أزمة السكن في دمشق.. قفزة قياسية في الإيجارات

يواجه المواطنون في دمشق أزمة سكن متفاقمة مع ارتفاع الإيجارات بشكل غير مسبوق نتيجة زيادة الطلب وقلة المعروض، وسط شروط جديدة فرضها بعض المالكين، فيما يُرجع عاملون في القطاع العقاري ذلك إلى توقف البناء وارتفاع التكاليف وزيادة أعداد الوافدين إلى العاصمة.

أزمة السكن في دمشق.. قفزة قياسية في الإيجارات
الثلاثاء 4 آب, 2026   03:27
دمشق

تشهد سوق العقارات في دمشق وريفها بسوريا موجة ارتفاع متسارعة في أسعار الإيجارات، مع تزايد الطلب على المنازل مقابل تراجع حجم المعروض، الأمر الذي دفع أصحاب العقارات إلى فرض شروط أكثر صعوبة على الراغبين بالاستئجار.

ويقول أحمد أبو دانيال، صاحب مكتب عقاري في منطقة جرمانا، إن أزمة السكن الحالية جاءت نتيجة تراكم عدة عوامل، أبرزها توقف البناء في مناطق المخالفات، وحجم الدمار الذي طال عدداً كبيراً من الأبنية خلال سنوات الحرب، إلى جانب تزايد أعداد الوافدين إلى العاصمة خلال الفترة الأخيرة.

وأضاف أبو دانيال أن قلة العرض مقابل ارتفاع الطلب أدت إلى ارتفاع كبير في بدلات الإيجار، مشيراً إلى أن بعض المالكين باتوا يطلبون دفع عدة أشهر مقدماً، إضافة إلى مبلغ تأمين وعمولة المكتب العقاري، ما رفع الكلفة النهائية على المستأجر.

ولا تقتصر آثار الأزمة على سكان دمشق، إذ يقول حسان أبو هادي، وهو موظف يقيم في إدلب ويعمل حديثاً في العاصمة، إنه اضطر إلى التنقل أسبوعياً بين المحافظتين بسبب عدم قدرته على استئجار منزل في دمشق.

وأوضح أبو هادي: "أقضي ساعات طويلة على الطرقات يومي الخميس والأحد، ولا أرى عائلتي إلا خلال العطلة الأسبوعية، لكنني مضطر لذلك، فراتبي لا يكفي لاستئجار غرفة في دمشق، وهناك مئات الموظفين يعيشون الظروف نفسها، وبعضهم يعتمد على باصات تنقل العاملين أسبوعياً بين دمشق وإدلب".

وفي ضاحية قدسيا، يعمل أحد أصحاب المكاتب العقارية على تصوير الشقق وتسويق بيعها أو عرضها للإيجار عبر منصات التواصل الافتراضي، مؤكداً أن ارتفاع التكاليف والتضخم وقلة المعروض أمام الطلب الكبير دفعت الأسعار إلى مستويات مرتفعة.

ويشير صاحب المكتب إلى أن توقف العمل في مناطق المخالفات منذ أكثر من عام ونصف، وعدم توسع البناء، ساهما في تقليص الخيارات المتاحة أمام الباحثين عن السكن، فيما ارتفعت عمولات المكاتب العقارية نتيجة زيادة حجم العمليات وارتفاع تكاليف العمل.

أما المقيم العقاري نذير خضر، المقيم في منطقة الغزلانية بريف دمشق، فيشير إلى ارتفاع كبير في أسعار الأراضي خلال الفترة الماضية، موضحاً أن وجود جهات وأشخاص يشترون العقارات بأسعار مرتفعة أدى إلى رفع قيمة الأراضي بشكل كبير.

وأضاف أن سعر الدونم في بعض المناطق ارتفع إلى نحو عشرة أضعاف ما كان عليه سابقاً، ليصل إلى نحو 60 مليون ليرة سورية بالعملة القديمة، لافتاً إلى أن هذا الارتفاع انعكس على أسعار المنازل والإيجارات، حيث ارتفعت أجور بعض المنازل من مليون إلى مليوني ليرة شهرياً، مع إلزام المستأجر بدفع مبلغ تأمين وفواتير الكهرباء والمياه والهاتف.

