادة بتحمل المسؤولية عن التكاليف.

مشيرين إلى أن الخلاف لا يزال قائماً بين المطور الذي قدمه الأهالي والمطور الذي جاء عن طريق المحافظة، موضحين أن العرض المقدم عبر المحافظة تضمن، بحسب ما عرضه على الأهالي، مساحة تبلغ 7.6 ملايين متر مربع.

وفي إطار البحث عن بدائل، تقدم أهالي القابون بمشروع قدمه أحد المستثمرين إلى المحافظة، يتضمن تقسيم الوحدات السكنية إلى ثلاثة أصناف: شعبي ومتوسط وجيد، وتنفيذ المشروع على ثماني مراحل، تستغرق كل مرحلة عامين، بما يجعل المدة الإجمالية المقدرة لإنجازه 16 عاماً.

وبحسب العرض الذي نقله الأهالي، يتولى المستثمر تنفيذ أعمال البنية التحتية والفوقية، ويحظى المشروع بدعم من ثلاثة صناديق استثمارية سعودية وإماراتية وأمريكية، غير أن المحافظة أبدت تحفظات على مدة التنفيذ، معتبرة أنها لا تتناسب مع رؤيتها للمشروع.

وتتركز نقاط الخلاف، على حصص الأهالي في المناطق التنظيمية والأراضي الزراعية والصناعية، ونسبة المتعهد، وتكاليف البنية التحتية، وصيغة التمويل، والمدة الزمنية للتنفيذ، وضمان الحفاظ على الهوية الديمغرافية للحي.

التمويل الربوي يزيد تعقيدات الإعمار

ولا تقتصر الخلافات على نسب توزيع الملكية والتكاليف، بل تمتد إلى آليات تمويل المشروع، إذ أعلن شيوخ ووجهاء الأحياء رفضهم تمويل إعادة الإعمار عبر القروض القائمة على الفوائد الربوية، ما يضيف تحدياً إلى ملف يعاني أساساً من ارتفاع التكاليف وصعوبة توفير التمويل اللازم.

وتشير المعطيات المصرفية إلى وجود مصارف عامة وخاصة تقليدية وإسلامية في سوريا، إلا أن الأهالي يواجهون صعوبات في الوصول إلى صيغ تمويل تتوافق مع مطالبهم، ولا سيما في ظل حجم الاستثمارات المطلوبة لإعادة بناء الحيين.

ويؤكد هذا الجانب أن الوصول إلى اتفاق لا يتوقف على تحديد حصة كل طرف فحسب، بل يتطلب أيضاً صيغة تمويل واضحة، وتحديد الجهة التي ستتحمل تكاليف البنية التحتية، وضمان ألا تتحول الأعباء المالية إلى سبب إضافي لحرمان أصحاب العقارات من حقوقهم أو تأخير عودتهم.

خبراء: لا إعمار قبل حسم المخطط التنفيذي

من جانبه، ذكر الخبير العقاري حسام زيدان أن إثبات الملكية وتأمين التمويل وإقرار المخطط التنظيمي من أبرز التحديات التي تواجه إعادة الإعمار في سوريا.

ولفت زيدان إلى أن دخول شركات إلى حيي جوبر والقابون وتقديم عروض استثمارية لا يحمل قيمة عملية قبل الانتهاء من الاتفاق على المخطط التنفيذي، داعياً إلى الاستفادة من تجربة المرسوم رقم 66 في مشروع ماروتا سيتي عند بحث آليات إعادة إعمار الحيين، مع ضرورة الانتهاء من تدقيق بعض الحالات والأسماء المستفيدة.

وتبرز أهمية هذه المسألة في ظل الدمار الواسع الذي تعرض له الحيان خلال سنوات الحرب، وما يترتب عليه من صعوبات في تحديد العقارات وأصحاب الحقوق ومساحات الملكيات، فضلاً عن الحاجة إلى تأمين التمويل والخدمات الأساسية قبل السماح بعودة السكان على نطاق واسع.

وفيما يتعلق بالملكية العقارية، أفاد أعضاء في مجلس أمناء جوبر والقابون بأن نحو 90 بالمئة من عقارات الحي موثقة في السجل العقاري أو السجل المؤقت، وهو ما يجعل استكمال عمليات التوثيق وتثبيت الحقوق خطوة أساسية قبل إقرار أي صيغة نهائية لإعادة الإعمار.

المحافظة تتحدث عن دراسة العروض والأهالي ينتظرون

وأكدت محافظة دمشق، في تصريحات إعلامية سابقة، التزامها بدراسة مطالب الأهالي ورغباتهم، والاستعداد لبحث الخيارات المطروحة للوصول إلى الصيغة المناسبة لإعادة الإعمار.

وبحثت المحافظة في اجتماع عُقد في 3 تشرين الأول الجاري عروضاً قدمها أهالي جوبر والقابون بشأن شركات تطوير عقاري يمكن أن تتولى إعادة الإعمار.

وقالت المحافظة إن بعض أهالي القابون طرحوا أسماء شركات لتنفيذ الأعمال، لكنها لم تستوفِ الشروط المطلوبة من حيث القدرة والإمكانات، ولذلك لم يكن ممكناً اعتماد عروضها في تلك المرحلة، مشيرة إلى توقع الإعلان عن عروض أخرى خلال الأيام التالية.

وكانت المحافظة قد أعلنت أيضاً إطلاق وحدات لتوثيق ملكيات المواطنين في الحيين، بالتزامن مع أعمال المسح الميداني وإزالة مخلفات الحرب، تمهيداً لإعداد المخطط التنظيمي النهائي، وحصر المساحات وتثبيت الملكيات قبل الانتقال إلى مراحل التنفيذ.

وفي وقت سابق، قال محافظ دمشق ماهر مروان إدلبي إن كلفة البنية التحتية وحدها قد تتجاوز مليار دولار، فيما قد تصل الكلفة الإجمالية التقديرية لإعادة إعمار جوبر والقابون إلى ما بين 17 و20 مليار دولار، ما يعكس حجم التمويل المطلوب لإنجاز المشروع.

ورغم هذه التصريحات، يشكك عدد من الأهالي، في مدى التقدم الفعلي نحو تنفيذ الوعود، ويتساءلون عن أسباب تأخر إعلان المخطط التنظيمي، في وقت يؤكدون فيه أن استمرار الانتظار يفاقم معاناتهم المعيشية ويؤخر عودتهم إلى مناطقهم.

ويطالب أصحاب العقارات بالسماح لهم بإعادة إعمار أحيائهم وفق مخطط واضح وباتفاق مباشر بين المالكين والمتعهدين، من دون حصر الخيارات بالشركات الكبيرة، مع ترك القرار لأصحاب الحقوق في اختيار آلية الإعمار المناسبة.

وبين معاناة الأهالي واستعجالهم في إعادة بناء منازلهم، واستمرار الخلافات حول العروض الاستثمارية والتمويل ونسب الملكية، تبقى الأسئلة الأساسية مطروحة: متى يصدر المخطط التنظيمي النهائي؟ ومن سيتحمل تكاليف البنية التحتية؟ وكيف ستُضمن حقوق المالكين؟ وهل ستُتاح للأهالي حرية اختيار آليات إعادة الإعمار بما يحفظ هويتهم الاجتماعية والديمغرافية؟

وإلى حين حسم هذه الملفات، لا يزال أهالي جوبر والقابون ينتظرون الانتقال من الوعود ودراسة العروض إلى خطوات تنفيذية واضحة تضع إعادة الإعمار وحقوق السكان في مقدمة الأولويات.

(أم)

ANHA