وفي منطقة المعضمية بريف دمشق، يقول الخبير العقاري زياد أبو حازم إن الطلب على السكن لا يزال مرتفعاً رغم الارتفاع الكبير في الأسعار، مشيراً إلى أن إيجار غرفة واحدة في بعض المناطق يصل إلى مليون ليرة سورية شهرياً رغم محدودية مساحتها وضعف تجهيزها.

وأضاف أبو حازم أن سعر المتر المربع على العظم في المعضمية يتراوح بين 500 و700 دولار أمريكي، مؤكداً أن إيجارات المنازل ارتفعت خلال الشهر الجاري بأكثر من 100 بالمئة، ما دفع عدداً من السكان إلى البحث عن بدائل أقل تكلفة أو مغادرة منازلهم.

وفي وسط العاصمة دمشق، وتحديداً في شارع خالد بن الوليد، وصلت إيجارات الشقق المفروشة والمجهزة بالكامل إلى مستويات مرتفعة، إذ تتراوح بين 600 و2000 دولار أمريكي شهرياً، وقد تتجاوز ذلك في بعض الأبنية الحديثة، وفق موقع العقار ومستوى التجهيز.

ويرى متابعون للسوق العقارية أن أزمة الإيجارات الحالية لا ترتبط بعامل واحد، بل هي نتيجة تداخل عدة عوامل، بينها محدودية المعروض السكني، وارتفاع أسعار مواد البناء والإكساء، وتراجع القدرة على إنشاء وحدات سكنية جديدة، إضافة إلى ارتفاع الطلب داخل العاصمة.

كما ساهم التضخم وتقلبات الأسعار في دفع بعض مالكي العقارات إلى رفع بدلات الإيجار أو طلب دفعها مسبقاً لعدة أشهر للحفاظ على القيمة الفعلية للعائدات.

وتؤكد بيانات المديرية العامة للمصالح العقارية استمرار النشاط في السوق العقارية، حيث ارتفعت الرسوم المحصلة خلال النصف الأول من العام الجاري مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، إلى جانب زيادة عدد عقود البيع والبيانات العقارية المنجزة.

ويرى مختصون أن ارتفاع النشاط العقاري لا يعني بالضرورة تحسن قدرة المواطنين على امتلاك المنازل، إذ تبقى شريحة واسعة من الأسر خارج سوق التملك، ما يزيد الضغط على سوق الإيجارات.

من جهتها، تقول الخبيرة الاجتماعية نسرين إياد إن أزمة السكن تجاوزت الجانب الاقتصادي لتتحول إلى مشكلة اجتماعية تؤثر على حياة الأسر والشباب.

وأضافت أن دخل كثير من الموظفين لم يعد يكفي لتغطية إيجار منزل صغير، حتى مع وجود أكثر من مصدر دخل داخل الأسرة، مشيرة إلى أن ارتفاع تكاليف السكن دفع بعض الشباب إلى تأجيل الزواج، كما اضطر بعض العاملين والطالبات إلى تقاسم المنازل لتخفيف الأعباء المالية.

وحذرت نسرين من أن استمرار ارتفاع الإيجارات وتراجع القدرة الشرائية قد يؤدي إلى مزيد من الضغوط الاجتماعية، ويحد من قدرة الشباب على الاستقرار وتأسيس أسر جديدة.

غياب حلول تنظيمية

ورغم تصاعد أزمة السكن في دمشق وريفها، لم تصدر منذ بداية العام الجاري قرارات حكومية تحدد سقوفاً للإيجارات أو تنظم أسعار السوق الخاصة، فيما تركزت الإجراءات الرسمية على تنظيم العمل العقاري وتسجيل الملكيات.

ويطالب عاملون في القطاع العقاري وخبراء اقتصاديون بزيادة المعروض السكني، وتحفيز مشاريع البناء، ودعم الإسكان الميسر، إلى جانب وضع آليات أكثر وضوحاً لتنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر، بما يحد من الارتفاعات غير المنضبطة في سوق الإيجارات.

(أم)

ANHA